الثلاثاء 5/6/1442 هـ الموافق 19/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
عيد رفع الصّليب الكريم المحيي - القسم الثاني/ د. روزلاند كريم دعيم

عيد رفع الصّليب الكريم المحيي - القسم الثاني/ د. روزلاند كريم دعيم

مكانة عيد الصّليب في حياة الفلّاح الفلسطينيّ:

كانت الأعيادُ في الحضاراتِ القديمة على علاقةٍ وثيقة بموسم الزّراعة، تمتدّ عميقًا في الذّاكرة الشّعبيّة. وترتبطُ الأعيادَ المسيحيّة هي الأخرى بدورةِ الطبيعة والمواسمِ الزّراعيّة، كما ترتبطُ ثقافةُ الفلّاحين عامّة في فلسطين بالإيمان الشّعبيّ المسيحيّ – خاصّةً في الأماكن الّتي يَقطنُها المسيحيّون بجوار المسلمين والدّروز.

ويُعتبر عيدُ الصّليب بحسب التّقويم الشّرقيّ (الأورثوذكسي، اليولياني)، الواقع في 27 أيلول، بدايةَ موسم الشّتاء لدى الفلّاح الفلسطينيّ، (وإن كان رسميًّا بداية فصل الخريف) الّذي وضع تقويمًا لمواسمِهِ الزّراعيّة، باجتهاده الخاصّ وفطنتِه الفطريّة، معتمِدًا على حالة الطّقس، فيبدأ بعدَ حصاد المحاصيل الصّيفيّة في شهر أيلول، ومع مُبشّرات نزول المطر الأوّل.

قرَّر الحسابُ الشّرقيّ الكثيرَ من النّشاطات الزّراعية في فلسطين وغيرها من المناطق الشّماليّة، فالصّليبُ الشّرقيّ يُمثّلُ انتهاءَ المواسمِ الصّيفيّة، وبدايةَ موسم الزّيتون، والاستعدادَ للمواسم الشّتويّة في شماليّ مرج بن عامر (عراف 167).

تمتازُ هذه الفترةُ بخُلوّها من المواسم الزّراعيّة، وتكونُ حرارةُ آب قد خفّت، وتأتي بعدَ صوم السّيّدة العذراء عليها السّلام، الواقع في آب، وقبلَ صوم الميلاد المجيد، لذلك؛ قد يستغلّها الفلّاحُ لإقامة أفراحه وأعراسه الّتي أَجَّلها إلى ما "بعد الموسم"، لأنّه يكونُ قد باعَ محصولَه، فيكون لديه المالُ لتغطية نفقاتِ الأفراح. وقد تُشكّلُ اليدُ العاملة عاملًا من عوامل تحديد موعد الزّواج، بحيث تساعدُ الفتاةُ العروسُ أسرتَها في حقلهم وموسمِهم الزّراعيّ، قبلَ انتقالِها لمساعدة أسرة الزّوج في الموسم التّالي.

في نهاية شهر أيلول تهبُّ رياحٌ شرقيّة، يُسمّيها الفلّاح "شراقي الصّليب"، وهي علامةٌ فاصلة بين الصّيف والشّتاء فيقولون: "أيلول ذنبه (طرفه) بالشتا مبلول". وفي هذا الوقت، وبحسب الرّواية الشّفويّة، يظهرُ في شمال فلسطين برقٌ، كأنّه قادمٌ من بلدة الزّيب، أو من رأس النّاقورة على الحدود اللّبنانيّة، فيقول النّاس: "برق الزّيب ما بيخيب"، و"البرق علامة المطر".

وعندما يحصل البرقُ يقولون: "الأرض بتتمخَّض" (أي تستعد لولادة المطر)، وقد يلفظها البعضُ خطأ: "الأرض بتتمخَّط". وعندما يحصلُ البرق، يتمّ تفسير ذلك، بأنّ فرس مار جريس تطارد في المسا".

ينتظر الفلّاح "مطرة الصّليب" الّتي بمُجملها لا تروي الأرض، وإنّما يُستبشَرُ بها خيرًا، إذا أمطرت في مثل هذه اللّيلة، لأنّه يَربط بين المطر وقدسيّةِ عيد الصّليب وبركةِ الله ورضاه عن شعبه، وفي هذا يقول الفلّاح: "في الصّليب الشتا طروحات"، أي أنّ المطر خفيف، وإذا سقط فإنّه يسقط بكمّيّات صغيرة لا تكفي لريّ الأرض.

