الجمعة 29/9/1441 هـ الموافق 22/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
نساء صغيرات: ما السر الذي جذب كثيرين لشخصية 'جو' في الرواية العائدة للقرن الـ 19؟

قد تصبح النسخة الجديدة للفيلم السينمائي المأخوذ عن رواية "نساء صغيرات" الشهيرة فيلما كلاسيكيا آخر، برأي الناقدة كارين جيمس التي تكتب لموقع بي بي سي الثقافية عن فيلم المخرجة غريتا غيروغ الذي يعرض اليوم لأول مرة في بريطانيا.

هناك سر قد يدفع كثيرا من القراء للشعور بالذنب: بعضنا لم يعجب أبدا برواية "نساء صغيرات" التي تبدو وكأنها موعظة أخلاقية. لكن هذا رأي أقلية فقط؛ فهناك أجيال من الكاتبات اللاتي ألهمتهن هذه الرواية مثل الكاتبة الفرنسية الشهيرة سيمون دي بوفوار، والبريطانية ج. ك. رولينغ، والأمريكية باتي سميث.

كتبت الأمريكية لويزا ماي ألكوت هذه الرواية في القرن التاسع عشر (ونشرتها تحديدا عام 1968)، وحظيت "جو" ذات الشخصية القوية بأكبر قدر من الاهتمام - وقصتها إلى درجة ما هي توثيق لسيرة الكاتبة الذاتية.

لكن المخرجة الأمريكية غريتا غيروغ تمكنت ببراعة من الابتعاد عن ذاك الجانب الأخلاقي للرواية، إذ غاصت إلى العمق فورا لتبرز الموضوعات الجوهرية: النسوية والإبداع والاستقلالية والفردية.

ودون أن تضطر للتضحية بسحر كل فترة زمنية تعيشها بطلات القصة، استطاعت غريتا غيروغ إضفاء لمسة معاصرة يمكن لها أن تحظى بثناء المعجبين بالرواية ومنتقديها على حد سواء.

الأداء ديناميكي، خاصة ما قدمته الممثلة سيرشا رونان التي لعبت دور "جو" ذات الشخصية النارية، وفلورنسا بف التي تؤدي شخصية آمي، ولورا دين في دور الأم الحكيمة، جعل الفيلم بمثابة انتصار.

يعيد السيناريو المكتوب بإحكام هيكلة الرواية الأصلية من خلال البدء بحكايات جو وأخواتها وهن شابات، ثم العودة إلى طفولتهن ثم إلى الزمن الحاضر. هذا التغيير يظهرهن كنساء، لا كنساء صغيرات، ولكل واحدة شخصية خاصة بها واضحة المعالم.

فشخصية جو مزيج من شخصية كاتبة الرواية ألكوت ومن خيالها، وتظهر في البداية ككاتبة طموحة في مدينة نيويورك، تحمل قصصها إلى السيد داشوود، الناشر الصارم الذي يشجعها لكنه ينصحها بالكتابة على نحو مثير أكثر قائلا لها: "مواضيع الأخلاق لا تبيع هذه الأيام".

رغم أن هذا التعليق قد يبدو معاصرا، إلا أن المخرجة استعارته من الرواية الأصلية - بشطارة - فهذا يتماشى مع رؤيتها في الابتعاد عن الوعظ الأخلاقي.

أما آمي المتأنقة فتظهر في فندق في باريس مرافقة لعمتها الغنية المتغطرسة "مارش" والتي تؤدي دورها بجمالية الممثلة ميريل ستريب.

ثم تنتقل المخرجة إلى نيو إنجلاند (شمال-شرقي الولايات المتحدة)، فنرى ميغ (تؤدي دورها إيما واتسون) متزوجة وأم؛ أما بيث (تقوم بدورها الممثلة إيليزا سكانلن) فتبدو هادئة ومريضة وهي تعزف على البيانو في البيت.

وبرشاقة، تعيدنا ذكريات الأخوات سبع سنين إلى الوراء: ميغ وجو على أعتاب مرحلة الشباب لكنهما لا تزالان تجهزان لمسرحيات في العليّة وتلعبان فيها.

خلقت المخرجة مع المصور السينمائي يوريك لو سوكس عالما في المنزل المريح يطغى عليه ضوء الشموع ودفء الموقد. أما خارج المنزل، فيبدو ريف نيو إنجلاند جذابا ذا ألوان مشرقة طوال فصول السنة بدءا من المروج الخضراء إلى أوراق الأشجار العنابية وحتى الممرات الثلجية.

