الثلاثاء 5/6/1442 هـ الموافق 19/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
عيدُ الصّليب الكريم المُحيي – القسم الأوّل....د. روزلاند كريم دعيم

عيدُ الصّليب الكريم المُحيي – القسم الأوّل

د. روزلاند كريم دعيم/ حيفا

يقع عيد الصّليب في 14 أيلول بحسب التّقويم الغربيّ (الغريغورياني)، وفي 27 أيلول بحسب التّقويم الشّرقيّ (اليولياني)، وتكون الفترةُ الواقعةُ بين التّاريخيّن، هي الفترة الفاصلة بين فصلَي الصّيف والخريف، حيث يكون الاعتدالُ الخريفيّ في 21 أيلول، فيستوي عندها اللّيل بالنّهار.

يُعتبر أيلولُ شهر بداية الخليقة، وشهر بداية السّنة الكنسيّة والسّنة الطّقسيّة، (سنتحدث عن السّنة الطّقسيّة في حوار منفصل)، وفي هذا الشّهر وُلِدت السّيّدة العذراء مريم عليها السّلام.

يَحتفلُ المسيحيّون بعيد الصّليب، أو عيد رفع الصّليب منذ القرن السّادس الميلاديّ، وهو من الأعياد المسيحيّة الكنسيّة والشّعبيّة، حيث تُشعَلُ فيه النّار، تقليدًا وتخليدًا لذكرى اليوم الّذي وُجد فيه الصّليب الّذي صُلب عليه السّيّد المسيح له المجد، ويُعتبرُ صَلْبُ السّيّد المسيح له المجد، من صُلب العقيدة المسيحيّة.

ويعودُ أساسُ الاحتفال للحادثة التّاريخيّة، حيث وَجدت الملكة هيلانة القسطنطينيّة الصّليبَ المُقدّسَ في أورشليم القدس، وتمّ بناءُ كنيسة القيامة في القدس بهذا التّاريخ، بالإضافة إلى إعادة خشبة الصّليب، من السّبي في بلاد فارس على يد الإمبراطور هرقل.

ومن النّتائج الهامّة لإيجاد الصّليب علي يد الملكة هيلانة، ونصرته لابنها الإمبراطور قسطنطين في معاركه، (وسنعود لتفصيل ذلك في حوار قادم) نَشْرُ المسيحيّةِ في الغرب الوثنيّ، وتحويلُ المعابد الوثنيّة إلى كنائس، بالإضافة إلى وضع أسس الدّين المسيحيّ في مجمع نيقية (325 م؛ المجمع المسكونيّ الأوّل الّذي عُقد بناء على تعليمات الإمبراطور قسطنطين الأوّل، ونتج عنه أوّل أشكال قانون ودستور الإيمان المسيحيّ).

العادات الشّعبيّة في عيد الصّليب:

تقترنُ العاداتُ الشّعبيّة بالممارساتِ الدّينيّة في بعض الأعياد والطّقوس، لتنسجم مع البيئة والعصر، وقد تكون للعاداتِ أصولٌ مُتجذّرةٌ في الحضارةِ القديمة، إلّا أنّها وَجدت لها مكانًا مع تطوّر العصور، وبلورة فكر وفلسفة الأعياد.

وعادات عيد الصّليب الشّعبيّة قد تعتمد على أسسٍ تاريخيّةٍ أو طبيعيّةٍ بيئيّة، وقد تدمجُ بينهما، إلّا أنّها من دون شكّ، نتاجٌ لتفاعلٍ طبيعيٍّ وتطوّرٌ حضاريٌّ تراكميٌّ مستمرّ.

تدورُ العاداتُ الشّعبيّة المقترنة بعيد الصّليب، حولَ إشعال النّار في المساحاتِ المفتوحة، الّتي لا تؤدّي إلى خطر انتشار الحرائق، ويعودُ تقليدُ إشعال النّار، إلى اكتشاف الصّليب على يد القدّيسة هيلانة، حيث أمرت جنودَها بإشعال النّار على قمم الجبال من القدس وحتّى القسطنطينية، لكي يصلَ خبرَ عثورها على خشبة الصّليب إلى ابنها الإمبراطور قسطنطين، حيث درجتْ عادةُ إشعال النّار على رؤوس الجبال، كطريقةٍ لإرسال معلوماتٍ معتمدة، أو للإعلان عن أمرٍ مُعيّن لدى الحضارات المختلفة منذ القِدم، وفي الامبراطوريّة الرّومانيّة أيضًا، وقد يعودُ السّببُ في إضرام النّار إلى راسبٍ لعبادة النّيران في الحضارات القديمة، أو احتفالات النّور والظلام، خاصّةً وأنّ الزّمنَ الانتقاليَّ بسبب وقوعه في الاعتدال الخريفيّ، هو أيضًا زمنٌ ليتورجيٌّ مُكَرَّم، وقد يكون السّببَ الرّئيسَ في أنّ التّقليدَ ما زال قائمًا حتّى اليوم في جميع المناطق الّتي يقطنها المسيحيّون.

ويبدأ الأولادُ والشّباب بجمع الحطب والأخشاب والقَصَل، (عُقد وقش الحنطة، وفي اللّوباني: بقايا سنابل وعُقد وسوق لم يستوف درسها)، وقد يجمعون أيضًا روث الدّواب الجافّ الّذي تكدّس خلال شهور الصّيف، فأصبح كألواح سميكةٍ كوقود إشعال النّار، ويبحثون عن مكانٍ مناسب لإشعال النّار.

