الثلاثاء 26/9/1441 هـ الموافق 19/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
' فادي صبيح' المتواري وراء شخوصه ..المتقدّم أمام الجميع ... هاني نديم

خاص الوسط اليوم :
في سؤالٍ من أحد الأصدقاء العرب المختصيّن بالدراما العربية، سألني عن سرّ كل هذا الوهج التمثيلي والعبقرية في الأداء التي تميز الممثلين السوريين دون غيرهم. طالباً مني بعضاً من المناهج الأكاديمية التي يعتمدها المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق. أجبته أن الأمر ليس بهذا التعقيد ولا يعزى إلى المناهج التي تكاد تكون واحدة في هذا المجال، إنما إلى ظروف الممثل السوري والمعهد معاً، إذ أن المعهد لا يستوعب أكثر من 150 طالباً بينما يتقدم للقبول كل عام أكثر من 3000، الأمر الذي يعني أن المفاضلة تكون بالتمثيل بدايةً؛ يقبل منهم لنقل 500، فتضطر اللجان إلى الرقص، ثم البلاغة، ثم الارتجال، ثم التكوين الجسدي، وقد يصل الأمر إلى الغناء، كما ذكر لي أحد المدرسين. فلا يكون على هذه المقاعد إلا الأكثر موهبةً وهبةً، أما المقاعد العشرة التي تذهب بـ"الواسطة" والإجبار لأناس غير جديرين بها، فيجبرهم الفضاء الإبداعي إلى أن يصبحوا مبدعين! يحصل هذا رغم أنف الموهبة وهو أمر عجيب!

كان لا بد لي من هذه المقدمة، وأنا أكتب عن فادي صبيح، الذي وصفه ذات الناقد بـ"الظاهرة"، ولأنني أعرف فادي على الصعيدين الإنساني والمهني، فأنا أعرف سبب تلك الظاهرة الذي لا يخفى على أحد: إنه الجهد المتصل ببساطة.. إذ لم يكتف صبيح بهذا الفضاء المتميز بل صنع لنفسه فضاءً آخر من الجهد المتصاعد والمتصل غير ملتفتٍ لما وصل إليه من نجاح، حفرٌ مستمرٌ ودأبٌ منقطع النظير، القلق في أعلى تجلياته، العمل دون لافتات والبذل دون انتظار.

وفي حقيقة الأمر، إن أهمية فادي على الصعيد الإنساني توازي أهميته الإبداعية وهذا نادر، خاصةً لدى نجوم التمثيل الذين يضطرون إضطراراً للبس قناع التجهّم والحيادية واللؤم أحياناً بسبب ما يتعرضون له في الشارع، ولكن كأن هذا الأمر لا يعني صبيح بشيء! إنه خجولٌ بما يدهشك مع كتلته الجسدية العملاقة، ولطيفٌ بما يكفي ليقف ساعةً في المطعم خاضعاً لصورة"سيلفي" مع الغرباء،فتبرد وجبته وتفتر قهوته... صامتٌ لا يتكلم إلا أن اضطر ولا يجيب إلا إن سُئل، إنه المهذّب من الرجال كما يصف الشاعر وهذا نجاحٌ لا يعدله نجاح.

التقينا في عزّ الأحداث السورية، الرعب في كل مكان، علا الموج وانتصب كقلاع سود أمام الأحلام، وفاض الدم حتى ملأ الحناجر والمحاجر.. حنقٌ وغضبٌ وخلافاتٌ مرعبة أتت على الدراما السورية من جملة ما أتت؛ ففرقّت شملها كغيرها مما فرقت، التقينا والقلوب قد تنافرت والأرواح قد تفرقت، هاجر من هاجر، وأقام من أقام، اختلفنا واقتتلنا فهبطت الدراما السورية من علوها الشاهق بشكل "دراميٍ" مفجع!لم ينج أحد من موت أو قطيعة أو فراق. يقول فادي: "آسفٌ على كل لحظة بعدنا فيها عن بعضنا البعض، آسف على هذهِ الأزمة التي أعادتنا سنينٍ طويلة إلى الوراء، آسف على أننا كنا سنصنعُ المستحيل، آسفٌ على الجروح العميقة التي أصابتنا في العُـمران والأنفس والمجتمع، أنا مصرٌّ على المحبة، مصرٌ على أن أعاقب المسيئين بالإحسان".

