الأحد 2/5/1441 هـ الموافق 29/12/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الضّحكُ المُرّ- عزفٌ على أوتارِ دبدوبة- للأديبة فاطمة ذياب بقلم: هيام مصطفى قبلان

مِن "مُذكّرات دبدوبة" في زاوية صحيفة الصّنارة، مِن عملٍ مشتركٍ لصديقتيْن وزاويتيْن، إحداهما ثمثّلها دبدوبة، والأخرى "على أجنحة الفراش"، تكتملُ اليومَ الأدوارُ وتتلاقحُ، لتلتقي هذا المساء لتفريغِ خوابي العُمرِ مِن لواعجِها في أتونِ اللّحظة.

"دبدوبة" هي الشّخصيّة التّي اتّخذتها الأديبة فاطمة ذياب، لتُسقطَ عليها واقعًا مريرًا لمجتمعٍ بأكمَلِهِ، دبدوبة التّي تمثّلنا: أنا ونحن، أنتَ وأنتِ، هي وهو، ثمثّل الذّات التّي بدواخلِنا، بنزعاتِها وتقلّباتها، بفرَحِها وبُؤسِها، بضعفِها وعنفوانِها، هي الذّات الجماعيّة التّي تَشدُّنا إلى الواقع الذّي نعيشُهُ، ونعودُ إليهِ بعدَ تحليقِنا في عالمٍ مِن الكمال.

لستُ بمُعالِجةٍ نفسيّةٍ، ولا بمُصلِحةٍ اجتماعيّةٍ ولا بناقدةٍ أدبيّة، لكنّني أحاولُ أن أغوصَ في لُجّةِ النّصوص، وفي عوالمَ مِن جَمالٍ وقُبحٍ، مِن أزماتٍ وضحكٍ للدّنيا وعليها. فاطمة التّي بدَوْرِها تتقمّصُ شخصيّةَ "دبدوبة"، وتُسهِّلُ لفاطمة الأديبة عمليّة إطلاقِ السّهامِ، وخوْضَ المعاركِ معَ المجتمع، فتطرحُ أمامَنا مواضيعَ واردةً في الذّهنِ ومُترسِّخةً داخلَهُ، نعرفُها جيّدًا، لكنّنا نتحاشاها ونَعمى عنها، كي لا نُشوّهَ الحياةَ بعزفٍ على وَترٍ مُتحشرجٍ مِن أصابعِ دبدوبة.

تدورُ نصوصُ فاطمة حولَ مواضيعَ هامّةٍ: كالطّابو الاجتماعيّ، والازدواجيّةِ في الشّخصيّةِ العربيّة، والتّحليقِ في البحثِ عن الذّات، وتتطرّقُ أيضًا لمعاناةِ المرأةِ، والكبتِ، والمقاومةِ، والإصرارِ للصّراع الدّاخليّ بينَ الشّخصيّات، برسائلَ مِن كلماتٍ خاصّةٍ في زمنٍ خاصّ، وإلى الرّحلةِ الصّعبة.

لغة الكاتبة: لغةُ فاطمة لا تخلو مِنَ السّخريةِ والتّهكُّم، وقد أدخلتِ اللّغةَ العامّيّةَ في الحوار، حيثُ جمعتْ بينَ العامّيّةِ والفصحى، بلغةٍ سرديّةٍ جميلةٍ مُشوّقة، وخاليةٍ مِنَ التّعقيد، أي بلغةٍ غيرِ مُركّبة، وأيضًا أدخلتِ الأمثالَ الشّعبيّةَ في أماكنَ مُناسبةٍ للموضوع، ووظّفت "الرّمزَ" بتوافُقٍ وتوفيق، معَ تداخُلِ الصّوْتيْنِ لشخصيّةِ فاطمة الأديبة، وشخصيّةِ دبدوبة بطلةِ معظم النّصوص، وباختصار، اللّغةُ سهلةٌ مقروءة.

وبعزفٍ على أوتارِ "دبدوبة" نضحكُ في مُعظمِ النّصوص لمَشاهِدَ ساخرةٍ، ولمواقفَ مُضحكةٍ حتّى المرارةِ والوجع، وسوفَ أختارُ مِن بينِ النّصوص ما يَليقُ بهذا الضّحكِ المُرّ، وما يليقُ بعزفِ دبدوبة الشّخصيّةِ السّاذجة، المَجنونةِ، والعبقريّة في آنٍ واحد، والتّي تُحاولُ إخراجَ الأسرارِ الدّفينةِ مِنَ الذّاتِ الصّغرى، والتّي يَحملُها كلُّ واحدٍ منّا، ففي كلِّ فردٍ سرٌّ، نحاولُ إسقاطَهُ على الآخَرِ، لغايةِ انفجارِ أنبوبِ التّفكيرِ الذّهنيّ، فتخرجُ شراراتُ الكبتِ والغضب، وتتلاشى كدُخانٍ يتصاعدُ مِن بعيد.