في المساء تُقامُ شعلةٌ كبيرة دائريّة بشكلٍ هرميّ، محاطة بالأحجار في بعض الأحيان لمنع انتشار النّار، يُسمّيها بعضُ الفلّاحين في شمال فلسطين ولبنان وسوريا "أُبّيلِه"، أو "أُبّيلِةْ عيد الصّليب".

وقد يكونُ أصلُ التّسمية من الاسم "قَبّولة" وجمعها "قبابيل"، وهي كومةٌ من الحطب تُحرق في الأعياد والاحتفالات (أمين فريحة)، وقد تكونُ من "الأَبيل والأَبيلة والإِبالة: الحزمة من الحشيش والحطب"، (كما ورد في اللسان)، أو "الإيبالة: حزمة من الحطب" (كما ورد في التّهذيب).

ويكونُ تنظيمُ الشّعلة بأن يوضع في الأسفل القشّ الجافّ، وفوقه الأغصان المهشّمة، وبعدها الفروع الغليظة وأكوام الرّوث القابلة للاشتعال، وتُدَسُّ حفنةٌ مِن القشّ النّاعم الجافّ أسفلَ جانب كومة القشّ، ويتمّ إشعال النّار الّتي سرعان ما تشتعل.

ومن العادات الخاطئة؛ وضعُ صليبٍ من الخشب في وسطها، أو إشعال الصّليب بدلًا من الشّعلة، إلّا أنّ هذا الأمرَ يتمُّ عن جهلٍ، وترفضُه الكنيسة، لأنّ الصّليب يُنصَبُ عاليًا، لرفع مكانته وليس لحرقه.

ومن العادات الخطرة أيضًا؛ أن يقفزَ مَن يستطيعُ فوق الشّعلة، إيمانًا منه بأنّ هذا قد يشفي أمراضه فيقول: "اللّيله عيد الصّليب وشاين (كلّ شيء) فيّي يطيب"، كما يقفز الأولاد فوق الشّعلة للّعب والتّسلية.

عند إشعال شعلة عيد الصّليب يجتمعُ أهلُ الحيّ أو الحارة أو الأسرة حول الشّعلة ليلة العيد، يتسامرون ويشوون البطاطا، ويسهرون حتّى انخماد النّيران، وقد تقومُ كلّ جماعة بتنظيم شعلتها الّتي تجتمع حولها، فتكون عدّة مشاعل أو أبابيل في مساحة أرض واحدة. 

وقد يتعذّر إشعالُ شعلة كبيرة نظرًا لضيق المكان، فيتمّ إيقادُ "مشعلة"؛ وهي عصا خشبيّة لُفَّ طرفُها بقماشٍ قابلٍ للاشتعال، يتمّ تثبيتها كوتدٍ في الأرض، ويتمُّ إشعالُها ليلة العيد.

ومن العاداتِ القديمةِ، أن يتمّ تزيينُ أسطح البيوت وشرفات المنازل بالرّمادِ المبلول بالكاز، في صفائح معدنيّة يتمّ إشعالها ليلة العيد، ويتمّ إعادة إشعالها كلّما خمدت النّار، وقد يتمّ استبدالُ النّار بالشّموع؛ بحيث توضعُ الأكياسُ الورقيّة المملوءةُ بالرّمل على حافّة الشّرفات وأسطح البيوت، وتوقدُ الشّموع بداخلها. ومن معالم العصرنة وتطوّر الإضاءة، يضعُ النّاسُ الصّلبانَ المضاءةَ على جدران البيوت الخارجيّة.

ومن ألعاب الأولاد في عيد الصّليب قديمًا إشعال "سيفة الحديد"، والتّلويح بها بأياديهم، فينطلق الشّرار منها، واستبدلت هذ العادة بالصّواريخ والمفرقعات النّاريّة البسيطة والثقيلة، وبالرّغم من جمالها إلّا أنّها خطرة ومخيفة، تستنزف ميزانيّاتِ الأسرة، وتُشكّلُ خطرًا جسديًّا بالأساس، بالإضافة إلى المخاطر البيئيّة.

تطوّرت أشكالُ إشعال النّار على مرّ العصور بشكلٍ كبير، وتتشابهُ العاداتُ في عيد الصّليب مع العادات المتّبعة في البلدان المجاورة، وهنا يكمنُ دورُنا الأساسيّ كمجتمعٍ يُصارعُ من أجل الحفاظ على وجودهِ، في الحدِّ من ظاهرة إشعال النّيران في الأماكن القابلة للاشتعال، وتحذير الأطفال والمراهقين من استخدام المفرقعات، لا بل ومحاربة الباعة الّذين يبيعونها، نظرًا لخطورة الأمر، ونظرًا لمخالفة الأمر للقانون، هذا بالإضافة إلى دور هذه التّوعية بالحفاظ على البيئة.

ولعيد الصّليب علاقةٌ وثيقةٌ بالسّنة الزّراعية، ومكانةٌ خاصّةً في حياة الفلّاح الفلسطينيّ، سنعرض لها في حوار قادم، كما سنعرض لقيمته اللّيتورجيّة والرّوحيّة في حياة المؤمنين والكنيسة.

(يتبع)

2019-09-24