الأحد 15/1/1441 هـ الموافق 15/09/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
رأس السنة الهجرية – القسم الثاني ....د. روزلاند كريم دعيم

   أضع بين أيديكم القسم الثاني من فصل رأس السّنة الهجريّة؛ ويتزامن هذا الفصلُ مع صوم عاشوراء. وقد تكون لنا عودةٌ إلى عاشوراء في مناسبة أخرى.

قد تكونُ المعلومةُ التّاريخيّةُ وراءَ الهجريّة النّبويّة ثابتةً ومؤرّخة، إلّا أنّنا نصبو فيما نكتبه إلى استيعاب الحكمة وراء الهجرة؛ التّخطيط السّليم والتّعدّديّة الرّاقية، فهي خير رسالة لمجتمعنا المعاصر في بلادنا.

 

     بين الدّعوة الإسلاميّة والهجرة النّبويّة:

     كانت مكّة تعيش في بحبوحة اقتصاديّة واجتماعيّة، يأتيها رزقها من مصدريْن: مهارة أهلها التّجاريّة، ومكانة الكعبة الدّينيّة، فتعالت واستكبرت، وساد فيها التّرف والمجون، كما أنّها حظيت بمكانة سياسيّة، تجسّدت في إقامة الأحلاف التّي تتزعّمها قريش، فاتّسع نفوذها المعنويّ والسّياسيّ إلى جميع القبائل التّي تعيش في البادية.

 

     بعد الدّعوة الإسلاميّة، تعرّض بنو هاشم وبنو المطلب والرّسول (صلعم)، لمقاطعة قريش وحلفائها من القبائل العربيّة قرابة ثلاث سنوات، وتعرّضوا خلالها إلى الاعتداء عليهم وعلى ممتلكاتهم.

     كان الرّسول (صلعم) في هذه الأثناء ينتظر القوافل الوافدة إلى مكّة، من القبائل المختلفة في موسم الحجّ أو سوق عكاظ، ليدعوهم إلى اعتناق الإسلام بقوله وندائه: "يا أيّها النّاس، قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا.. مَن يُؤويني من يَنصرني، حتّى أُبَلّغَ رسالة ربّي وله الجنّة".

          إلّا أنّ مساعيه لم تحظَ بمبايعة، وقد يكون ذلك نتيجةَ ملاحقة عمّه أبي لهب له، وطلبه من القبائل ألّا يُطيعوه، أو خشيةً من سلطان قريش، أو حفاظًا على مصالحهم الاقتصاديّة في مكّة، ناهيك عن اتّهامه بالجنون والسّحر والكهانة، والشّعر وغير ذلك.

     حاول الرّسول (صلعم) إقناع أهل مكّة، أنّهم لن يحرموا من العيش الرّغد فيما إذا اعتنقوا الإسلام، فرفضوا: (وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا، أوّلمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثمّرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (القصص57).

     الهجرةُ إلى الحبشة:

     لمّا اشتدَّ البلاءُ على المسلمين، ورأى الرّسول (صلعم) ما حلَّ بأصحابهِ مِن جهدٍ وعذابٍ قال لهم: "اِرحلوا مهاجرين إلى أرض الحبشة إلى النّجاشي، فإنّه يُحسن الجوار". وكان خروجُهم في العام 615 م، أي في رجب من السّنة الخامسة للبعثة، فخرج في المرّة الأولى أحدُ عشر رجلًا وأربعُ نسوة، وفي المرّة الثانية كانوا قرابة 80 رجلًا.

     خرجوا مُتسلّلين سرًّا، فحملتهم سفينتان للتّجّار إلى الحبشة، وخرجت قريش في آثارهم حتّى جاؤوا البحر، فلم يدركوا منهم أحدًا، فأقاموا بالحبشة شعبان ورمضان، ثمّ رجعوا إلى مكّة في شوّال، لمّا بلغهم أنّ قريشَ صافت الرّسول (صلعم) ودخلت الإسلام، وحين اكتشفوا أنّ الأمر غير صحيح، عادوا إلى الحبشة.

