الأحد 23/5/1441 هـ الموافق 19/01/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
أيمن اللبدي يكتب لـ'الوسط اليوم'..'أعراف الوطن'

في الدين ويوم الدينونة بالذات ينتهي المشهد إلى ثلاث صور، حشد بالنار وزمر بالجنة وبينهما وآخرون على الأعراف، فهمنا أنهم المؤجلون، الذين تساوت أعمالهم الحسنة بتلكم السيئة، ينتظرون قراراً بمصيرهم من الجبار القهّار.

لكن في الدنيا وفي أيام هذا الشعب المنكوب، وصاحب السجل الأطول في المعاناة والتعرض لشتى أصناف الظلامات، يبدو أن القصة تتجسّد طيلة هذا الوقت، فهذا الشعب الصابر الصامد لم يستحق هذه الصفة إلا لأن شرائح وجماعات فيه استطاعت أن تخلق رداً حقيقيا ملموساً على التهديد الوجودي الذي تعرّض له قبل النكبة الفلسطينية وبعدها.

الثورات الفلسطينية الأولى في بدايات القرن الماضي وأعظمها ثورة العام 36، كانت ثورة شعبية بامتياز انخرطت معظم الإرادات الحقيقية فيها، ودخلت جنتها بامتياز، جنة من نوع خاص قوامها العزة والكرامة والانعتاق من قيود الظلمة والظلّام، وقلة هي التي ألقت بنفسها في أتون نيران المغتصب التي زيّنها لهم بكل خادع وفاتن، أما أصحاب الأعراف فيها فكانوا كما يقول التاريخ شرائح بعينها أدخلت حساباتها الأنانية الضيقة والفئوية، من غير أن تزلّ قدمها إلى نجس العدو وأحابيله.

في العام 65 وبعد عشرية ونصف من النكبة، أعاد الشعب الفلسطيني خلق جنة جديدة، قالت عن نفسها أنها ثورة عمال وطلاب وفلاحين، لكن الحقيقة أنها لم تكن كذلك بالفعل، وقالت أيضا عن نفسها أنها ثورة اللاجئين، وكانت كذلك إلى حد كبير، أما النيران فبقيت محدودة في هذه المرحلة، وتطوّرت لدينا الأعراف واصبح لها جمهور واسع طيلة سني الاحتلال الصهيوني لما تبقى من الوطن فلسطين.

كانت الثورة الفلسطينية الثانية ثورة شرائح لهذا الشعب ولم تكن ثورة شعب كامل، غلبت عليها صورة التغريبة أكثر من صورة القلعة، حملت بنادقها وراياتها من مخيمات الأردن لمخيمات سوريا فمخيمات لبنان، أما مخيمات الضفة وغزة فحاولت أن تلحق بها دون أن تستطيع التأثير في الأعراف الشاهقة من حولها في المدن والقرى الفلسطينية، والمدهش أن الانتفاضات التي شكّلت رافعة التذكير وجرس الإنذار، دوما كانت شراراتها من فلسطين المحتلة في النصف الأول من القرن الماضي، فلسطين الجذور.

بعد أوسلو الذي قايض الجنة بالوهم، أصبحت الأعراف هي ساحة الشعب الفلسطيني الأولى ومعها أصبح الوطن الفلسطيني هناك، بينما أصبحت النارتشتعل وتتوالد ولا تنفك تصرخ هل من مزيد، من بقي في جنة الثورة وجنة الوطن؟ هذه المرة هناك ما هو أقل من الشرائح والتوصيفات التي جعلت كثيرين يرددون شعارات فارغة المحتوى، ألم يصفوا الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة عام 2015 بأنها هبة، ثم قالوا عنها حراك مقدسي شبابي، ثم وصفوها عندما استمرت بضع سنين بأنها انتفاضة القدس !

هل على القدس وحدها أن تبقي جنة فلسطين قائمة؟

صورة شباب القدس التي أعطت شباب الخليل دافعا جديدا، وهي تكسر قوانين العدو في البوابات ومصلى الرحمة مؤخرا، يجب أن تقول شيئا واضحا وصريحا، يجب أن يفهم هذا الشعب أن أعراف الوطن ليست مصيرا، وأن الأعراف لا تتستنقذ وطنا، وأن مصيره بالمطلق في جنة ثورته الشعبية التي تعيد كتابة التاريخ من حيث توقف ومن حيث ألصقوا فصلا سخيفا به عنوة وغدرا.

ايمن اللبدي

19/1/2020

2020-01-19