الأحد 1/10/1441 هـ الموافق 24/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
في فنون الإدارة ...بقلم إيناس زيادة

بعد عقدين ونيف من العمل في عدد من الشركات العامة والخاصة، أيقنت أن فنون الإدارة في عالمنا العربي قد تكون متميزة، وهي في جلها تعكس الإنسان العربي في كل تجلياته.  فليس منا من يستطيع أن يخرج من جلباب العروبة، مهما أدعى تحضره وتمدنه، إلا من قلة قليلة، فطرت على غير ما فطرنا عليه في هذا العالم. 

لست خبيرة في الإدارة ولا في الإقتصاد، بل خبرتي استقيتها من قراءاتي لما يدور حولي عمليا.

فالصورة التي استعرضها هنا، تمثل جزءا لا بأس به من قطاعات مختلفة، وإن تفاوتت الممارسات فيها، لكنها في جوانب عدة متشابهة في نهجها.  ودونما تعميم، لكن عالم العمل والأعمال هنا يشبه، في تصوري، سيركاً بجميع مكوناته، يسعى لإبهار العالم الخارجي، دون أن يشعر أحد بما يدور خلف كواليسه من صراعات.  فالشركة الواحدة بإمكانها أن تكون ساحة تجمع مهارات كثيرة وغنية، لكن استخدام هذه المهارات يخضع لعملية تقنين، ربما حرصا على عدم هدر هذه المواهب دونما ضرورة، لأن هناك مسؤول مهمته المحافظة على رتابة العمل الروتيني وتجنب أي تطوير متهور، حفاظا على رأسه.

يعتمد أحد النماذج الإدارية الأكثر انتشارا على تسليم زمام الإدارة لأشخاص بمواصفات خاصة، يجيدون تلقي الأوامر وقبول ما يوكل لهم من مهام، حتى وإن كانت في رأيهم لا تخدم العمل.  وهناك مدراء مثلاً يفضلون اختيار الأضعف في كل قسم ويجعلونه رئيسا عليه، لأن الأضعف هو الأكثر ميلا للطاعة العمياء، كما أنه أكثر ميلا لقمع من هم أكثر منه علما وعملا.  وبهذا تصنع هذه الإدارة في كل قسم وحشاً، وهذا هو النموذج الإداري السائد، وهو فن صناعة الوحوش. 

وعندما تكتمل منظومة الوحوش، يتم إطلاق سراحها لتبث الإحباط ولا يبقى من تسول له نفسه السعي لإثبات الذات.  كما يمكن أن نشهد بهلوانات جديدة تنطلق في استعراضات تأمل من خلالها أن تتحول إلى فئة الوحوش.

والغريب في هذه الإدارات أنها تصنع لنفسها ثلة من الموالين المداهنين يكونون لها أتباعا ومخبرين.  والأكثر غرابة أنه حتى وإن تغيرت رؤوس الإدارة، تبقى هذه الثلة المنتفعة ذاتها الأكثر حصدا للدلال والرعاية على مر الإدارات.

وينطبق هذا أيضا على مؤسسة الأسرة التي يحكمها في غالب الأحيان فرد غايته أن يسيطر على البقية، يريد الطاعة فقط، دونما تفكير بأن بقية أفراد الأسرة؛ من أم وأبناء، يمكن أن يكون رأيهم مختلف، وفكرهم نابغ، وبتبادل الأفكار معهم، يمكن للأسرة أن ترتقي في مكانتها.  الدكتاتورية الأسرية هي الخط السائد، بينما لو كان أمرهم شورى فيما بينهم، لكانت الأسرة أفضل حالا وأكثر سعادة، لأن الإنسان في طبعه ميال للنجاح كلما تعززت ثقته بنفسه وشعر بملكيته لجزء من الإنجاز.

ويمكن إسقاط هذه الصورة على المجتمع والدول وأي تكتلات بشرية أخرى.  لكن السؤال الحقيقي هو؛ هل هذا هو النموذج الأمثل للنجاح؟

وكأن البشرية على أرضنا وصلت إلى أرذل عمرها، وفقدت الثقة في نفسها وفي كل ما يحيطها.  تحكم بالتفرقة وبضمان الخلافات بين الجميع.  أفضلنا عند الله أتقانا، ولكن من أفضلنا عند عبيد الله؟

إن كان الهدف العام هو الإرتقاء، فعلينا الخروج من هذا السيرك، وإلغاء دور البهلوان، أو ربما الجوكر، الذي ما انفكت هوليوود أن تثبت أن هذا الجوكر ما هو إلا ضحية قمع المؤسسة الاجتماعية التي حولته من صانع البسمة إلى مجرم بدم بارد.

2019-10-17