الأحد 3/4/1441 هـ الموافق 01/12/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
نرفع العلم فيموت الأسير ....شوقية عروق منصور

بصراحة لا أحب صيحات الملاعب الرياضية ولا أحب ثرثرة المعلقين الرياضين ولكن حين تستحوذ الصورة على المشهد الصاخب، وتكون مفاجأة الدهشة، نقتسم رغيف الفرح مع الزمن البائس .

 المكان استاد القاهرة، مباراة بين منتخب مصر وجنوب أفريقيا، ثمة صيحات ووجوهاً تجر اللهفة وترمي خيبتها كجثث غريقة، سرعان ما تطفو وتتفقد الأرجل، لعلها تحمل التفاؤل، من بين الوجوه والأضواء والصراخ والعشب الأخضر الذي تهرول عليه الأقدام وراء الكرة  ، يبرز أحد الشباب هارباً  من معركة الأقدام إلى معركة الوجود والنبض الفلسطيني، معادلة حسابية ، تاريخية  بدأت تظهر نتائج حساباتها في أروقة الدول، صفر، والصفر الفلسطيني  يقف مرتجفاً من الوجوه التي تريد مسحه وتجفف حبره، ويحاول العناق لكن عربات الموتى تجره .  

عز منير خضر شاب مصري يجلس بين الحضور على مدرج استاد القاهرة ويتابع المباراة، لكن في لحظة قرر أن يرفع العلم الفلسطيني أمام الجمهور المتواجد والفضائيات التي تنقل المباراة ، وبرفع العلم  أعاد للصورة المصرية نضارة القلب، والشاب لم يتاجر بالممنوع ويرتكب الذنوب، لم يحاول اقلاق الجهات الأمنية ومخاطبة الإرهاب بل رفع العلم من باب السر الكامن في تربة أجداده، من باب ولاءه للتاريخ الذي  ما زال يراه شامخاً رغم الإحباط .

ولم يعلم " عز منير خضر " ان رفعه قد حوله إلى إنسان مجرم!!  كيف يرفع العلم الفلسطيني ؟ فكان السجن وقد حكمت علية المحكمة  المصرية 15 يوم على ذمة التحقيق، لا نعرف عن أي تحقيق؟ وإذا كانت المحكمة المصرية تدين هذا الشاب، فلماذا نلوم الشباب الأوروبي والامريكي وغيرهم عندما يقفون في الساحات والجامعات والمؤسسات والحدائق والمسارح ، في كل مكان يحملون الأعلام ويرقصون ويتظاهرون  ويهتفون ويحتجون.

أتذكر عندما عرض فلم " صعيدي في الجامعة الامريكية " بطولة محمد هنيدي وكنت في القاهرة آنذاك كيف قام الحضور في السينما بالتصفيق والغناء عندما قام هنيدي بحرق العلم الإسرائيلي .

هل خسرنا كل شيء حتى أصبح رفع العلم الفلسطيني تهمة تؤدي إلى السجن ؟ هل هناك زيادة في الظلام فوق الظلام الذي نعيشه .

في اليوم الذي تحكم المحكمة المصرية على الشاب المصري عز- تحيه لأسمه -  يموت الأسير الفلسطيني  سامي أبو دياك ، بعد رحلة طويلة مع المرض الخبيث في غياهب السجون الإسرائيلية، وكانت أمنيته  قبل أن يموت، الموت  في حضن أمه رسالة وزعها عبر وسائل الاعلام تناشد المسؤولين والوزراء ورئيس السلطة الفلسطينية، لكن لا من مجيب، لا أحد تكلم سوى بعض الأيدي حملت صور سامي وامتشقت الأرصفة.

بعد 17 عاماً  يموت " سامي أبو دياك " داخل السجن ، ويتحول إلى رقم يضاف إلى قوائم الأسرى شهداء السجون الإسرائيلية ، 222 شهيداً من الحركة الوطنية الأسيرة ماتوا في السجون، تحت سياط العذاب والقمع والسنوات التي تأكل من أعمارهم، يتحولون إلى أرقام وذكريات، والوطن يحولهم إلى صور سرعان ما تتمزق على الحيطان، وتبقى الحسرة والمرارة في قلوب الأمهات والعائلات .

وحين نسأل السؤال الكبير ماذا قدم الوطن لهؤلاء ؟! الأسير ليس مجرد رقم بل هو كبرياء وكرامة شعب، ولكن حين يعاني هذا السجين لا يجد الشعب إلى جانبه، " سامي أبو دياك " ناشد وصرخ وتوزعت أحلامه باحتضان والدته على الملأ ، ولم يتحرك أحد من المسؤولين على مستوى اتخاذ القرار، السلطة الفلسطينية بسفاراتها الموزعة في العالم أين منها قصة الأسرى والأسيرات، والمعاناة التي يعانونها ؟ لماذا لا تجعل قضبان سجونهم شعارات وصور وملصقات وندوات ومؤتمرات صحفية عالمية ؟

موت " سامي أبو دياك "  وغيره، عار السلطة الفلسطينية، لأنها تركتهم لوحدهم، أو كأنها تُعطي دروساً للشباب بأن لا يقوموا بأي عمل يحرر الوطن، لأن النهاية هي الوحدة والموت وحيداً ، بعيداً عن الأهل .

يل المصيبة الأكبر حين تقوم السلطة الفلسطينية في هذا الوقت بقطع  رواتب الأسرى المحررين والاعتداء على خيمة الأسرى المقطوعة رواتبهم في مدينة رام الله،  وانهاء خدمات أحد عشر محامياً يعملون مع هيئة شؤون الأسرى .

مهما كانت الضغوطات الإسرائيلية والأمريكية والعربية، على رئيس السلطة الفلسطينية أن يكون قوياً لا مساومة ولا تنازل في هذا الشأن، يكفي تنازلات .

نعترف لم يبق للفلسطيني أي شيء، حتى تفاؤل الثوار تحول إلى مرتبات ومناصب وبدلات رسمية وسجاجيد حمراء يسيرون عليها،  بقي فقط العلم الفلسطيني، وبعض شعارات السياسيين الفارغة من مضمونها ، ولا ننسى الدبكات والمطرزات الفلسطينية التي تحولت إلى معروضات .

اليوم  كل العائلة فلسطينية تحارب لوحدها من المصادرة إلى مطاردة المستوطنين الذين يحرقون ويخربون .

وأخيراً تذكروا هذا الاسم " سهى جبارة " أم لثلاثة أطفال قررت محكمة الصلح الفلسطينية تمديد اعتقالها 15 يوماً في سجن اريحا التابع للسلطة الفلسطينية،  التهمة نقل أموال لعائلات الشهداء والأسرى بصورة سرية . ماذا بقي لنا من مشاعر؟؟!!

ملاحظة : نطالب الرئيس الفلسطيني بتكريم الشاب المصري الذي رفع العلم الفلسطيني  بدلاً من تكريم العاهات الفنية مثل أحلام وغيرها .

2019-11-27