الخميس 20/12/1440 هـ الموافق 22/08/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
المهرج لـ'يلمار سودربيرغ'... ترجمة فرمز حسين

 

 في الأمس، لمحت في الشارع  وجهاً مألوفاً يمرّ بجانبي. بدا  شاحباً مرهقاً، و لكن قسمات وجهه كانت حادة و مميزة.

لا أعرف  اسمه. لكنني متأكد من أنني رأيته سابقاً، ربما كان ذلك منذ وقت طويل جداً و لكنني لم أستطع التذكر متى و لا في أية مناسبة التقيت به؟. وجهه أثار اهتمامي دون أن أجد تفسيراً لذلك، استحضرت كل ما استطعت من  مخزون ذكرياتي القديمة  كي أتعرف عليه لكن دون جدوى.

في المساء كنت في المسرح. هناك تفاجأت بوجوده مرة أخرى على خشبة المسرح و هو يؤدي دوراً ثانوياً. كان متنكراً بشكل بسيط  فقط، تعرفت عليه مباشرة و بحثت عن اسمه بين المشاركين في العمل المسرحي، حتى عثرت على اسمه، لكنه لم يكن معروفاً بالنسبة لي . تابعت تمثيله باهتمام شديد. كان يلعب دور خادم فقير أحمق ، و كان مصدر سخرية الجميع. كان الدور بائساً و قد أداه بحرفية و اتقان، و لكن صوته في بعض الإيقاعات  كانت  تشوبه مرارة  و حِدة لم تكن تتناسب مع الدور.

أصداء تلك الأصوات بقيت في أذني حتى آخر الليل  و أنا أذرع غرفتي ذهاباً و إياباً . و أخيراً و بعد استعادة شريط طويل من ذكرياتي استطعت تصنيفه بشكل صحيح . لقد تذكرت بأننا كنا زملاء في المدرسة و لكنه كان يصغرني بضع سنوات. حيث أنا كنت في أعلى صفوف المرحلة الدراسية و هو في أدناها.

عندما كنت في أعلى صفوف المرحلة الأخيرة وكنت واقفاً أمام النافذة بعد الانتهاء من استراحة طعام الفطورو استراحات المدرسة كانت لها نكهة خاصة جداً. كنت غالباً غير متمكن من واجبي المدرسي  و لم أكن أحضّر للدروس كما ينبغي أيضاً لكن القلق الذي كان يعتريني قبل الحصة الدراسية كان يذوب في زحمة قلق الحياة الأكبر من خلال الاحساس المسبق بأن الأيام التي تنتظرنا سوف تكون خاوية بلامعنى مثل تلك الأيام التي مضت.وهكذا بقيت أذرع الغرفة جيئة و ذهاباً و يداي في جيبي سترتي و لم أستطع عمل أي شيء ، من حين إلى آخر أقف أمام النافذة المفتوحة و بينما كنت على ذلك الحال جذبت انتباهي تمثيلية غريبة تجري أحداثها أمامي في الحديقة تحت النافذة مباشرة، صبي صغير من تلك الصفوف الدنيا، غلام في العاشرة او الحادية عشرة من عمره ممدد على ظهره و محاط بصبيان آخرين على شكل حلقة من حوله. وجوه غالبيتهم على الأقل إن لم يكن جميعهم كانت تعطي انطباعاً بفضولية عارمة ذلك الانطباع الذي لا يستطيع الجهلة و الأطفال إخفاءه. و صبي آخر ذو منكبين عريضين و بوجنتين بارزتين كان يبدو قوياً جداً قياساً مع عمره. كان  واقفاً في منتصف الحلقة حاملاً بيده عصاً:

 أنت عبدي قالها للصبي الملقى على الأرض، أليس كذلك؟ هيا  قلّ: أنا عبدك!

أنا عبدك أجاب الطفل بدون تردد،  قالها بسهولة تدل على أنها ليست تلك هي المرة الأولى التي يقولها.

انهض تابع الصبي الآخر

الولد نهض واقفاً .