من خلال دبدوبة في "ندّاهةِ اللّيل" ص88، والبحث عن الذّاتِ المُتصدِّعةِ، والإصرارِ رغمَ الثّقوبِ التّي بحاجةٍ لترتيقٍ، تقول: قلت: "أنا ما زلت أبحث عن ذاتي".

سألت: "وهل سيطول بحثك هذا"؟

قلت: "قد يمضي العمر، ولا أجدها، ولكن أحاول."

إذًا؛ الإصرارُ موجودٌ لشَقِّ دروبٍ مضيئةٍ وسطَ ظلامِ اللّيلِ الدّامس، وبخطواتٍ ربّما تكونُ وئيدةً، لكنّها تحتاجُ للصّبرِ والتّخطيط، وكأنّي بها الكائنُ الثّائرُ مِن أجلِ ما سيكون، وما النّدّاهةُ سوى السُّلطةِ العليا التّي تَسلبُنا الإرادةَ، وتُحوّلُنا إلى ضحايا.

"ندّاهةُ اللّيل" تُذكّرُنا بحكاياتِ الجَدّاتِ وتَخويفِ الأطفالِ مِنَ الشّبحِ والذّئبِ والغول، وذاتَ يومٍ حينَ غابتْ عن وعيِنا هذهِ النّصوص الخرافيّة، أصبحنا نبحثُ عن ندّاهةِ ليلٍ أخرى، وربّما مختلفة نراها في شبحِ امرأةٍ عائدةٍ بثوبٍ جديد، وكما تقولُ فاطمة: "أعادَ الغربُ تفاصيلَها، وعلّمَها الدّيمقراطيّةَ والحرّيّةَ والعدالة، لكنّها وظّفتْ قوّتَها بالصّراخِ وسلبِ العقولِ والإرادة، وفي هذه الرّمزيّةِ "بُعدٌ سياسيّ، فيومَ أرسلتْ هذهِ المرأةُ النّدّاهة إلى العراق، تحوَّلَ الجميعُ بتأثيرٍ من تنويمٍ مغناطيسيٍّ إلى نيام، وأمّا راعي الأبقارِ فلَهُ الحَقُّ بوضعِ الدّستورِ، والفيتو ممنوعٌ لا جدالَ فيهِ ولا نقاش، وعلى كلِّ الأممِ أنْ تَبصمَ للنّدّاهةِ بالأصابعِ العشرة.

  وفي لحظةِ غرورٍ بينَ (ليلى والذّئب)، تُوظّفُ الكاتبةُ فاطمة أساليبَ فنّيّةً مختلفة، كالرّمزِ، والإسقاط، والتّشخيص والتّحوير، وفي نَصِّ ليلى والذئب تُجري حوارًا بين ليلى وجدّتِها بلسانِ دبدوبة، وبتحويرٍ لهذه القصّةِ الواردةِ في أدبِ الأطفال، إلى قصّةٍ ساخرةٍ بأسلوبٍ تَهكُّميّ، يحتاجُ منّا للتّفكيرِ وحلِّ لغزِ العلاقةِ ما بين ( الطّنجرة والمغرفة ) في النّصّ فتقول:

تقول دبدوبة: يخلف عليكم يا دار أبو طنجرة.

صاحت الجارة: أنا من دار أبو طنجرة؟ ما هذا الهراء؟

دبدوبة: ( اللّي في الطنجرة بتْطَلْعُه المغرفة)

الجارة: لا أفهم علاقة الطنجرة والمغرفة بي!

دبدوبة: اِنتبهي! إنّها علاقة القلم بالذّات، يعني علاقتك بي كذلك.