الممثلة سيرشا رونان مشرقة تماما كجو، كما أنها متقلبة وردود أفعالها حادة وسريعة كالبرق. الفتاة المشاغبة أصبحت صديقة مقربة جدا من لوري (تيموثي شالاميت) - ابن الجيران.

لدى جو نزعة للغضب أثارت محادثة ملفتة مع أمها حول السيطرة على غضبهما؛ إذ تقول السيدة مارش بهدوء مخادع "أشعر بالغضب تقريبا كل يوم تقريبا في حياتي". لا تؤدي السيدة مارش دورها بعاطفة مبالغ بها حتى عندما تنادي "بناتها"، كما تدعوهم، للتخلي عن وجبة فطور عيد الميلاد بمنحها لعائلة فقيرة تسكن جوارهن.

واحد من أفضل مشاهد جو تظهر فيه الشابة صامتة والتعب باد عليها، وهي جاثية على ركبتيها وحولها عشرات الصفحات منتشرة على أرضية العلية. ورغم أن المشهد قد كتب في القرن التاسع عشر، لكنه من أدق ما قدم على الشاشة من تصورات عن كاتب أثناء العمل.

تعمل مخرجة الفيلم مع الممثلة فلورنسا بف على إعادة تعريف شخصية آمي المفترية، لذلك ركزتا على إظهار شغفها بأن تكون رسامة كما جعلاها أكثر تعاطفا. وأخيرا حصلت آمي على بعض العدالة! تنتقل آمي من كونها طفلة غير ناضجة إلى امرأة مفكرة ذات فكر متطور تكافح بسبب مغرفتها أن تمتلك الموهبة - لا العبقرية.

تطغى على الفيلم أجواء من وحي التيار النسوي المعاصر خاصة أزياء جو المستوحاة من ثياب الرجال (كالصدريات وأوشحة الرقبة).

لكن هذا التّأثر بدا صريحا في بعض المشاهد. فمثلا في باريس، عندما شعر لوري - الثريّ - بحب آمي بعد أن رفضت جو عرضه الزواج بها، حذّر آمي من زواج بلا حب فقط طمعا بالمال. لتقول له آمي: "لا تجلس هناك وتقل لي إن الزواج لا يتضمن عرضا اقتصاديا عندما لا تتمكن المرأة من كسب ما يكفي". وتضيف غيرويغ مشهدا ربما كان يحلم قراء الرواية الأصلية برؤيته، مشهد يمكن أن يكون مثالا مثاليا على كيفية فهم السيناريو لإشارات غير معلنة في النص وجعلها تزهر على شكل مشهد سينمائي.

كانت أول رد فعل لإيمي على إعلان لوري عن حبها لها مفعما بالشعور بالألم: "لقد كنت طوال حياتي في المرتبة الثانية بعد جو، لكني لن أكون المرأة التي قررت أن تستقر معها في حياتك لمجرد أنك لم تستطع الحصول على جو".

أما ميغ فهي الأكثر تفاؤلا ولكن لشخصيتها تعقيداتها الخاصة.

تحلم الشابة بالحصول على أشياء جميلة لذا تذهب إلى حفلات راقصة، ولكن ينتهي بها المطاف زوجة مدرّس فقير، ورغم أنها تحبه إلا أن غضبها يثور: "أحاول أن أكون قنوعة لكنه أمر صعب. سئمت من كوني فقيرة".

لم يكن بوسع الممثلة فعل الكثير بخصوص بيث التي ستصبح الأخت المتوفاة، كما أن تيموثي كان أكثر سحرا كصبي متحمس منه كشخص بالغ متزن، كان قليلا ما يظهر على الشاشة حتى أنه بدا كشبح.

في نهاية الفيلم تعود جو للقاء السيد داشوود بعد أن كتبت ما نعرفه الآن باسم "نساء صغيرات".

تعود النسخة الأولى السينمائية لرواية نساء صغيرات إلى عام 1917 وكانت نسخة صامتة؛ تلتها نسخة 1933 الشهيرة من بطولة كاثرين هيبورن؛ ثم الفيلم الرائع عام 1994.

ويبدو أن فيلم غيرويغ الرائع والمبهج في طريقه لينضم إلى سلسلة تلك الأفلام الكلاسيكية.

2019-12-27