أحسن نجاشي الحبشة استقبالهم، ولم يجد اختلافًا جوهريًّا بين ديانتهم وبين ديانته المسيحيّة، ورفض تسليمهم لقريش، فبقوا في الحبشة حتّى انضمّوا إلى المهاجرين في المدينة لاحقًا.

     عام الحزن:

     في العام 619 م توفّي كلّ من خديجة بنت خويلد زوجة الرّسول (صلعم)، وعمّه أبو طالب، وكان من أكبر مُؤيّديه ومُناصريه، فاعتقدت قريش أنّ الرّسول (صلعم) سيضعف، وتولّى أبو لهب قيادة بني هاشم من بَعد أبي طالب، فانحسرت حماية بني هاشم للرّسول (صلعم)، وازداد أذى قريش له.

 

     الهجرة إلى الطّائف:

     وحين رأى الرّسول (صلعم)، أنّ الدّعوةّ الإسلاميّة تتعرّض لضغوطٍ قويّة تمنعُ من انتشارها، ومن دخول الآخرين فيها، فقد كان لا بدّ من تحرُّكٍ جديد، يعطي للدّعوةِ دفعةً جديدة، ويجعلها أكثر قدرة على مواجهة الأخطار، فكان ذلك دافعًا للهجرة إلى الطّائف، فأقام الرّسول (صلعم) في الطّائف عشرة أيّام، لا يدَعُ من أشرافهم أحدًا إلّا جاءه، فرفضوا دعوته، وطلبوا منه أن يخرج عنهم، فعاد راجعًا إلى مكّة.

     يثرب:

     كانت يثرب تعيشُ أوضاعًا صعبة، نتيجة الخصومات بين أهلها التّي مزّقت شملهم، واعتمدت على الزّراعة كموردٍ أساسيّ، بالإضافة إلى التّجارة.

وبالرّغم من أنّ اليهود كانوا أوّلَ مَن حارب الرّسول (صلعم): (وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لما مَعَهُمْ، وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الّذينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جَاءهُم ما عَرَفُوا، كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة 89)، امتاز العرب في يثرب بجوارهم لليهود، إلّا أنّهم في يثرب كان لهم الأثر الأكبر، في إلفة العرب لعقيدة التّوحيد، لذلك فقد آمنوا بالرّسول (صلعم)، وآووه ونصروه، ووقفوا إلى جانبه في الأوقات العصيبة الحرجة.

      الدّخول في الإسلام:

      في السّنة العاشرة للبعثة، جاء نفرٌ من يثرب إلى مكّة قاصدين الحجّ، فالتقَوْا بالرّسول (صلعم) عند العقبة، والّذي عرض عليهم مبادئ الإسلام، فلبّوا دعوته وأعلنوا إسلامهم، ووعدوه بأنَّهم سيرجعون إلى يثرب ويُبشّرون بدعوته، وراحوا يدعون قومهم إلى الإسلام.

      العقبة الأولى:

      في السّنة التّالية، التقى الرّسول (صلعم) في نفس المكان، مع وفد ثانٍ من الأوس والخزرج من يثرب، مُكوّنًا من اثني عشر رجلًا، من بينهم السّتّة الّذين أسلموا من قبل، جاؤوا ليبايعوا الرّسول (صلعم) في ما سُمّي ببيعة العقبة الأولى على الإسلام، وأرسل معهم داعيته الشّاب مصعب بن عمير، لكي يتولّى شؤون الدّعوة والتّثقيف العقائديّ هناك.

      نجح مصعب في نشر الإسلام، وعندما اقترب موسمُ الحجّ من السّنةِ الثانية عشرة للبعثة، غادر مصعب يثرب، وعاد إلى الرّسول (صلعم) بمكّة، واجتمع به، وعرض عليه نتائج مساعيه في يثرب، ووعده بأنَّه سيلتقي بوفد كبير منهم في القريب.