والسّؤال الذّي يَطرحُ نفسَهُ: لماذا اختارتِ الأديبةُ قصّةَ ليلى والذّئب، كمحورٍ أساسيٍّ لحلِّ اللّغز، ومِن خلالِ حوارٍ بلسانِ ليلى بين الجدّةِ الكاتبة وليلى الدبدوبة، وتصلانِ إلى حلٍّ، بأنّ هناكَ علاقةً أكيدةً بينَ القلمِ والذّات الكاتبة، التّي هي كما نرى "دبدوبة" بلسانِها السّليطِ ونظرتِها الثّاقبة، وأبعادِها التّي تراها مِن ثُقبِ إبرة؟ إذن؛ هذا القلمُ السّاخرُ يَملكُ الخيالَ في طرحِ حالاتٍ هادفةٍ، فيكتشفُ القارئُ أنّ دبدوبة ليستِ المرأةَ المُترهّلة، ولا العمياءَ اللّاهثةَ وراءَ المَظاهرِ الخارجيّة، بل هي الدّبدوبة التّي تستطيعُ صُنعَ المُستحيل، لتَصِلَ إلى هدفِها دونَ مساحيقَ ولا أقنعةٍ، ومِن هنا أنتقلُ إلى نصٍّ كنموذجٍ ساخرٍ، بنقدٍ مِن عينيْ دبدوبة عن التّملّقِ والمُحاباةِ بينَ الحماةِ والكنّة، بعنوان: (يا كْنينةِ الزّيناتِ يا كْنينتي) ص26:

قالت دبدوبة: هل سمعت موّال الحماة والكنّة؟

قلت: هاتي يا دبدوبة من الآخر.

قالت: كان وحداني لأمّه، وأمّه بدّها تجوّزه بنت أختها، بسّ الولد كان يحبّ واحدة غيرها من قبيلة ثانية، ويوم ما حبّ الولد يصارح أمّه وقال: يا ميمتي طالع طريق الجبل، صيّاد يا أمّي واصطاد لك حجل، وأجيب لك عبلة بنت أمير العرب.

ردّت: يا ميمتي، أريدك ولا أريدها، أفتح البابين وأغلق لها.

وصار المدلّل يوصف محاسن عبلة لأمّه.

قال: يا ميمتي لو تشوفي عيون لها، طفح الفنجان عيونها، يا ميمتي لو تشوفي طولها، طول الرمحين طولها، يا ميمتي لو تشوفي عنقها، عنق الغزلان عنقها، يا ميمتي لو تشوفي بياضها، بياض الجبينة بياضها.

وظلّ الابن يُعدّد محاسن عبلة، والأم مُصرّة على موقفها: أريدك ما أريدها، افتح لك البابين، وأغلق لها.

تنصت  دبدوبة عن الكلام المباح، واستحثّها قائلة: وماذا بعد؟

قالت: لا قبل ولا بعد.

قلب العاشق ما بَرَد، لا على أمّ ولا على جدّ. الولد طار وطار وحطّ في ديار عبلة، قعد كم شهر في ديار العروس، خطبها وعقد عقده عليها، وجهّزها ورجع بها على ظهر الفرس.

ولمّا الأمّ عرفت بالخبر، أكلت حالها وقالت: يا حسرتي، حِسّ الفرس همهمت، كِنّو جابها المقصوف إلي وإجت؟

ولما ابنها قرّب على ديرتها، قامت الحماة ترقص وتقول: يا كنينة الزينات يا كنينتي/ وأنا اللي نقيتك على عوينتي

بس العروس كانت أحدّق من الحماة ردت عليها وقالت: ولك عجوز السو ليه بتكذبي/ مقصّ شيبك في جيبتي/ لقصّ شيبك مع شوارب ابنك

قلت لدبدوبة: هذا كان زمان.. ماذا عن جيل اليوم؟

قالت: الحال من بعضه، واللّي بسلّف السّبت بلاقي الأحد قدّامه.

قلت: (كنّة القوم بنتهم، وبنتهم غريبة)

قالت: اسكتي (مكتوب على باب الجنّة عمر حماة ما حبّت كنّة).

قلت: مَن وصلَ باب الجنّة وقرأ هالمثل يرفع إصبعه؟؟

رفعت دبدوبة إصبعها وقالت: أنا.

أستمرُّ باقتباسٍ مِن النّماذجِ السّاخرة: فاطمة حتّى بكتاباتِها السّياسيّةِ تَسخرُ مِنَ الوعودِ الكاذبةِ والشّعاراتِ الرّنّانةِ، والفوارقِ الطّبقيّةِ، وإقدامِ المرأة لترشيح نفسِها للمجلس أو البرلمان، وتُطالبُ بالحرّيّةِ والعدالةِ والعيشِ الكريم في نصّ بعنوان (مطلوب حالًا ص220)، إذ تُخرجُنا مِن همِّنا الفرديِّ إلى الجماعيّ فتقول: *مطلوب حالًا، نوّاحة عربيّة، ومصنع لمناديل ورقيّة، وباحشي قبور، وربطات عنق، وجنازة رسميّة، لتشييع جثمان أحلام النّساء اللّواتي قضيْن في معارك الجهاد والرّباط، وحرثن الأرض بالطّول والعرض، كي لا يسقط واحد من فوق.