من يعرف فادي، يعرف أنه لا ينام إن نشب خلاف بين صديقين، مسالمٌ طيبٌ لا يقوى على سواد القلوب والأنفس، يقول لي: "لا أحب أن أرى أية مشكلة في هذه الدنيا، دائماً ما أجنح الى السلام وأؤمن بِـأنَّ الناس مقسومةٌ أرزاقها، ولن يمنع هذا أو يعجله كذبٌ ولا دجل".

إن التعمق في صبيح مهنيا، يكشف حجم جهده المبذول لتوسيع إطاره الفني، للخروج من طينه الأول وبساطته الهائلة نحو "ليغو" الشخصيات المركبة والمعقدة، يقول عن خجله الذي يعد أول ملامحه: " كان خجلي قاتلاً في مراهقتي وأول حياتي، أنا ابن ضيعة، أحب كل شيء بسيط في هذه الدنيا، لا أُحب التكلّف، أُحبُّ البساطة وأُحب الأرض ورائحتها والعمل فيها، الفلاحة التي مارستها وأنا مراهق حتى السنة الثالثة من حياتي الجامعية، قد يفهمني من عمل بالأرض. إنها علاقة يصعب وصفها".

في كتاب "احترام الممثل" الذي يعتبر من الكتب المقدسة في عالم الأداء والتمثيل، تروي صاحبته "أوتا هاغن" حادثة جرت في القرن التاسع عشر، تقول: "في أحد العروض المسرحية المؤثرة، بكى الجمهور بكاءً صادقاً وطويلاً أثناء تأدية "كوكلين" لأحد المشاهد،  وكان أحد رموز التمثيل في وقته. وحينما انتهى العرض؛ طال التصفيق له في الكواليس من زملائه الممثلين والمخرج والفنيين، ليقاطعهم كوكلين قائلاً: "لقد بكيت بكاءً حقيقياً على الخشبة، أعتذر من الجميع ومن فن التمثيل، هذا لن يحدث مجدداً"! إن تلك الحادثة تشير بإصبع المهنية إلى ضرورة اختباء الهوية والمشاعر وراء المهنة، وأهمية احترام الدور الذي يقوم به الممثل، وليس أدل على تلك المهنية من تبدل حال فادي صبيح وتواريه وراء شخصياته فننساه أمام ما يقدم. وكأن "صبيح" من "أصبح" حقاً، فيصبح عصفوراً هشاً عاشقاَ في "ضيعة ضايعة" ويمسي خارجاً عن القانون في "فوضى"، يحمل السيف هنا، والغيتار هناك. إنه حالات متعددة تصبح ويصبح..

في فكرة تراجع شخص الممثل وراء دوره وآلية اشتغاله على التنوع يقول فادي: "إنَّ مفهوم التمثيل هو حالة لعب إن جاز التعبير، إنه كما نعبر عنه بالعامية "نلعب الدور" وهو يشبه أن نلعب مع أطفالنا، نتقمصهم ونفكر مثلهم"، نعم صدق صبيح، الدور كالقصيدة يفرض على معملك الداخلي أن يشغلّ "عنفاته" بآلية تناسبه، يقول لي: "لا أعرف كيف تتنزّل الشخصيات وتنساب مني كشلال - كما وصفتني – لكنني حتماً تشرّبتها جميعها، وانشغلت بها، كيف تفكر كيف تدخن، تحزن، تفرح".