     العقبة الثانية:

     انطلق في السّنة الثانية من يثرب ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان، واجتمع بهم الرّسول (صلعم) سرًّا، في الثّلثِ الثاني من اللّيل في العقبة أيضًا، وتمّت البيعة الثانية، وعرفت بـ "البيعة الكبرى"، وكانت هذه المرّة على الحرب والسّلم، ومدّوا إليه أيديهم مصافحين، ومُقْسِمين باللّه الواحد الّذي آمنوا به، أنَّهم سيحمون الرّسول (صلعم) وينصرونه. وقبل أن يرجعوا اختار الرّسول (صلعم) من بينهم اثنيْ عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، ليشرفوا بأنفسهم على سير الدّعوة في يثرب.

     علمت قريش بما جرى، فاعترض بعض أهل يثرب، وقالت لأحد المبايعين: "يا معشر الخزرج، إنَّه قد بلغنا أنَّكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا، تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنَّه واللّه ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم"! ولكن أحد أفراد الوفد حلف باللّه لهم، أنّه لم تتمّ مبايعة الرّسول (صلعم)، ونفى هذا الأمر فصدّقوه.

     الهجرة إلى يثرب:

     بعد أن اشتدّت قبضة قريش على المسلمين في مكّة، نتيجة تجاوب أهل يثرب معهم، بدأ الرّسول (صلعم) يفكر جدّيًّا بأمر الهجرة إلى يثرب، وبعد بيعة العقبة الثانية، أصدر الرّسول (صلعم) أوامره إلى أصحابه بالهجرة، وقد خلّف المهاجرون وراءهم أموالًا ونساءً وبيوتًا وأطفالًا وشيوخًا ومتاعًا. أخذ المشركون يَحُولون بين المسلمين وبين خروجهم، فخرج من استطاع. حتّى لمْ يبقَ مع الرّسول (صلعم) في مكّة، إلّا أَبو بكر الصّدّيق وعلي بن أبي طالب.

     وحين شعرت قريش بأنَّ الرّسول (صلعم) لا بُدَّ مدرك أصحابه اليوم أو غدًا، رأت أن تعجل به قبل أن يغادرها، فاجتمعت زعامات قريش في دار النّدوة، وتداولت في أمر التّخلّص من الرّسول (صلعم).

     وأخيرًا، أُخذ برأي أبي جهل الّذي قضى بقتله وتفريق دمه بين القبائل، وإن طالبتهم بنو هاشم بدمه، فسيُشيرون إلى العشائر جميعًا وإلى سيوف أبنائها، حيثُ تقطر دماء الرّسول، وعندها تكون بنو هاشم أعجز من أن تطالب بدمه وقتال العشائر كلّها.

     وقد كشف القرآن الكريم خيوط هذه المؤامرّة:

(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذينَ كَفَرُوا، لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ، أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ، وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال 30).

     وعزم الرّسول (صلعم) على ترك مكّة إلى يثرب، فألقى الوحي الكريـم في قلبه وعلى لسانه هذا الدّعاء الجميل: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) (الإسراء 80).

 

     وكان الرّسول (صلعم) ينتظر من الوحي الإشارة بالتّحرّك بفارغ الصّبر، وأحكم خطّة الهجرة، وأعدّ لكلّ فرضٍ عدّته، فاختار الإمام عليّ (كرم الله وجهه)، لكي يُؤدّي مُهمّة مزدوجة؛ أولاها: المبيت على فراش الرّسول (صلعم)، وثانيها: ردّ الأمانات إلى أهلها.

     وكانت هجرة الرّسول (صلعم) من مكّة إلى يثرب، برفقة أبي بكر الصّدّيق في أوّل شهر ربيع الأوّل، بعد مرور ثلاثة عشر عامًا على ظهور الدّعوة الإسلاميّة.