*مطلوب حالًا، ڤيكي كانفوا- عربيّة، تبكي بالعربيّ، وتتعرّى بالعبريّ.

*نحتاج جامعة عربيّة بمفهوم وطنيّ وقوميّ، طبعًا، نحتاج ذلك، ومَن منّا لا يرغب ذلك؟

لكن بمحاذاة ذلك، علينا أن نمسح الأرض بالطّول وبالعرض، لا ليسقط واحد من فوق، ولا حتّى وعد بلفور، بل لنقف على الحقائق والأرقام، لنتعرّف عن كثبٍ على عدد العاطلين عن العمل، الباحثين عن لقمة العيش المُسجَّلين وغير المُسجَّلين في دوائر التّأمين، وعلى أيّ خط من خطوط الفقر يقف مجتمعنا، حتّى نستوعب طوابير الأكاديميّين المُتسكّعين في أسواق البطالة.

*نبض الشّارع يسأل: ماذا أعددتم يا سادة، لمواجهة الفقر والجوع والبطالة؟ هذا العدوّ الزّاحف إلى مجتمعنا بجبروته وقهره ومذلّته! هل لديكم خطط مدروسة قبل الانزلاق الّذي تعرفون نتائجه المدمرّة، ليس فقط لمجتمعنا، بل أيضًا لكلّ أحلامنا وطموحاتنا!

٭نرفض أن نظلّ مجرّد أرقام في ملفّات التّأمين، وفي تقاريرعميد بنك إسرائيل، وملفّات أعضاء البرلمان، فلقمة العيش على رأس سلّم أولويّاتنا، فماذا أنتم فاعلون؟

*نبض الشّارع يقول: ما عاد مُهمًّا الآن، أن تصل المرأة أو لا تصل البرلمان، ليست هذه قضيّتنا، فما يشغلنا، بصدق في الوقت الحاليّ، صراخ رجالنا وأعماره.

*نبض الشّارع يقول: نريد من ينزل إلينا، ويتماهى مع همومنا، لا نحتاج سُلّمًا كي نصعد إليه، ونحن لا نملك ثمن درجة من درجات هذا السّلّم، أو على الأقلّ أعطوهم سحسليّة لزجة، كي يهبطوا إلينا.

*قالوا: كنّا نذهب لنقابل النّساء، فلا نرى إلّا رجال الحمولة. أنتم كمَن قال: إجت منك يا جامع. غريب، لماذا هنا فقط توقّف الفكر عن الاشتغال؟!

*نعلم جيّدًا، أنّكم مضروبون مثلنا، لكن لم ننتخبكم للبكاء فقط، نحن في هذا  الشّطر منكم، فدعونا نفعل هذا عنكم. جرّبونا!

*يريدك الآخر نحلة في خليّة نحل، تُطعمه الشّهد كلّ صباح وكلّ مساء، وإن فكّرت باللّسع، فالنّتيجة معروفة سلفًا، احذري، لتظلّ لك الحياة!

*الحلّ هو قانون يفرضك، حتّى يحتدّ الفكر الآخر فكرك، وأراهن، بعد سنوات سوف يطالب الرّجال بمقاعد لهم في البرلمان.

ومِن السّخريةِ إلى الجدّيّةِ المُفعمةِ بالمَشاعرِ النّبيلةِ والألم، وبوخزِ الخاصرةِ والفؤاد، لم تنسَ فاطمة شاعرةَ فلسطين الأولى فدوى طوقان رحمها الله، حيثُ خصّصتْ لها حيِّزًا مُحترمًا في الكتاب والمفارقة الصّعبة: نبذةٌ عن حياةِ الشّاعرةِ وأعمالِها، وجزءٌ مِن كلماتٍ خاصّةٍ في زمنٍ خاصٍّ جدّا، وذلكَ مِن خلالِ رسالةٍ وجّهتْها لفدوى بصددِ رحيلِها، ووقوفِها أمام "الباب المغلق"، وبضمير "نحن" تقول: ولم نزل فدوى ولم نَزَلْ!/ "أمام الباب المغلق"/ نكتب أشعارنا حروفنا أوجاعنا/ زادنا طعامنا شرابنا/ في "رحلة جبليّة صعبة"/ "والرّحلة الأصعب"/ أن نعزف "اللحن الأخير"/ ذكرى مجرّد ذكرى/ وذكرى ضحيّة أخرى/ وصمت هادر يزمجر فينا/ شرقيّ حُزننا/ شرقيّ موتنا/ شرقيّ انتحارنا/ وراءنا كلنا/ ووراءك فدوى/ "وراءك شوط طويل المدى"/ سفحت عليه سنين العمر/ وكم فلسفتك حياةً تمُرّ/ على جانبيْها بحلوٍ ومُرّ/ ذوَتْ عنك وجه بشاشتها/ وأولئك وجها لها مُكفهرّ/ خبرت تناقض حالاتها"/ ولم تُدركي كنهها المستتر/ وقد حان أن تستريحي وتلقي/ عن المِنكبَيْن غبارَ السّفر/ فحسْبُك أنّك لم تُهزم/ ولا حطمتك سهام القدر.

