الخميس 9/3/1441 هـ الموافق 07/11/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
كلام في الفن....بقلم إيناس زيادة

هي أماكن في حياتنا، نذكرها بموسيقاها، وموسيقى تذكرنا بأماكن وأشخاص وروائح.  كم ستكون جافة هذه الحياة بدون موسيقى، بدون ليلة نسهر ونسرح على صوت أم كلثوم، أو صباح نحتسي فيه فيروز مع كل رشفة قهوة. وكم من الأماسي التي رافقنا فيها صباح فخري أو ملحم بركات أو حتى مطرب جديد من هنا أو هناك.  نهار يمر دون موسيقى هو قطعا يوم كئيب، وأسرة لا تجتمع على أغنية، بالنسبة لي على الأقل، هي أسرة بالتأكيد تفرط في جديتها. 

أتذكر ذات فجر استيقظت فيه على اتصال هاتفي من صديقة تقضي إجازتها مع عدد من الصديقات في إحدى الدول، وكان اتصالها للسؤال عن أغنية كانت تجمعنا وطلبت مني تذكيري بها.  ضحكت كثيرا وأجبتها باسم الأغنية، وضحكت أكثر لأن الإتصالات في مثل هذا التوقيت غالبا ما نربطها بخبر سيء، لا سمح الله، لكنها هذه المرة غيرت لي تلك الفكرة السائدة. 

أسمع أغنية هنا وأقول أنها أغنية يحبها فلان، وأغنية هناك وأقول أنها تذكرني برحلة أو حفلة أو جمعة، وقد أسمع سمفونية تذكرني بوجبة أو طبق تناولته في مكان ومع صحبة تحييهم هذه الموسيقى في ذاكرتي.  وإن عدنا في الذاكرة سنجد كثير من الذكريات المرتبطة بالأغاني والموسيقى. 

هناك أغاني أتفاءل إن سمعتها صباحا في بداية يومي صدفة على الراديو، وهناك أغاني ترتبط عندي بلحظة فرح بنجاح ما. وهناك من يرتبط مطرب ما بالنسبة له بجلب الحظ.

أو ليست الحياة كلها موسيقى، تمضي بنا بتناغم وأي نشاز في الإيقاع يتسبب بإرباك في نفوسنا.  الروتين ليس فيه موسيقى، بل الإيقاع بحاجة لصعود وهبوط في النوتة ليصبح أجمل.

فقد نطرب لصوت عندما يرتفع لطبقة لا يصلها إلا المحترف، ونحكم على من يغني بطبقة واحدة على أنه ضعيف.  وكذلك اللغة، فلا تأسرنا اللغة إلا إن كانت موسيقية، فليس الشعر وحده من يحتكر التناغم، بل كل جملة نقولها فيها نغمات قد تأسر السامع أو تنفره. 

وفي مجال عملي، الذي أختص فيه بنقل الحديث من لغة إلى أخرى، لا أستطيع أن أنقل المعنى دون نقل موسيقى المتحدث، وإلا فإن المعنى المنقول سيصبح ناقصا.  وبالمقابل، لا أستطيع أن أحافظ على تركيزي إن كان المتحدث يعتمد نبرة واحدة دون صعود أو هبوط. 

هي الموسيقى هذه التي تأسرنا، وهي التي تحرك مشاعرنا وتجددها، أليس حري بنا أن ننقلها إلى حياتنا، والأجدر أن نستغلها لنضيف بها نكهات حب وشاعرية ولو لسويعات قليلة في يومنا.

نعم نحن بحاجة لمثل هذه النوتات الخفيفة، إلى طقطوقة جميلة نغنيها مع أبنائنا، وإلى موسيقى حالمة مع شريك العمر، وإلى أهازيج نفرح بها مع كل من نحب.  فليكن كلامنا في الفن أكثر ولنجعل حياتنا موسيقى راقصة قدر ما أمكن، ولتكن صحبتنا أوركسترا سيمفونية.  ولنكثر من مواويل الطرب علنا نهرب من أعباء الحياة الرتيبة.

2019-10-27