الإثنين 7/2/1441 هـ الموافق 07/10/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
خوف ورياء وقتل ...جواد بولس

في حادثة دامية حدثت بين مجموعتين من سكان قرية مجد الكروم الجليلية،  يوم الثلاثاء المنصرم، قتل شقيقان وجرح آخرون لا زالوا يتلقون العلاج في أحد المستشفيات الإسرائيلية.

قد تكون هذه الجريمة تدبيرًا ساخرًا من أحابيل القدر أو نقرة من مهمازه الأزلي على خاصرتنا الضعيفة الدامية؛ فلقد وقعت الحادثة البشعة بالتزامن مع الفعاليات الشعبية التي أعلنتها بعض البلدات العربية احتفاءً بذكرى مرور تسعة عشر عامًا على "هبة أكتوبر" التي قتلت فيها شرطة اسرائيل، في اكتوبر عام 2000، ثلاثة عشر مواطنًا عربيًا.

كانت ردود فعل الشرطة على المظاهرات التي انطلقت في عدة مدن وقرى عربية، احتجاجًا على دخول اريك شارون الى المسجد الأقصى واستفزازه الذي أدّى إلى تفجير انتفاضة القدس والأقصى ، وحشية واجرامية ؛ حتى انها أجبرت، في حينه، المؤسسة الحاكمة على اقامة لجنة تحقيق رسمية برئاسة قاضي المحكمة العليا ثيودور أور ، فصارت اللجنة تعرف باسمه.

حظيت توصيات اللجنة بقليل من الاهتمام ومن المتابعة، ثم اهملت رغم أهميتها؛ شأنها شأن كثير من الوثائق ذات العلاقة بواقعنا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل.

ولقد كُتب الكثير عن تلك الأيام السوداء وعن تداعياتها الخطيرة؛ ثم مرت السنون ولم نعد اليها إلا من باب استحضار الذكرى السنوية والتأكيد فيها مجددًا على ما أجمع عليه معظم المحلّلين والمفكرين والمثقفين بيننا، حين وصفوا، وقتها، ما قامت به قوات الأمن كشارة لاعلان حرب سافرة تستعدي فيها الدولة عرقيًا خُمس مواطنيها من العرب.

لا يختلف عاقلان على صحة هذا التوصيف، الذي كان صحيحًا في حينه ولم يزل؛ فشرطة إسرائيل نفّذت خلال العقود الماضية ضد الاقلية العربية سياسات الحكومات المتاعقبة العنصرية والقامعة، وطوّرت تجاههم، من جهتها، مفاهيم منهجية، صارت في السنوات الأخيرة أكثر تطرفًا ودموية؛ ولكن اكتفاءنا، بالمقابل، بترديد هذا التشخيص من على كل منصة ومع سقوط كل قتيل بنيران بعضنا، فيه قرينة على عجز مجتمعنا عن مواجهة الاسئلة الصعبة، أو ربما على استسلامه أمام حكم السكين وقضائه؛ وفي نفس الوقت فيه دلالة على ضعف القيادات وبعض النخب الفاشلة في تأدية أدوارها الحقيقية وفي حماية الناس وتأمين سلامتهم وأمنهم الفردي.

لقد احتضن تراب الوطن، منذ أحداث اكتوبر عام 2000 ، جثامين ما يقارب الألف وأربعمائة رجل وامرأة كانوا قد ولدوا وتربوا على أحلامه/أوهامه، ولكنهم قتلوا بخناجر ورصاص أشقاء لهم كبروا، مثلهم، في أحشائه.

كان أيلول الأخير من خوفه أشد أصفرارًا وناحبًا من كمية النزف؛ ففيه لوحده أردى أبناء مجتمعنا "المعطاء" أرواح ثلاثة عشر من بنيه وبناته الطيبين، وذلك في ما قد يعتبر تخاطرًا حزينًا أو مستفزًا يحاكي عدد قتلى ذلك الأكتوبر المجيد.

تقاس الأمور بخواتيمها؛ أو في قاموس الشقاء بعدد الضحايا المزهقة أرواحها؛ وهذا ما يدفعني، اليوم، الى أن أطرح ، مرّة أخرى، تساؤلي المرهِق والملحّ ؛ من أين وكيف سيأتينا الفرج والنجاة، ما دمنا نعلق على "صدر بيتنا" بقداسة مخدوشة شعارنا "لا للعنف لا للقتل ولا للجريمه" ونكمله "بعجز" وشعار "لا للشرطة اللعينة" ؟

عشرون عامًا مرت وأكتوبر ما زال بضحاياه "مجيدًا" كأيلول وكباقي فصول الندم.

 كان هذا الأسبوع ثقيلًا علينا. غزت اخبار رصاصه القاتل في القرى والمدن العربية المواقع الاخبارية وخلقت جوًا من الرعب المستفز .