وتتطرّقُ فاطمة إلى حكايةٍ صغيرةٍ وجّهتْها لإبراهيم طوقان ص194، وبأسلوبٍ راقٍ جميلٍ، عن (فُلّةٍ ونظرةٍ) مِن ابن الجيران لفدوى فتقول، "إبراهيم"، أيّها القادم من هناك/ مِن الجامعة الأمريكية من بيروت العاصفة/ فُكَّ قيدي أخي/ أرجوك/ حكايتي صغيرة جدًّا/ "فلة" من ابن الجيران/ أُقسِمُ لك أنّها فقط فلة ونظرة عن بعد/ أقسم عن بعد ووثبة قلب/ لم يَزَلْ صغيرًا على الحبّ/ هذه كلّ خطيئتي أن أحِبّ وأُحَبّ/ ليكون السّجن والقيد/ والقرار الأصعب من الصّعب/ "لن تخرجي من البيت إلّا إلى القبر"!/ إن كان لا بدّ من القيد والقبر/ تعالي فدوى عزيزتي/ أعلّمُك الانتحارَ على مذبح الشّعر/ فدوى والمشوار طويل طويل/ شاعرة الاختراق للوطن وللحدود/ شاعرة نكتبها في ضمائرنا/ حكاية عصامية/ نعلّم أولادنا كيف تولد في هذا الوطن شاعرة/ وترنو فدوى ونرنو معها/ "أن يصير الحبّ هو الدّنيا/ أن يصيرَ الحبّ هو الرؤيا/ أن يصير الحبّ هو الدرب/

 الخاتمة: وفي رسالةٍ مِن فاطمة إلى فيروز الكرمل، كردٍّ منها على مَقال (فلتكنِ اللّعبةُ خطيرة) لهيام مصطفى قبلان، نُشر لها في مُلحق سوا في صحيفة الصّنارة تقول ص83: "هي الدّنيا نضحك لها وتضحك معنا، لحظة من عمر الحزن والأحزان نعاود اعتصار القلوب، ونقش الجراح، والوجع عزيزتي، يسكننا حتّى آخر دمعة نسكبها، ليس فقط خلف المرايا الحزينة، بل على الورق في رحلتنا الأسبوعيّة، حتّى تلتئم الجراح وتندمل". 

أتوقّفُ هنا لأقولَ لكِ يا رفيقةَ الدّرب، الضّحكُ المُرُّ كالفرحِ اليابسِ تحتَ اللسان، إنّهُ العزفُ على أوتارِ دبدوبة، وعلى وترِ كلِّ واحدٍ منّا. هذا الصّراعُ  ما بينَ غربةِ الذّاتِ والمكان، وما بينَ الموتِ والحياةِ، أنبتَ في حديقتِكِ بذرةً مُلتحِمةً بالأرض وبالوطن، يتصاعدُ لحنُها الحزينُ ويرتفعُ، كما الرّوحُ المُغادرةُ جسدَها، والمُتعلّقةُ بقلادةِ الرّبِّ بحبلِ النّجاة، تُواجهينَ الواقعَ بمُعاهدةٍ صغرى دونَ خوفٍ وسلاح، تخرجينَ مِن ذاكرةِ الغبارِ ومِن تاريخٍ ضاقَ بهِ التّاريخُ وناءتْ بهِ السُّفن، ومِن ذاتٍ مقموعةٍ يَربضُ لها ويتربّصُ بها الماضي كالوحشِ في الزّاوية.

يا صديقتي فاطمة، نلتِ رضا "دبدوبة"، فبكيتُما وتشاكيتُما، تقاسمْتُما رغيفَ الشّعر والأدب،  فلْتبقَ دبدوبة تُلامسُ الوترَ وتعزفُ لحنَ الحُبِّ والحياةِ والحرّيّة، عساها تُطهّرُ النّفوسَ مِن شَوائبِها.

 

2019-12-29