عادات زراعية مرافقة لموسم عيد الصّليب:

ولكي يتنبّأ الفلّاح الفلسطينيّ، هل سيكون الفصل ماطرًا، فقد ابتكرَ عادةً زراعيّة تُسمّى "البْواحير" أو "الصّليبيّات"، تنتشرُ أيضًا بشكلٍ واسع في لبنان.

"البواحير" في اللّغة من الفعل "بَحَّر"، أي فحصَ وسبَرَ، لها أصولٌ سريانيّة. وفي العبرانية סבר (أي فكَّر وفسَّر). و"تَبَحَّر" فكَّر مليًّا (فريحة 5). ويُفيدُنا أمين فريحة (14) أنّ "البْواحير" هي الاثنا عشر يومًا بعد الصّليب، وهي مِن الفعل "بَوْحًر" على وزن "فَوْعَل"، وجمعها "بْواحير" (من بحر، وردت أيضًا في السّريانيّة وفي العبرانية – בחר)، أي تنبّأ عن طقسِ شهورِ السّنة، وذلك بأن يراقب 12 يومًا بعد عيد الصّليب الواقع في 14 أيلول، ويعتقدون أنّ طقس كلّ يوم من هذه الأيّام يشبه طقس الشّهر المقابل، أي أنّ طقس أوّل يوم بعد عيد الصّليب يُنبّئ عن طقس تشرين الأوّل، والثاني عن طقس تشرين الثاني وهلمّ جرًّا، فإذا كان النّهار باردًا قالوا إنّ الشّهر سيكون باردًا، وإذا كان حارًّا قالوا إنّ الشّهر سيكون معتدلًا.

 والبواحير أنواع، منها استقراء حالة الطّقس بواسطة الملح؛ حيث توضع كميات متساوية من الملح على أوراق تين (تين سُوّادي في الغالب)، قُبيلَ مساء ليلة عيد الصّليب، ترمز كلّ كومة إلى أحد أشهر السّنة، ويضعُ بعض الفلّاحين سبعُ كومات ملح، لترصُّد حالة الأشهر السّبعة الممتدّة من تشرين الأوّل وحتّى نيسان، ويضعُ بعضهم ستّ كومات (تشرين الثاني حتّى نيسان)، أو 12 كومة بحسب أشهر السّنة. ويكون ترتيب الأشهر من اليسار إلى اليمين، أو من اليمين إلى اليسار بالترتيب، وِفق ما ضمر الفلّاح، أو بحركة دائريّة أو مُربّعة، (في حال وضع الفلّاح 6 كومات)، بحيث يكون أوّل شهر في الطرف العلويّ الأيمن، يليه الشّهر الثاني والثالث، ويكون الشّهر الرابع تحت الثالث، والسّادس تحت الأوّل. وقد توضع كومات الملح على بلاطة أو خشبة.

تُترك الكومات في مكان مفتوح على سطح البيت، أو على شرفة خارجيّة، مع الاحتياط من هطول المطر عليها. وفي صباح اليوم التالي يتابع الفلّاح درجة ذوبان الملح في كلّ كومة، ليرصد حالة الطّقس، إذ يعتمد التّنبّؤ بنسبة الرّواسب، (كمّيّة الشّتاء على لسان الفلّاحين) على عاملين:

1. كمّيّة الملح المبلّلة بالنّدى الّتي أصابها النّدى في كلّ كومة ملح.

2. مدى وضوح هالة الملح المحيطة بكومة الملح.

فإذا ذاب الملح وترك ترسُّبات حول الكومة، كان الشّهر وافر المطر، وإذا بقيت الكومة كما هي، فإن الطّقس سيكون صافيًا، أمّا إذا كان الملح جامدًا صلبًا، فسيكون البرد قارسًا. ويُتابع بعضُهم ترسّبات الملح وذوبانه خلال أيّام البواحير، منذ الصّليب الغربيّ وحتّى الصّليب الشّرقيّ.

