الثلاثاء 3/1/1441 هـ الموافق 03/09/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
'ابن الابن هو الحفيد الحقيقي، وابن البنت؟؟؟'....ديمة ميقري

عبارةٌ ترَدِّدُها الكثيرُ منَ الجَدّات، دونَ تفكيرٍ بما وراءَ العِبارةِ ، أو حتّى بحقيقةِ الأمرِ عِلميّاً ! فإنَّ مجتمعاتنا وإنْ ظَهَرَتْ بثَوبٍ حضاريّ، إلّا أن البطانة مازالتْ بَدَويّة.

فأكثر الناس مازالت تقودُها العادات التي نشأت عليها القبائلُ والعشائر ، ونقلَتْها معها إلى المُدُن، إلّا أنّها مازالَتْ تُمَارَسُ حتّى اليوم ، على أنَّها دِينٌ سماويٌّ ، أو أخلاقٌ حميدةٌ يجب الحِفاظُ عليها من الضياع!

وليسَ الأمرُ غريباً، أن ينسى الإنسانُ في زحمةِ هذه الطقوسِ ( نَفسَهُ ) ، وأنَّهُ كما اعتادَ أن يكون، (الظالمُ والعَدُوُّ الأكبرُ لها ).

فقد اعتادت المجتمعات العربية، التبعية وتغييب العقل ، وتجميدِ الفكرِ ، وإبعاد الضوء عن محرضي الفكر .

فالجدَّةُ التي تميز حفيداً عن آخَر ، تظلم بناتَها التي ميزت عنهُنَّ وعن أبنائهنَّ إخوتَهم وأبناءهم ، كما أنَّ بعض الجدات تُسمّي حفيدها من بنتها ب ( ابن الصهر ) ، فتُخرِجُ بِذلكَ المرأةَ من دائرةِ عمليّةِ الإنجاب بما فيها من جينات ووراثة وتربية وحقوق وواجبات وما إلى ذلك !

غيرُ آبهاتٍ بما أثبتَهُ العِلمُ ، أن الجنين يتكوّن من ٤٦ صبغيّ أو ( كرورموسوم ) ، منهم ٢٣ للأم ، ومثلهم تماماً للأب ، وأنَّهُ لا علاقةَ لشكل المولود ( من يشبِهُ أكثر ) بذلك، فهو ابنُهُما معاً بالتّساوي، وأنَّ الذّكر لا يختَلِفُ بدوره عن الأنثى في هذه العمليةِ ، إلا لكونه حاملاً للكروموسوم الذكري في الصبغيّ الذي يحدد جنس الجنين، أي لا علاقة للمرأة في كون المولود صبياً أم بنتاً.

ومع ذلك مازال هُناكَ من يلومُ المرأةَ في حين وضعت بِنتاً ! الأمرُ الذي يُشعِرُكَ بالإحباط، أننا في عصر العِلمِ ، ولكنَّ أكثَرَنا جاهل . والدليل على ذلك، حين تجد أنَّ أغلب المصابين ب ( متلازمة الذكورة) هم في الحقيقة إناثٌ.

خذ مثلاً الجدّات، فهُنّ حتماً عشنَ هذا الظلم والتمييز من قبل آبائهن، والذين بدورهم رسخوا في أذهانهن، أن هذا الفعل سيحمي تاريخهم ووصمتهم الخاصة ، التي ترجع حقيقةً في طبيعتها إلى البداوةِ والمجتمع الصحراويّ المتعصّب، حسب تعبير الدكتور علي الوردي ، عالم الاجتماع العراقي في كتابهِ ( الضّائع من الأخلاق) ، ففي مقارنةٍ لهُ بينَ المجتمع البدوي والمجتمع الحضري يقول : " إننا لانستطيع أن نفهم الأخلاق العربية في وصعها الراهن ، دون أن ندرس أخلاق أجدادنا البدو ، وكيف كانوا ينظرون في شؤون الحياة " .

دعني أتَكَهّن بأنَّ وصولُنا في الحديثِ إلى هنا، أشعرَك بأنك مازلت في عصور الجاهليةِ ، ولكن، مع بروتوكولات مختلفة قليلاً، وبعض البريستيجات التي لانفعَ لها حينَ تكون حقيقةُ الأمرِ كذلك.

ويؤسفني القولُ ،إنَّ مجتمعاتنا محافظة تماماً ، هذا صحيح ، ولكن على آفة الأخلاق ، ليس على الحميدِ منها. والغريب أيضاً ، أننا في عصر الانفتاح والتكنولوجيا ، التي أصبح بفضلها العلم متاحاً بأقل تكلفة، وفي متناول الجميع ، إلا أنّنا أبَينا التعلُّم ، فبقينا في أذنابِ الأمم!

2019-09-03