قلت له: سأعيد عليك السؤال بطريقة أخرى، كيف لك أن تلعب كل تلك الأدوار المركبة، كيف نراك "كومجي" قبل الإعلان التلفزيوني، وضابطاً بعده ونصدقك؟ كيف تقنعنا بكل ما تقوم به؟

يجيب: "أنا لست شخصيّةً مُركّبةً على الإطلاق..أنا أبسط من البساطة، بسيطٌ إلى حدّ الإنسان "الأول" الذي نراه في رسومات العصور الأولى، لكنني سوري جداً! عشت كل عمري في سوريا ولم أخرج منها سفرة أطول من أسبوعين، أنا ملتصق بالناس ومتغلغلٌ في الشارع السوري ومفرداته على مختلف مشاربها؛ هذا يجعل مخزوني البصري مخزوناً هائلاً. أرى كل الناس وأراقب تفاصيلهم، ليكون تشخيصي الأخير دراستي الأكاديمية ومختبري الداخلي الذي أتواصل معه دوماً بالتجريب الحقيقي، وعلى ذكر "الكومجي"فقد داومت لديه مدةً زمنيةً لأطوع جسدي مع الدور، لأفهم كيف يتحرك الكومدي ولماذا وأي نوع من الأدوات يستخدم ومتى. حتى صرت أغير إطار السيارة بنفس سرعة و"ميكانيزم" أصحاب المصلحة".

نعم، أولم يخبرنا مايكل شورتليف في كتابه العظيم "الاختبار" أنه عند مواجهة دورٍ ما، ستضطر إلى إيجاد بدائل للمزاجيةٍ والأهداف والمشاعر والإعدادات والتاريخ والمواقع والعلاقات والفترات وما إلى ذلك إلى أن تشعر بما تشعر به الشخصية على الورق، إنها حيّة جداً ولا تشبهك أبداً"!

قلتُ ذات يوم، أنني أحب الثقافة الرفيعة التي نلمحها كثوب لامع في الخزانة لا يلبسه صاحبه كثيراً ليبهر أعيننا، فادي صبيح من هؤلاء، ثقافته ثقافة منهجية مسرحية قرأ شكسبير ويوجين يونسكو وبوشكين وأوستروفسكي، إلا أن فادي يحب تشيخوف كما يقول: "أُحب تشيخوف، أحبه لأنني أراه بين الناس، في تفاصيل حياتنا ويومياتنا، وكأنه في البيت المقابل".

فادي أيضاً خطف الألباب لذات السبب، إنه يخرج من الباب المقابل لك، ينسيك الشاشة والتمثيل وعاكسات الضوء والميك أب واللوكيشن.

في خلاصة الأمر، أعتقد أن جزءاً كبيراً من أهمية فادي صبيح التي لا تحدّ أنه من أهم حاملي الكاميرا حتى لا تقع!. هذا غالباً لا يحدث مع النجوم الذين يقولبوننا كما يريدون هم أن يظهروا، فتقوم نجوميتهم بـ"تخريب" الفضاء الدرامي برمته، وتعمل أضواؤهم على تعتيم اللوكيشن بالكامل. هذا دون أن أنسى أنه النموذج الأول لدي للاستدلال على جمرة الجهد التي لا تنطفئ وعلى مجنزرة التعب التي لا يقف أمامها عجزٌ ولا قصور، وكيف يبني قصره التمثيلي لبنةً لبنةً بتؤدةٍ وحرصٍ وصدقٍ لا مثيل له.

بمَ يحلم فادي صبيح؟ وعلامَ يندم؟ يقول: "نادم على أنني لم أتزوج باكراً وبالتالي تأخرت على إحساس الأبوة، إنه إحساس لا يمكن وصفه..(هنا في فراغ القلب طاروا وحوّموا). ولن تصدق إن قلت لك أنني أحلم أن أعمل أسبوعاً في كل مؤسسة من مؤسسات سوريا، الطوارئ، الكهرباء، عمال النظافة، الهاتف.. الخ. أؤمن بالتجريب والمعايشة".

2020-01-01