الخميس 16/3/1441 هـ الموافق 14/11/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
وين الملايين.... بقلم إيناس زيادة

كنا وقد كان الزمان وقتها مختلف، نجتمع على هم واحد وقضية واحدة، وكنا حينها؛ ثوراتنا مشتركة وعدونا واحد، وحتى لغتنا كانت متطابقة.  لم تكن قد اتسعت شاشات التلفزة لتغطي أنحاء منطقتنا، بل كانت محض أخبار نتداولها على ذمة راويها.  وأجمعت فنون المنطقة على أن تغني للثورة وللقومية وللنصر، وكتبنا تعكس الروح ذاتها.  إلى أن تغير الزمان وفرقتنا الأيام وجعلتنا شعوبا وقبائل نتقن الخصام فيما بيننا، ولم نعد نكترث لأي تقوى، بل ديننا المال وعقيدتنا الثروة حتى وإن كانت على أجساد الآخرين، وأصبحنا نتاجر بإيماننا وتلونت أرواحنا بقوس قزح طائفي عنصري.

ومن ذلك الزمان سمعنا صرخة تسأل عن الملايين، لكنها لم تحدد أي ملايين؟  وفي هذا الزمن، أشعر وكأنني وجدتها!

يبدو أن أغنية وين الملايين كانت تسأل عن الأموال وليس عن الشعوب التي ظننا أنها تناديهمليثوروا في وجه الظلم، كانت صرخة من هذه الأمة تستجدي من يدفع لها، وليس من يدافع عنها. والدليل بكل بساطة هو أنه ليس لدينا أي مشترك سوى انتشار ذلك النهم على الثروة والمال.  والمشترك الوحيد سابقا كان سباقا في إشباع الرغبات كلها.

 

هناك دراسات عديدة تبحث في القدرة على التحكم بالعالم إن تم تحقيق حالة من الإرباك وعدم الثقة بالحقيقة، وأن الحقيقة لا يمكن أن تكون واحدة، بل هي مسألة نسبية تختلف كما الجمال الذي يختلف باختلاف الناظر. فحقيقة كل منا تختلف عن الآخر، رغم أننا في عالم واحد مشترك، بيد أنه لم يعد فيه أي مشتركات على الإطلاق، والسبب هو ذلك التشكيك في الحقيقة. 

وتنطلي هذه النظرية على الأفراد، فكم منا محاط بأشخاص لا نشعر مطلقا بأننا نعرف لهم حقيقة، فهم بألوان الطيف والشك رديفا لهم.  بل نسمع عنهم روايات وروايات عن فساد وثراء مفاجىء وغير ذلك مما يثير الريبة. شخص واحد من هؤلاء كفيل بجعلنا نعيش حالة شك دائم بكل محيطنا، وأن نفقد ثقتنا بالقريب والبعيد على حد سواء.

نعم، هي ثورة شك، كما قالت الست، وهي التي أدخلتنا في هذه الدوامات من الضياع والتوهان.  لم يعد لدينا أي مشترك، فليس الدين عندنا واحد، وليست القضية واحدة، ولا حتى الفن واحد.

إلى متى هذا الاستسلام للشك والإيمان بعدم وجود حقيقة؟  أليس الواقع كفيل بإقناعنا أن عدم ثقتنا بحقيقتنا هو ما أفقدنا هويتنا؟  أليست الملايين التي تحتكرها نخب اللصوص في عالمنا كافية لفتح بصيرتنا على حقيقة حقيقية وحيدة؟  ألم نكن نحن من أضاع الحقيقة ورضي بكل ما تعرضت له من تشويه على يد جماعات وأحزاب وفصائل؟  نعم، نحن من ضيع في الأوهام عمره. لكن يبقى الأمل نصب أعيننا، وأننا حتما سنصل إلى حقيقة نتفق عليها وإيمان نشترك به وقضية توحد صفنا من جديد.

2019-11-14