قم بتقليد"ب" كيف يبدو منظره حين يدخل الصف. "ب" كان معلماً و كان يسير على العكازات. الصبي مشى بضع خطوات خارج الحلقة  و كأنه يفسح لنفسه الحيز اللازم لانطلاقة جديدة ثم رجع إلى خشبة العرض المثير و هو يقلد بحركات ذراعيه و قدميه تماماً مثل من يسير على عكازات . كان يقوم بدوره بشكل ناجح جداً، الأداء كان معبراً  و الجمهور كان يهلل ، لكن الممثل الصغير كان جاداً ذو وجه نحيف شاحب و مرتدياً ملابساً سوداء . ربما كان للتو قد فقد والده أو والدته.

الصبي حاول أن يكون مطيعاً على الرغم من صعوبة تنفيذ ذلك ، ضحكته بدت مصطعنة بداية الأمر،  و لكن لم يمض وقت طويل حتى نجح في أن يضحك ضحكة حقيقية و طبيعية تماماً. التفت عندها إلى سيده و كأنه كان يضحك له ، لكن سيده كان أكثر تشوقاً لأن ينفذ عبده أدواراً فنية أخرى.

قلْ إن أبي شخص لعين وتافه .

الصبي نظر إلى الجمهور من حوله نظرة يائسة.  حينها رأى بأن لا أحد من بين الحضور يبدو عليه علائم الرغبة في  مساعدته بل على العكس أدرك بأن جميعهم متشوقون لرؤية لعب دور فني ممتع حقاً. بصوت خافت بقدر ما تجرأ قال:

أبي شخص لعين تافه.

و كان التهليل من الجمهور مدوياً .

"اضحك! – ابك!"

الطفل بدأ يبكي لكنه دخل الآن أيضاً إلى تلك الحالة العاطفية التي كان قد أُمر بها. نشيج البكاء عصى في حلقه و بدأ يذرف دموعاً حقيقية.

دعه و شأنه قال رجل مسن من داخل الحلقة إنه يبكي بكاءً حقيقياً. وفي اللحظة ذاتها رنت ساعة المدرسة.

بعد بضعة أيام شاهدته يركض أمامي و هو عائد من المدرسة . لاحظت بأن سترته كانت غير مرتبة عند الظهر .

انتظر قليلاً قلت له  سترتك بحاجة إلى ترتيب من الخلف .

لا قال إنها ليست بحاجة إلى ترتيب  بل أنها ممزقة لقد مزقوها بالسكين .

هل هم أيضاً من جعلوا من كتابك متسخاًهكذا؟ سألته.

نعم لقد و ضعوه في المزراب .

و لماذا هم يعاملونك بهذا السوء؟

لا أعرف! لأنهم أقوى مني!

لم يكن باستطاعته معرفة سبب آخر. لكن ذلك ليس السبب الوحيد ، لابد أن عندك ما يزعجهم . رأيت فيه بأنه ليس مثل الآخرين. الاستثناء والاختلاف المميز دائماً يزعج الأطفال و الغوغاء .

يعاقب التلميذ المتميز عن الآخرين بالتوبيخ و الإهانة أو بالضحك و السخرية و الجفاء من قبل المعلم. لكن من رفاقه  يعاقب بالركل و الضرب حتى يصبح وجهاً مغطىً بالدماء ، و سترة مقطعة و قبعة مرمية عن عمد تحت مزراب السقف  وأجمل كتبه تصبح مرمية في الساقية.

لقد أصبح فناناً إذاً،  هذا القدر  كان الأقرب له.  الآن يتحدث من  فوق خشبة المسرح لجمهور عريض. سوف يكون غريباً فعلاً إن لم يحقق نجاحاً مميزاً ، أعتقد بأنه موهوب و ربما يُحول تدريجياً استثناءه إلى نموذج في الوقت الذي يرضخ آخرون ويتحولون من  تميزهم ليصبحوا أناس عاديين كالآخرين.

 

 

 

2019-08-22