 

     الثّقة والأمانة - الاستعانة بالدّليل عبدالله بن أريقط:

     استعان الرّسول (صلعم) لهجرته وأبي بكر الصّدّيق، بالدّليل عبدالله بن أريقط اللّيثي، وكان لا يزال على شِركِه، إلّا أنّ الرّسول (صلعم) قد وثق به واستأمنه. ذهب الرّسول (صلعم) إِلى دارِ أَبِي بكر الصّدّيق الّذي كان قد جهّز راحلتيْن للسّفر، فأَعطاها الرّسول (صلعم) لعبدالله بن أُرَيْقِط، على أَنْ يوافيهِما في غار ثور؛ (نسبة إلى ثور بن عبد مناة، لأنّه ولد عنده)، الّذي يقع في جبل خارج مكّة بعد ثلاث ليالٍ، فلمّا حان موعد خروجهما من الغار، أتاهما الدّليل ببعيرهما، وأخذهما إلى طريق السّاحل.

     معجزات الطّريق:

     سُراقة من مالك:

     عندما هاجر الرّسول (صلعم) وأبو بكر الصّدّيق (رضي الله عنه) إلى يثرب، تبعه فرسان قريش، وبينما هما في طريقهما، عرض له سُراقة بن مالك وكاد يمسك بهما، فلمّا رآه أبو بكر قال: "أُتينا يا رسول الله".

فقال له الرّسول (صلعم): "لا تحزن، إنّ اللهَ معنا.

ودعا الرّسول (صلعم) على سراقة، فغاصت يدا فرسه في الرّمال، فقال سراقة: "إنّي أراكما قد دعوتما عليّ، فادعوا لي، فاللهُ لكما أن أردّ عنكما الطّلب".

فدعا له الرّسول (صلعم)، وانطلق فرسه، وعندما عاد سراقة، وجد النّاس يطلبون الرّسول (صلعم)، فقال لهم: "اِرجعوا، فإنّي لم أجد له أثرًا".

 

      غار ثور:

      بعدها انطلق الرّسول (صلعم) وأبو بكر الصّدّيق إِلَى الغار، فلمّا دخلا، نسجت العنكبوت على باب الغار، والتجأت حمامتان برّيّتان. ولعلّ قصّةَ الحمامتين الرّاقدتيْن على البيض، واللّتيْن عشّشتا على مدخل غار ثور، والعنكبوت الّذي نسج خيوطه على الباب، وبهما حمى الله رسوله (صلعم) وصاحبه أبا بكر الصّدّيق، من أشهر قصص الهجرة.

      أقاما في الغار ثلاثة أيّام، وكانا قد استأجرا دليلًا، ليقطع بهما المسافة إلى يثرب على غير الطّريق العامّ، مخافة أن يدركهما طلب قريش، وانطلق مشركو مكّة في آثارهما، يرصدون الطُّرُق، ويُفتّشون في جبال مكّة وكهوفها، يقودهم قصّاص الأثر، وحين وصلوا إلى الغار قال أحدهم: "كيف يدخل محمّد (صلعم) الغار مع وجود العنكبوت والحمام؟".

وأنصت الرّسول (صلعم) وأبو بكر إلى أقدام المطاردين تخفق إلى جوارهم، ولم يستطع المشركون إيجادهما.

 

      الاستقبال في يثرب

      تابع ركب الرّسول (صلعم) طريقهم، يقطعون السّهول والجبال والأودية، خلال سبعة أيّام، قطعوا بها القسم الأكبر من المسافة بين مكّة ويثرب، وأصبحوا في أمانٍ من خطر قريش، وقد شاع خبر انطلاق الرّسول (صلعم) من مكّة بين القبائل العربيّة، وعرف به البدو والحضر على طول الطّريق إلى يثرب، فكان أهل يخرجون كلّ صباح، يمدّون أبصارهم إلى الأفق البعيد، منتظرين قدومه.

      وفي يومِ الاثنين السادس عشر من شهر ربيع الأوّل سنة 622 م، دخل الرّسول (صلعم) يثرب مع أبي بكر الصّدّيق، فخرجت القبائل وخرج النّاس في الطّرق وعلى البيوت، والغلمان والخدم، واستقبلته ومرافقيه، وحيَّوْهُ بتحيّة النّبوّة بقولهم: "الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء محمّد (صلعم)، الله أكبر جاء محمّد (صلعم)، الله أكبر جاء رسول الله" وكانت البنات ينشدن في سرور ونشوة.

