السبت 14/1/1441 هـ الموافق 14/09/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قراءة في قصيدة(مسافات) للشاعروحيد طه بقلم صابر حجازي

نحن امام قصيدة رائعة استطاع كاتبها استخراج كل ما هو جميل ومبدع من ادواته ولا نستغرب ذلك من الشاعر المتميز وحيد طه - فقصيدة (مسافات ) ناقوس للخطر من جهة وتعبير عن واقع  من جهة أخرى. تصوير للحياة كما يراها الشاعر بجميع تجلياتها 

مشينا كتير مسافات .. بدون بدايات
 مفهومة .. بدون نهايات معلومة
نمشي السكة العتمة .. تبان مقطوعة
عشنا سنين وسنين بقلوب موجوعة


 المسافات رمزية لتلك الحياة التي ننشدها كريمة طيبة هنيئة ولكن العتمة والتعب للكد والجد وربما لعمل شاق ، لتحقيق  آمالنا أحلامنا … حياتنا التي لم نصلها ولم نعشها، والتي نتمناها أكثر صفاء وأكثر نقاء وأكثر إشراقا.


نفس الحلم اللي بيتكرر .. ويّا الآهَه 
شايلة معاها .. حكاوي مقهورة 
ونعيد تاني ف رسم الصورة
ودة كلاكيت .. لآخر مرة
مُرة الدنيا بطعم العلقم


تصوير دقيق لحالة الإنسان الراهنة.. وتصوير مرعب للحقيقة ، هي عملية طمس معالم الحياة فجأة ودفعة واحدة .
 شاعرنا يقف بين الحلم وحياته الحقيقية المعاشة ، الحياة التي لم تعد تتسع لأحلامه وآماله وطموحاته.. لم تعد تتسع للعيش الكريم عموما… ، إنما هي أشبه بموت قيد الانتظار، أصبحت في نظره قبرا ضيقا يعيش فيها مكرها عددا من السنين ليمضي إلى قبر آخر لا يعلم تفاصيله ولا ما سيؤول إليه حاله فيه.. 

جوة حواري زهقت من شوارعها الطافحة
نفس الزحمة السارحة .. جوة دماغي
نفس الحُفر الساكتة البايتة معانا
حتى الضحكة بتيجي خنقانا
وساعة قديمة لجدِّي وِقْفِت فيها 
كُل سنين العمر الضايع .. ويَّا هوانا

وهنا هو يخوض غمار مقارنة عجيبة غريبة ولا مجال للرد عليها بل السؤال فيها يظل مطروحا ،

نفس وشوش الناس التايهة
واحنا هَموش بيعض ف بعضه
نفس النظرة الشاردة بدون تفكير
نفس الضِلة الباردة ف يوم أمشير 


بعد أن يصف الشاعر حاله ، ينتقل لوصف حالة الناس ، فهم أقرب أيضا إلى حال معيشته المحملة بالوجع والألم والضيم والقهر والتشرد إنها صورة تفصيلية لما يعيشه الإنسان في مجتمع يصفه الشاعر 


ناس اتولدوا وكبروا وهمَّا ف الطوابير
تيجي البسمة الفاترة تصَبَّح دوغري وتمشي
حتى شُعاع الشمس الباهته 
بييجي لحد الباب .. ولا يدخلشي 
كُل الحلم الباهت مات 
يفصل بينه وبين النور مسافات


فلا قلوب نابضة في وسط هذا الكم الهائل من الوجع  ، من هول ما رأى الناس فلا أمل بالحياة ، إنما موت عارم ينهش الأخضر واليابس .. ، ويحول الإنسان تمثالا من حجر.
ثم ينتقل الشاعر ليصف أمواج الفساد ، ليصف تلك الموسيقى الصاخبة  المعلنة عن حالة البؤس القادمة؛متمثله في ابنه او شباب الجيل الطالع من بعده قائلا

يكبر إبني ف نفس الحارة
ف نفس الضلة الباردة 
ونفس النظرة الشاردة 
عايش ويَّا ديدان الأرض
يكره كل خطوط الطول
يلعن كل خطوط العرض


