الأحد 2/2/1442 هـ الموافق 20/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
محال ....بقلم إيناس زيادة

هذا وقد ثبت أن بقاء الحال من المحال، أليس حري أن نباشر الحال قبل أن ينقلب إلى محال؟ فنحن في عالم متقلب بسرعة البرق، لا يشبه أزمانا سابقة كانت تحتاج لأجيال وأجيال كي يطرأ أبسط البسيط من التحولات.

نحن في عصر يتسم بالأرقام القياسية في السرعة والجري؛ على لقمة العيش لفئات، وعلى مظاهر سطحية لفئات أخرى.  وهذه الفئات الأخيرة وجدت لها ساحة تصول وتجول فيها وهي منصات التواصل الإجتماعي التي لا تربو عن كونها ساحات استعراض يغلبها الغث وتكاد تخلو من أي سمين.  وفي هذا العالم الإفتراضي، يفترضون أنك لا تعلم ما يعلمون، بل أنك لا تعلم من يكونون: فهذا يتبجح بأمواله، وتلك تتشدق بالفضيلة وكثر يستعرضون بأخلاق ليست فيهم.

قد يقولون أن المرأة هي التي تتصدر ساحات النفاق الإجتماعيوأنها الأقدر على التمثيل، لكن في ذلك كثير من المغالاة، فالرجل والمرأة سيان، وقد تحققت في هذا المحفل المساواة دونما أدنى جهد، لكن من خلف ستار تكنولوجي. فئات جديدة من البشر ظهرت في هذا الزمن، ما كانت لتجاهر بوجودها سابقا، لكنها وجدت لها راعيا على منصات التواصل بدعوى الحريات الشخصية وحرية التعبير عن الرأي وحرية التعبير عن الميول.

أمست التكنولوجيا المسيطر على دفة الحياة، وهناك سباق غير مسبوق لاقتناء الأحدث والأسرع والأكثر سعة، بعضهم دافعه تقني بحت، وبعضهم الآخر غايته اللحاق بأقرانه كي لا يكون هناك من يتفوق عليه تقنيا، من حيث الإقتناء فقط لا غير، وبالتالي لا يتخلف أبدا عن السائد.

وهنا نقف حيارى أمام السؤال، بل هي تساؤلات، عن منتجات هذه التكنولوجيا، وخاصة ما يتعلق بالتطبيقات. تطبيقات وخدمات جمة نتهاوى أمامها كل يوم ضحايا البحث عن التسلية في عرين أسد متربص، وما عليك سوى فتح بوابة جهازك على مصراعيها حتى يبدأ الهجوم.  لن أخوض هنا في الجوانب التقنية، إذ سأتركها لأصحاب الإختصاص، لكن همي في هذا الشأن أمورنا الخاصة وانكشافنا على الملأ.  وما كان هذا الكشف لعوراتنا قسرا، بل طوعا وبكل سرور. تطبيق لتعرف شكلك عندما تشيخ وآخر يجد لك مهنة هي الأنسب لشخصيتك وتطبيق يجد شبيهك من المشاهير وهلمَ جرا. 

نحن في زمن يشهد ولادة أمراض إجتماعية حديثةلم يعهدها أحد من قبل. ومنذ زمن ليس ببعيد، كان حب الظهور والشهرة حكرا على أشخاص محدودين وكان المجتمع يعيب كثير من المهن التي فيها ظهور على الملأ وخدمة للآخرين.  لكن هذه المجتمعات ذاتها هي التي انقلب حالها وأصبحت تلاحق أشباه الفنانين والفنانات، لمعرفة تفاصيل التفاصيل في حياتهم اليومية.  فهذا يرافق فلانة وتلك تزوجت فلان، أو أهداها أحدهم مجوهرات ثمينة، وهو حصل على هدية من معجبة،  وسافر هنا أو هناك. 

كانت المجاهرة بهذه التفاصيل عيب، وأصبحت الآن مفخرة، كان استعراض النعم جريمة بحق الفقراء والآن أصبح فخراً لإبهار البسطاء.

فما بالكم يا معشر البشر؟  هل نحن في معركة لإثبات الجدارة والتفوق عبر هذه الوسائط، أم أننا في صراع من أجل إقناع أنفسنا، قبل أن نقنع سوانا، بأننا نعيش سعادة خيالية وفرح دائم ونعيم فائض؟  هل أصابنا مسٌ من كثر وقوفنا أمام المرآة نخاطبها ونستجيدها ثروة لا تنضب وجمال لا يخبو؟ 

لقد أصبحنا نعاني ضعفا في لغة الحوار، ولم نعد نطيق الممارسات الاجتماعية المعهودة، وقلما وجدنا من يقبل المعاتبة والمحاسبة للتخلص مما في قلوبنا من أضغان.  أصبحنا نستسهل الجلوس وراء شاشة نخاطبها وتعطينا ما نريد، وليس أكثر أو أقل مما نريد، أصبحنا نعيش حالة توحد واتحاد مع أجهزتنا المحمولة، نرتاح لرفقتها لما تظهره من تطابق مع شخصايتنا، ونكتفي بتكليفها إرسال التحية وطيب الأماني إلى من هب ودب، ونعفي أنفسنا من إلقاء أبسط التحايا على من يشاركوننا نهارنا في يوم عمل طويل.

نعم، إن ممارسة الحياة من وراء ستار إلكتروني، تختلف كثيرا عن الحياة دون هذا الستار.  ومن خلف هذا الحاجز، لن يعرف أحد الحقيقة، فما نتلقاه ما هو إلا الحقيقة التي يريدها مرسلها. وهنا أستحضر مشهد أحد الضيوف على برنامج إخباري، كان يتحدث مع المذيع عبر سكايب، يناقشه بقضية ساخنة، وهوعلى الشاشةبكامل أناقته بقميصه الأبيض وربطة عنق وبدلة سوداء،وما إن انتهت المقابلة، هم الضيف بالوقوف، ليظهر نصفه الأسفل ويسفر عن شورت أحمر قصير.

2019-10-02