 

      ومن الأناشيد التّي يُروى أنّها أُنشدت في استقباله: "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ... وجب الشكر علينا ما دعا لله داع".

ولم تتّفق مصادر السّيرة النّبويّة حول سند القصّة وصحّتها - وقد تكون دمجت أكثر من قصّة في أكثر من موضع - وإن كان من المؤكّد بأنّ تتمّة الأنشودة:

"أيّها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع ... جئت شرّفت المدينة مرحبًا يا خير داع"، لم ترِدْ بأيٍّ من كتب السّيرة، وقد تكون إضافة متأخّرة.

      ثمّ كتب الرّسول (صلعم) من يثرب إلى عليّ (كرّم الله وجهه)، فابتاع ركائب لمن معه من النّسوة، وتهيّأ للخروج، وأمر من بقي في مكّة من ضعفاء المؤمنين، أن يتسلّلوا ليلًا إلى ذي طوى.

 

      مسجد قُباء

      أقام الرّسول (صلعم) في طريق هجرته من مكّة إلى يثرب في قُباء، في ديار بني عمرو بن عوف، وكان نزوله عند كلثوم بن الهدم شيخ بني عمرو، ومكث عنده أربعة أيّام من الاثنين إلى الخميس. وفي قباء بئرٌ تُنسَب لأبي أيّوب الأنصاري، وكان فيه مبرك النّاقة، وهناك قام الرّسول (صلعم) بتأسيس أوّل مسجد في الإسلام، وقد أكمل المسلمون بناءه بعد ذلك. وهو الّذي نزل فيه قول الله تعالى: (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أوّل يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) (التّوبة 108).

      ويقع مسجد قباء جنوب غرب يثرب، ويبعد عن المسجد النّبويّ حوالي 5 كم.

وعلى ما ورد في الطبراني، فإنّ أهل قباء سألوا الرّسول (صلعم) أن يبني لهم مسجدًا، فقال: "ليقم بعضكم فيركب النّاقة"، ويقصد "القصواء" ناقته التّي هاجر عليها. فركبها أبو بكر الصّدّيق وحرّكها فلم تنبعث.

      تكرّرت المحاولة مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب - الّذي لحق بالرّسول (صلعم)، بعد أن أنهى مهامّه في مكّة- فلم تتحرّك النّاقة، عندها أقرّ الرّسول (صلعم) موقع بناء مسجد قباء، ووضع حجر الأساس له.

 

            يثرب - المدينة المُنوّرة وتأسيس الدّيانة الإسلاميّة

            أوّل عاصمة في تاريخ الإسلام، كان يسكنها المهاجرون (المسلمون الّذين هاجروا من مكّة)، والأنصار (الّذين ناصروا الرّسول (صلعم) واليهود.

      غيّر الرّسول (صلعم) اسمها إلى المدينة المُنوّرة (بنور الإسلام)، ونهى عن استعمال الاسم القديم. وقد يكون الاسم من الأصل الآرامي "مدينتا"، وقد يكون يهود يثرب قد استخدموه.

      وضع الرّسول (صلعم) ركائز الدّولة الإسلاميّة التّي تعتمد على تمكين الدّين الإسلاميّ والدّعوة الإسلاميّة من ناحية، وتعزيز صلة الأمّة على أطيافها؛ فقام ببناء المسجد النّبويّ الّذي يُعتبر بيت لله وبيت لجميع المسلمين، يجتمعون فيه للعبادة، والمشورة فيما يهمّ أمر الإسلام والدّولة الإسلاميّة، ويتّخذون فيه قراراتهم، ويناقشون فيه مشاكلهم، ويستقبلون فيه وفود القبائل وسفراء الملوك والأمراء، بالإضافة إلى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ومعاهدة بين المهاجرين واليهود. كما بدأ بإرسال الرُّسُل إلى الملوك والحكّام لنشر الإسلام.

      وبهذا يكون تأسيس الدّولة الإسلاميّة بناءً على خطط إستراتيجيّة، تنسجم مع طبيعة ذاك العصر، وبرؤيا تعدّديّة تنسجم مع حياتنا المعاصرة.

 

2019-09-14