الخميس 28/9/1441 هـ الموافق 21/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
فرقة اليزيدية – أو الايزيدية (1 ) ....تميم منصور

لولا المجازر التي ارتكبها التكفيريون من عصابات داعش بحق أبناء هذه الفرقة ، بعد سيطرتهم على مساحات واسعة من شمال العراق ، بعد عام 2013 ، لما عرف العرب خاصة والعالم عامة أي شيء عن هذه الفرقة ، لكن عمليات الإبادة التي ارتكبها الارهابيون بحق هذه الأقلية ، ايقظت ضمائر الكثيرين في المنطقة وخارجها .

 لقد حللوا نهب أموالهم ، وسبي نسائهم وقتل أولادهم ،كما فعلت في الماضي قبائل الفيكنغ في أوروبا في العصور الوسطى ، ولا أحد يعرف حتى الآن عدد الضحايا الذين قتلوا من أبناء هذه الفرقة بسبب ارتكاب هذه الجرائم .

خلال الأحداث الدموية  تحولت اليزيدية الى طائفة مثيرة للاهتمام ، لذلك رأيت من المناسب تقديم دراسة مختصرة تحليلية عن هذه الفرقة ، لعلها تشكل مساهمة في فهم المنظومة النفسية والفكرية للعقيدة اليزيدية، وكذلك لمجمل العلاقات الاجتماعية والدينية، معتمداً على العديد من الدراسات والبحوث والمقالات التي نشرت وتخص هذه الفرقة ، في مقدمة من كتبوا عنها: عبد الرازق الحسني، إسماعيل جول، سليمان الصايغ، الأب انستاس الكرملي، صديق الدملوحي ، عباس العزاوي ، أحمد تيمور ، درويش حسو .

من المؤسف أن عدداً لا بأس به من المؤرخين والرواة الذين تناولوا تاريخ هذه  الفرقة في كتاباتهم ، كتبوا عنها إما بحقد وكراهية وتعصب معاد ، أو باطلاق الاحكام والفتاوي والتأويلات تبعاً للعواطف، ومنهم من وصف ورسم وتخيل من أجل التشويق والترغيب أو استجابة لخلط السقيم مع السليم ، من هؤلاء من نقل بعض الروايات والاباطيل دون التأكد من صحتها ، هذه الدراسة تنظر الى العقيدة اليزيدية على انها ظاهرة تاريخية اجتماعية ثقافية قومية تشمل مجموعة من الاعتقادات والطقوس والشعائر والممارسات الاحتفالية ، على اعتبار أن الدين نسق من المعتقدات والممارسات يستطيع جماعة من الناس ان تفسر وتستجيب لما تشعر به أن مقدس ،لمنع الخلط والتكرار وزيادة التوضيح عن معتقدات وتاريخ هذه الفرقة، تم تناول إعادة وحصرها بعدة فصول ، كل فصل له أهميته ، لأنه يتناول جانب من جوانب تاريخ هذه الفرقة المميزة في عقيدتها وعاداتها وتقاليدها وعباداتها .  

الفصل الأول : نشأة اليزيدية

منشأ اليزيدية والاختلاف في أسباب التسمية، أختلف المؤرخون والباحثون في أسباب تسمية هذه الفرقة أو الطائفة اليزيدية، فمثلاً ذكر أبو الفتح الشهرستاني ، في كتابه الشهير " الملل والنحل " أنهم أصحاب زيد بن انيسة الذي كان أحد الداعمين لفرقة الاباضية من فرق الخوارج ، وآمن بأن الله سيبعث رسولاً من العجم .

أما المؤرخ الكردي محمد أمين زكي " فقد ذكر في مؤلفه الشهر تاريخ الكرد وكردستان  أن سبب هذه التسمية جاءت لاعتقاد أبناء هذه الفرقة بوجود إله يدعى " يزد " أو " يزدان " ويرفض هذا المؤرخ وجود أية علاقة في الاسم بين اليزيديين وبين الخليفة الأموي الثالث يزيد بن معاوية بن أبي سفيان .

ويميل باحثون آخرون الى القول ، بأن اليزيدية ينتسبون الى مدينة " يزد " أو يزدان الفارسية ، وهي بمعنى الله ، او ايزد ومعناها خليق بالعبادة ، وتعرف في دين المجوس بالملائكة الذين يتوسطون بين الله والبشر ، ويؤكد الباحث العراقي " صديق الدملوحي" أن تسمية اليزيدية لا تستلزم الانتماء الى يزيد بن معاوية ، ومن وجهة نظرة فقد ظهر خلال العصر الثاني والثالث للهجرة بيت عرف رجاله باليزيدين ، لم يكن لهم صلة بيزيد من معاوية ولا بالامويين ، لكن هذا المؤرخ يناقض نفسه عندما يقول بأن امراءهم وشيوخهم أمويون ، يعودون في نسبهم إلى الخليفة الأموي مروان بن الحكم .

وحول أصل " اليزيدية " يؤكد الكاتب اليزيدي المعاصر " درويش حسو " إن زرادشت ولد وعاش في الدولة الميدلة ، وانتقل في القرن السابع قبل الميلاد ، من منطقة كردستان الحالية الى شرقي ايران الى منطقة تعرف باسم " اليزد " وقد قيل بأن شعوب هذه المنطقة كانوا يؤمنون باله واحد ، وهم يسمون انفسهم " بالازداهيين " أي شعوب الله واتباعه المباشرين ، ومنذ ذلك الوقت يسمون بعقيدة اليزدانية " الازداهية " ومن خلال التطورات الدينية الناتجة عن ظهور اليهودية والمسيحية والإسلام ، انقسم الزردشتيون في المنطقة الى قسمين ، الإيرانيين والكرد ، وشطرت الديانة الزردشتية الى شطرين حمل الشرفيون اسم الزردشتيون نسبة الى زرادشت ، أما الغربيون في منطقة كردستان فاصبحوا يحملون اسم النيردارينين ، او الازداهيين ويضيف درويش حسو ، لقد تطورت الازداهية في كردستان الى ديانة مستقلة وأصبحت لها معتقداتها الخاصة.

بذكر المؤرخ المذكور ان الازداهيون اضطروا للبحث عن حلفاء لهم بعد الفتوحات الإسلامية للعراق وبلاد الشام، وقد اتصل امراءهم بالخليفة الأموي يزيد بن معاوية في دمشق ، لكونه من وجهة نظرهم ذا أفكار حرة ، وقد طلب يزيد بن معاوية المساعدة من الازداهيين مقابل الحرية الدينية لهم ، فقدموا له المساعدة العسكرية ضد جيش الحسين بن علي في العراق ، ومنذ ذلك الوقت غلب اسم اليزيديون على هذ الفرقة باللغة العربية بدلاً من الازداهيون .

هذا التداخل وتعدد الآراء حول تسميتهم تدل على صعوبة الوصول الى تفسير حاسم يؤكد مصدر الاسم الحقيقي لهذه الفرقة ، مع أن وجهة النظر التي طرحها الكاتب والباحث اليزيدي درويش حسو أقرب من بقية وجهات النظر للحقيقة

 

يتبع

2019-12-24