الإثنين 11/4/1441 هـ الموافق 09/12/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
عندما يسرق الأسير الفلسطيني ابنه من وراء القضبان....شوقية عروق منصور

يقومون سراً بواجب الحياة، قبل أن يغادروا مسرح الخنق والعمر المحاصر، تكون الوجوه جاهزة لطباعتها على ورق الميلاد، وما دام الضيف الثقيل الذي يدعى القيد يزداد ضيقاً كل يوم ، وما دامت القوانين تزداد وحشية  فالتهريب يكون الحل والغوص في المستحيل  صفقة القوة والشجاعة ، واذا الشاعر أكد ( وفاز باللذة الجسور ) فعليهم تحطيم القضبان الحديدية أو تحويلها الى قضبان من الوهم أمام المهمة المستحيلة .

أنهم لا يطلبون سرقة النار المقدسة، أنهم يريدون سرقة طفل من عالم الغيب لعله يحول وحدتهم وسنواتهم الى أمل يضيء نفق العتمة الذي يعيشون به ، لا يريدون أن يكون العقاب الموت على بلاط السجن دون أثر  دون كلمة بابا ، دون نسل ، دون هوية تُبعث من بعده .

قبل عدة سنوات أخذنا نقرأ عن ولادة أطفال لسجناء فلسطينيين أمنيين في السجون الاسرائيلية وقد كانت هناك مستشفيات فلسطينية وعيادات تساعد في عملية زرع الحيوانات المنوية التي نقلت بأسلوب بوليسي وخيالي في ارحام النساء اللواتي وجدن في طريقة التهريب باباً لعودة الحياة الى بيوتهم واضفاء الأمل على جدران تلك البيوت التي كانت تعاني من الصمت واشباح الخوف من نفاذ زيت الاستمرارية .

وما زال اسلوب تهريب الحيوانات المنوية الفلسطينية  محاطاً  بالذعر ، أنه صندوق الاسرار الذي لن يمنحنا الاجابة الواضحة للرحلة الراكضة بين زوجة تنتظر وزوج ينتظر وبينهما مسافات مزروعة بالعيون والكاميرات والسلاح والقضبان ونوافذ الزجاج ، حتى لو سجل هؤلاء الآباء مستقبلاً كيفية عمليات التهريب ستكون في الادبيات التي تهتم بشؤون السجن والسجناء والحرية والأسرى قمة الابداع البشري والانساني ، لأن نزيف الوقت وعرق الخوف ونبضات القلب قد تكون  تلك اللحظة أكبر من العملية الفدائية التي سُجن من أجلها هذا الأسير    وقد يُختصر عمره في نطفة مهربة قد تنجح وقد تضيع ويذهب الأمل .

نسمع ونقرأ بين كل فترة وفترة عن عملية تهريب حيوانات المنوية  تنتهي بولادة طفلا يخرج الى الحياة رغماً عن أنف السجان ، طفلاً يُفرح قلب السجين الذي تحول الى صحراء قاحلة يعد السنوات ويعد القضبان ، لكن الآن يعد أشهر وسنوات الطفل ويعيش على حفيف اجنحته التي سيطير بواسطتها الى دنياه الجديدة  وسيجلس على ضفاف صوته .

رغم المجتمعات المحافظة التي نظرت في البدايات الى تهريب الحيوانات المنوية كأنها أمراً صعباً يغير الصورة النمطية للحمل، لكن رجال الدين عبر الفتاوى الدينية التي اطلقت كي تساعد  الزوجات اللواتي تركض سنوات اعمارهن  ويعشن الانتظار الذي يؤدي الى الذبول ، وكانت عمليات الحيوانات المنوية  التهريبية   الفدائية المباركة فرحاً تدلى من مشنقة الزمن  .

تهريب الحيوانات المنوية الفلسطينية  لم يعد امراً غريباً ، بالعكس أصبحنا نفرح وننتظر صور الأطفال الأبطال الذين يشقون الظلم والظلام ويأتون على بساط احمر رغم التفتيش الدقيق من قبل سلطة السجون ، وتعددت قصص التهريب والوسائل التي استعملت ولكن الانجاب واحد ، وآخرها قصة الأسير الفلسطيني وليد دقة وزوجته المناضلة سناء سلامة ، حيث ينتظران قدوم الأبنة " ميلاد " التي سيكون قدومها الموال الفلسطيني  المجبول بالتحدي العنيد .

 في المقابل هناك في  اسرائيل حرباً منوية من النوع  الفاخر ، حرباً على انجاب الأقوى والأذكى  ، فقد تم الكشف عن  وجود بنكا للحيوانات المنوية  ،  صحيفة هآرتس التي نشرت التقرير أكدت  أن عدداً من اليهوديات أنجبن عن طريق التلقيح الصناعي لإسباب عديدة   ، لكن المفاجيء  أن 80%  من اللاتي فضلن هذا النوع من التلقيح حرصن على أن تكون  تلك الحيوانات خاصة بالجنود المقاتلين في الجيش الاسرائيلي  الذين تميزوا بالقوة  بهدف أن ينشأ الطفل بشخصية مقاتل .

وعلقت احد الطبيبات المختصات على تلك الاحصائية قائلة :  أن هذا الشيء يعبر عن عقدة موجودة بين كثير من النساء اليهوديات اللواتي  لا يخفين ولعهن بالضباط  والجنود خاصة ممن ينتمون الى جيوش نظامية ويحترفون مهنة الدفاع ، لآنهم يتميزون بالصحة الجيدة والجسد المتناسق والذكاء .

قديماً في اسبارطة كانوا يضعون الطفل عند ولادته في وعاء مملوء بالماء أو بالخمر والطفل الذي يستطيع جسمه المقاومة يعيش أما الطفل الذي لا يستطيع العيش فيموت . الطفل عندهم كان في مخيلة الحكم هو مشروعاً للجندي القوي فقط .

وها هو بنك الحيوانات المنوية يبيع القوة الاحتلالية عبر جنودها، أو الاجنة التي تتحرك نحو الارحام المنتظرة  الأم اليهودية تريد القوة والأم الفلسطينية تبحث عن دفء الطفولة ، تبحث عن أمل تحضنه والأم اليهودية تبحث عن بندقية تحضنها .

2019-12-07