ومن المحاولات الّتي يتّبعها بعض الفلّاحين في شمال فلسطين وفي لبنان استقراء حالة الطّقس بواسطة ورق التوت (توت القز)؛ بحيث يتم ترتيب 12 ورقة توت في مكان مكشوف بحسب أشهر السّنة، توضع عليها الحصى لئلا تطير. ويتم تحديد الطّقس في كل شهر بحسب وضع الورقة إن بقيت خضراء يانعة أو جافة. 

وقد يراقب البعض النّدى فوق البحر نحو الغرب من مساء عيد الصّليب الغربيّ وحتّى مساء عيد الصّليب الشّرقيّ، ليعرف توقعات المطر في كل شهر من أشهر السّنة. وكون فلسطين تقع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط الّذي يحدُّها غربًا من شمالها في رأس الناقورة وحتّى جنوبها في غزة، فهو حاضر في الذهنية الفلسطينيّة ولطبيعته الجغرافية أثر في تراثها التراكمي المادي والفكري.

يشمل التنبؤ بالطّقس أو الظروف الجوية في السّنة القادمة مراقبة حركة الرياح وهبوبها وبرودتها وشدتها واتجاهها ورطوبتها، مراقبة الغيوم ولونها وكثافتها وعلوها، ومراقبة الرطوبة والصقيع والندى وحرارة الشمس والضباب والضغط الجوي. وبالرغم من هذا الإبداع في الوسائل والحسابات لقراءة الأحوال الجوية، علينا التنويه إلى أن الطريقة لم تثبت علميًّا ولا تضاهي الأرصاد الجوية، إلّا أنّنا يجب ألا ننسى أن نجاح الفلّاحين في استقراء حالة الطّقس لسنوات طويلة منذ القدم بمنهجية واضحة هو السّبب وراء تكرارهم لها وتمسكهم بها. والنتيجة عمليًّا ليست هي الأساس في هذا الموضوع، بل القدرة الفائقة لدى الفلّاح الفلسطينيّ على رصد الطّقس واستقراء الدورة الزّراعية القادمة.

الأمثال الشّعبيّة

كثرت أقوال الفلّاحين وأمثالهم في المواسم والأشهر والأعياد، فأثرت في حياتهم وسيّرت أعمالهم الزّراعية (عراف، 167)، حتّى "أن المسلمين تعارفوا أعياد المسيحيّين (في الأصل النصارى)، وقدَّروا بها الفصول" (المقدسي، أحسن التقاسيم، 183). وتعدّدت الأمثال الشّعبيّة الّتي تشير إلى دورة الطبيعة والظواهر الزّراعية، وعلاقة الفلّاح بأرضه في عيد الصّليب وبعده. وقد تأتي الأمثال في صيغ مختلفة تؤدّي نفس المعنى، وترسم ملامح الزّمن الصّليبي وطبيعته، من خلال منظومة متكاملة. وفيما يلي بعضها:

عيِّد واطلع، صَلِّب وادخل؛ (أي بعد العيد والقصد العيد الكبير أو عيد الفصح في نيسان، اخرج إلى الاصطياف، أو إلى النوم على سطوح البيوت، أو إلى العمل في الحقل، وقد يترافق ذلك النوم في الحقل، وبعد الصّليب اترك المصيف وعد إلى البيت).

صَلِّب وخش، وخمِّس واطلع؛ (أي مع قدوم عيد الصّليب ادخل إلى البيت، ومع قدوم نيسان – الّذي يُسمى لدى البعض شهر الخميس – اخرج من البيت. وبرأينا، قد يكون ذلك نسبة لخميس الأموات الّذي يقع في نيسان قبل الجمعة العظيمة، فسمّي الشّهر باسمه. وإن كان تقديرنا صحيحًا، فإنّ هذا يدلّ على التّمازج الثقافيّ في حياة الفلّاح الفلسطينيّ من جميع الدّيانات).

عَنْصِر واطلع، وصَلِّب وادخل؛ (والعنصرة يكون في اليوم الخمسين بعد الفصح، وغالبًا في أيار – حزيران، حيث يخرج النّاس للنّوم خارج البيوت على السّطوح أو في كرومهم وأراضيهم، وقد يكون من أجل جني المحاصيل الصّيفيّة، ويعودون إلى البيوت في عيد الصّليب).

صَلِّب واعبر؛ (أي استعدّ للعبور لموسم الشّتاء).