دعت، في أعقاب موجة القتل الاخيرة، لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب في اسرائيل الى عقد اجتماع طارىء في قرية مجد الكروم المكلومة ؛ وأعلنت في أعقابه الاضراب العام في جميع مرافق الحياة في مواقعنا العربية.

أخطأ من انتقد قرار الاضراب هذه المرّة ؛ فنحن بحاجة إلى موقف قيادي صارم، يستجلب حوله التفافًا سياسيا شعبيا واضحا ويكشف للملأ قوة الوحدة التي بدونها لن ينجح المجتمع بتحجيم ظاهرة العنف ومواجهة حالات القتل المنفلت.

من الواضح ان الاكتفاء بخطوة الاضراب لوحدها لن يحقق ما نرجو وما ننتظر، بل سيعيدنا الى مواجهة الاسئلة الوجودية الحقيقية الصعبة.

لقد تطرق الكثيرون في الماضي الى جذور ظاهرة العنف، وشخّصوا أسباب تفشيها في مجتمعنا، على اختلاف وتنوّع مصادرها؛ وعلى الرغم من كثرة المؤتمرات التي عقدت، والدراسات التي أنجزت، لم ينجُ المجتمع من مخلفات ظواهر العنف ومن حالات القتل المتزايدة.

إذن ، ليست مشكلتنا في تشخيص حالتنا أو في اكتشاف ما أدّى الى ولادتها وانتشارها ؛ فمجتمعنا صغير وعدد قرانا ومدننا العربية محدود، والكل منا يعرف،كما تعرف الشرطة، ما يجري في كل حارة وشارع وقبو ؛ لكننا مجتمع مأزوم ومشلول لأنه مصاب بداءي الخوف والرياء.

لقد دفع غياب الشرطة عن ساحات الجريمة وإهمالها المتعمد وعدم ملاحقتها للجناة، شرائح كثيرة من المجتمع الى العزوف عن الشؤون العامة والى عدم الاكتراث بما يجري في الحيزات الرحبة ومن ثم إلى التجائهم نحو العيش بفردانية زودتهم بشعور موهوم من الأمان الفردي.

واذا كان دور الشرطة في الأزمة الحالية وجهًا للهزيمة، فإن فقدان مجتمعاتنا لمعظم مظلاته الاجتماعية والسياسية الذاتية الواقية، يعدّ، بلا شك، وجهها الثاني.

واذا كان الخوف سيّد العجز المستشري بيننا، فالمداهنات الاجتماعية والسياسية لبعض أباء ومولدي مفاعيل العنف ومنابته القاتلة تعدّ، بدورها، مفقسته الدافئة.

لن ننجح في الخروج من أزمتنا الخانقة اذا استمرينا في معالجتها بنفس الأساليب الفاشلة. ولن يكون من الصعب ابتكار وسائل دفاعية وهجومية جديدة اذا عقدت القيادات الصادقة عزمها على فعل ذلك. أما أنا فسأساهم ههنا بتقديم مقترحين، على أمل أن يساعدا ذوي الشأن على التقدم الى الامام ولو خطوة واحدة.

الأول ، تشكيل مجلس طواريء أعلى؛ على ألا يكون بين أعضائه سياسيون فاعلون في أحزابهم وفي مواقعهم الفصائلية. يكلف هذا المجلس بوضع خطة للتواصل مع جميع مؤسسات الدولة وفي طليعتها وزارتي الامن الداخلي والقضاء، وذلك بهدف اجبارهم/ اقناعهم على القيام بواجباتهم تجاه حماية أمن المواطن وسلامة المجتمع. كما ويجب الاتفاق والتوافق على ضمان طريقة للتواصل الصحي بين هذا المجلس وبين باقي المؤسسات القيادية في مجتمعنا.

والثاني ، تشكيل طاقم من الخبراء والفنّيين، بدون الكشف عن اسمائهم، وتكليفهم بوضع خارطة مفصلة لبؤر العنف الناشطة بيننا ومصادره وارفاقها بمقترحات عملية غير تقليدية لمواجهتها.

لسنا أول مجتمع يواجه هذه الظواهر ويعاني من نتائجها ؛ فلقد جربتها قبلنا أمم أخرى واضطرت الى معالجتها بوسائل استثنائية، أملتها أجواء الخوف السائد واحتمالات الانتقام الفردي؛ وأملاها كذلك تقيّد الأطر السياسية القيادية التقليدية الفاعلة في أحزمتها الهوياتية المتخثرة وتخبطها في التناقضات القائمة بين مصلحة المجتمع المدنية الآنية وسلامته وبين آماله السياسية المستقبلية.

يتبع

2019-10-07