 ويقرر الابن مغادرة تلك الأقطار التي باتت قبورا جاهزة لاحتضان جيل من الولدان التي تركب الغيم هربا من هول ما يحصل… حالة من الفرار إلى النور ، إلى حياة افضل . مقارنة بين ماهو راهن حقيقي مرير وبين ما هو غيبي يبعث السلام والطمأنينة ، وكأن الروح تستعجل رحيلها


يوم ما فارقني وغادر
كانت لقطة خارج الكادر
كانت لحظة بكل سنين العُمر 
يومها الدمعه ما فارقت عينه
قلبي لوحده بيسمع كُل أنينُه
وهو بيبعد عني بالسنوات
تقضي الغربة علينا .. 
تبكي عنينا ع المسافات 
ع المسافات ....


          ....       ....       ....
 قصيدة لأول وهلة تراها مزدحمه ثائره لكن لا تلبث أن تنساب في وجدانك حتى دون أن تدري.. ، نص قوي به زخم تصويري وتفصيلي .. ، وصفي يختصر المسافات الزمنية والأماكن تحت جناحه بلمح البصر ، يأخذك من مكان إلى مكان… ، يسقط الوضع على أكثر من مجتمع..، يتحدث بصيغه العموم في وصف خاص..، يأخذك من الذات إلى العام في مشهد تصويري جميل يصف الحالة الإنسانية وأنّاتها.. .

 

مسافات
............
مشينا كتير مسافات .. بدون بدايات
 مفهومة .. بدون نهايات معلومة
نمشي السكة العتمة .. تبان مقطوعة
عشنا سنين وسنين بقلوب موجوعة
نفس الوجع الباقي ف حضن الليل
نفس العيشة الحُبلى .. من غير أب 
وبدون ذنب .. يضيع جيل ورا جيل
نفس الحلم اللي بيتكرر .. ويّا الآهَه 
شايلة معاها .. حكاوي مقهورة 
ونعيد تاني ف رسم الصورة
ودة كلاكيت .. لآخر مرة
مُرة الدنيا بطعم العلقم
نفس المشهد والبدايات
والبشوات .. عايشين بشوات
بينَّا وبينهم .. كتير مسافات
           ....    ....     .... 
جوة حواري زهقت من شوارعها الطافحة
نفس الزحمة السارحة .. جوة دماغي
نفس الحُفر الساكتة البايتة معانا
حتى الضحكة بتيجي خنقانا
وساعة قديمة لجدِّي وِقْفِت فيها 
كُل سنين العمر الضايع .. ويَّا هوانا
نلقى الحب يتوه ف الزحمة
ومطبات .. بتلعب حَجْلَة ما بين رجلينا
وبتطوينا معاها .. بالمسافات
          ....     ....     ....
نفس وشوش الناس التايهة
واحنا هَموش بيعض ف بعضه
نفس النظرة الشاردة بدون تفكير
نفس الضِلة الباردة ف يوم أمشير 
ناس اتولدوا وكبروا وهمَّا ف الطوابير
تيجي البسمة الفاترة تصَبَّح دوغري وتمشي
حتى شُعاع الشمس الباهته 
بييجي لحد الباب .. ولا يدخلشي 
كُل الحلم الباهت مات 
يفصل بينه وبين النور مسافات
          ....       ....       ....
يكبر إبني ف نفس الحارة
ف نفس الضلة الباردة 
ونفس النظرة الشاردة 
عايش ويَّا ديدان الأرض
يكره كل خطوط الطول
يلعن كل خطوط العرض
يوم ما فارقني وغادر
كانت لقطة خارج الكادر
كانت لحظة بكل سنين العُمر 
يومها الدمعه ما فارقت عينه
قلبي لوحده بيسمع كُل أنينُه
وهو بيبعد عني بالسنوات
تقضي الغربة علينا .. 
تبكي عنينا ع المسافات 
ع المسافات ....

وحيد طه
الدوحة في ١٠/٩/٢٠١٩
 ..............................................................
 - الكاتب والشاعر والقاص المصري صابر حجازي
- يكـــتب وينشر العديدمن المقالات والنصوص الادبية من قصة وشعر ونقد في الصحف والمجلات العربية

2019-09-14