بعيد الصّليب تطبق الفرشة ع الدّبيب، ارفع البرادِه وحط المزاريب؛ (الدّبيب الأرض، والبرادة سرير خشبي كان النّاس يضعونه على سطع البيت للنّوم. وبهذا المثل إشارة إلى إدخال السّرير إلى البيت، لأنّ المزاريب ستبدأ عملها).

إن أبرقت على الصّليب ما بتغيب/ أو بتخيب؛ (أي لن يتأخر المطر كثيرًا بعد الصّليب).

برق الصّليب ما يغيب؛ (كسابقه).

ما لك صيفيّات بعد الصّليبيات؛ (أي أنّه بعد عيد الصّليب يكون قد انتهى الصّيف).

بعد الصّليب الدّنيا بتغيب؛ (أي تختلف حالة الطّقس وتضطرب).

إن صلَّبت غرَّبت؛ (كسابقه، تختلف حالة الطّقس وحرارة الشّمس بعد شمس آب الحارة). 

إن صلَّبت خرَّفت؛ (أي إذا أتى عيد الصّليب كان الخريف). 

إن صلَّبت خرَّبت؛ (أي في عيد الصّليب تنتهي المواسم الزّراعية الصّيفيّة، وتكون الأرض قد خربت من المواسم السابقة)

بعد عيد الصّليب كل أخضر بسيب/ أو بشيب؛ (يكون الفلّاح قد جنى ثماره، ويترك ما تبقى من أخضر أو يابس للرعيان لرعاية مواشيهم، أو للبُعّار الّذين لا يملكون أرضًا، فيجمعون بواقي المحاصيل الّتي تركها أصحابها – وتكون مع الزيتون عادة).

عَ الصّليب روِّح يا غريب؛ (أي تنتهي فترة التعاقد مع الفلّاحين الأجيرين، فيعودون إلى بيوتهم).

بعد الصّليب الآخراني صيف ثاني، (أي بعد عيد الصّليب الأورثوذكسي، في أوائل تشرين الأوّل، حيث تكون فترة حارّة تُسمى الصّيف الثاني، قد تستمرّ أسبوعين أو أكثر، وتكون رياحها خماسينيّة).

في الصّليب المطر طروحات؛ (أي أن المطر خفيف في الخريف).

إن صلًّب الصّليب لا تأمن الصّبيب؛ (والصّبيب هو الماء المسكوب، أي المطر الّذي قد يهطل أو ينصبّ متزامنًا مع عيد الصّليب).

أيلول طرفه مبلول (أي طرفه أو آخره بالشّتاء مبلول والفرصة مهيأة لهطول المطر).

الرّمّان ما بيطيب إلا بعد عيد الصّليب؛ (فيُقال "صلّب الرمان" أي نضج للأكل).

لما يصلِّب الصّليب، صول على زيتونك بالقضيب؛ (أي بعد الصّليب بإمكانك كتّ الزّيتون).

إذا صَلَّب الصّليب، ما ترفع عن زيتونك القضيب؛ (أي بعد عيد الصّليب يجب قطف الزّيتون كلّه).

في أيلول يطيح الزّيت في الزّيتون، (أي يمتلئ بالزيت نتيجة نضجه).

أيلون (والقصد أيلول) دباغ الزّيتون؛ (أي أنّ ثمار الزّيتون تسودّ وتنضج).

لا تقطع العنب للزبيب، تا يمرّ الصّليب؛ (أي يكون جني محصول العنب لتصنيع الزبيب بعد عيد الصّليب، فيكون العنب قد نضج وأصبح حلوًا).

بَعدك يا صليب، ما ظلّ حليب؛ (بعد الصّليب تحمل إناث الماعز والغنم، ويشح الحليب، بالإضافة إلى الجفاف بسبب الخريف).

وإذا نظرنا إلى هذه الأمثال، نراها تُعنى بحالة الطّقس والمطر، ونمط المعيشة وجني المحاصيل، وتشير بشكل واضح إلى رسوخ هذه الفترة الانتقاليّة في ذاكرة الفلّاح الفلسطينيّ عامّة، مُتخطِّيًا بها خصوصيّة زمن الصّليب من ناحيةٍ كنسيّةٍ وليتورجيّة.

عيدُ الصّليب الكريم المُحيي – القسم الأوّل....د. روزلاند كريم دعيم

https://www.alwasattoday.com/site-sections/68854.html

(يتبع)

2019-09-27