الأربعاء 26/5/1441 هـ الموافق 22/01/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
'ألبرتو جياكوميتي ' ..عملاق الفن في القرن العشرين ....عبد الهادي شلا

 

 علاقتي مع  الفنان "ألبرتو جياكوميتى" بدأت منذ سنوات بعيدة حين وقع في يدي كتاب مصور لأعماله التي اثارت في نفسي الكثير من الأسئلة والإعجاب بهذا الجمال الغير مألوف رغم قسوة الخامة واللمسة في الأجسام النحيلة المتألمة وهو نفس الشعور الذي تملكني وأنا أشاهد لوحات الرسام العبقري"فنسنت فان جوخ" بكل ما فيها من جمال اللمسات والحركة وتألق الألوان التي ينبثق من مسامها ألم ومعاناة الفنان النفسية التي كان يعاني منها طول حياته وأدت إلى إنتحارة!!

 

 

التاريخ فيه أسماء و أحداث لا يمكن إهمالها، بل تبقى علامات وفي حالة تداول كلما استجد جديد و أتى القدر بمن يبعثون فيها روح الحاضر كما حدث في عالم الفنون والثقافة مع بداية القرن العشرين المنصرم وما قبله في القرن الخامس عشر، حين  قام "مايكل أنجلو" وهو النحات العظيم برسم سقف "كنيسة سيستينا"  بقدرة وضعته في مصاف مشاهير الرسامين في عصره أمثال "رفائيل" و "ليوناردو دافنشي" وغيرهم،وبقيت هذه الرسومات شاهدة على عظمته  ومزارا للفنانين والمتخصصين حتى اليوم.

 

"ألبرتو جياكوميتى" ..فنان من هذا النوع الذي يأتي في وقت ما ،من زمن ما ،فيبدع ويتفوق على معاصرية ويتربع على عرش خاص في عالم النحت ..فنان من نوع مميز .. يقلقه حرصه على عمله بأن يكون انعكاسا لما يريد ويحس،لذلك كان يعلن دائما أنه قد فشل في بحثه رغم اجتهاده و نجاحه وعدم توقفه عن الإنتاج،وهذا ما يتفق مع قول "جان كوكتو": القلق وسادة الفنان..!

 

كان لجياكوميتي معتقد راسخ بأن الإنسان لا يكتمل عطاؤه بالنجاح فقط بل إنه ينبثق من الإخفاق !!

لذلك نجد أن نجاحه واكتمال عطائه وتألقه كان مع نهاية الحرب العالمية الثانية حيث ترسخت عوامل نُضجه بتلك الأجسام المتطاولة معبرا عن حالة إنسانية طال بحثه عنها إلا أن إحساسه بها لم يكن عن رضى تام.

 

ولد "ألبرتو جياكوميتي" إبنا لفنان سويسري من جماعة ما بعد الإنطباعية ،في مقاطعة (ألباين) في سويسرا في العاشر من أكتوبرعام 1901 المتاخمة للحدود الإيطالية، بدأ الرسم حين كان في العاشرة بتشجيع من أبيه،وهو يسمع نداءاً من داخله يدعوه للفن.

 حين بلغ عامه الواحد والعشرين استقر به المقام في باريس، العاصمة الفرنسية التي كانت تغلي بالافكار والموجات الجديدة، "بيكاسو، سترافنسكي، بيكت، جويس"، حيث تجمع عباقرة القرن العشرين وكأنهم على موعد في باريس، واستطاع وسط هذا العالم الجديد ان يلفت انتباه السيرياليين إلى أعماله، وكانوا مجموعة من الفنانين الثوريين المجتمعين حول الشاعر "اندريه بريتون" ،لكنه رفض الأفكار الفرويدية لاحقا وتبنى الإسلوب الرمزي،رغم انه أبدع منحوتات سيريالية مدهشة.

           

قبل أن يسافر إلى باريس و في العام 1919  سأل "جيوفاني جياكوميتي" الأب إبنه البكر ألبرتو " هل تريد أن تصبح رساماً؟

فكان جواب الأبن سؤالاً أيضا، لنفسه وليس لأبيه " رساماً أم نحاتاً؟".

 

رغم أن شهرته قد ذاعت في أوائل الثلاثينيات إلا انه لم يكن على قناعة بما ينتجه من أعمال فنية الأمر الذي جعله يعود في منحوتاته إلى "الموديل" وسط استهجان السيرياليين من معاصريه ورفضهم لذلك فابتعدوا عنه بينما هو مصر على ولوج عالم جديد.

 غاب سنوات وابتعد عن الوسط الفني عشرين عاما،رغبة في ترجمة ما تراه عيناه ببسالة وإصرار،ولم يفلح في ذلك بل أخذت منحوتاته تميل إلى الصغرالذي لا يتعدى بوصة واحدة أو بوصتين...إنه قلق الفنان الواعي لما يريد،وكل ما عليه سوى التحلي بالصبر والمثابرة.

 

ما بين عام 1960-1965 كان "ألبرتو جياكوميتي" ،تعلق برسم فتاة شابة متمردة تعيش وسط مجتمع وجودي بوهيمي مع بائعات الهوى وعصابات الإحتيال واللصوص وموجة السينما الجديدة في باريس هي"ايفون بويرادو" التي حملت إسم "كارولين" في لوحاته بعد أن أخرجها من هذا العالم وتهمة بالسرقة وهو في أوج شهرته و أسبغ عليها في لوحاته كبرياء وأنفة حتى بدت كأنها أميرة أفلتت من الحكايات ، أو ملكة من الأساطير القديمة .خلدها "جياكوميتي" فأخذت مكانها في عالم الخلود ليشاهدها عبر الزمن كل من مرت عيناه على لوحة لها، كصورة ورمز مهيب للُغزِالبقاء الذي يحتار فيه المشاهد.

 

لم تكن علاقته بالمرأة سهلة بل شديدة التعقيد،ولعل المرأة الوحيدة التي أحبها كانت أمه،حيث كان ممتنعا عن الزواج لفترة طويلة حتى تزوج من "آنيت" في الوقت الذي كان يلذ له مصاحبة بائعات الهوى وقد سطع نجمه وشهرته  لدرجة أن أن وقعت في حبه الممثلة الفرنسية المشهورة"مارلين دتريش" ولم تتطورعلاقته بها كثيرا لأن علاقته بـ"كارولين" الشابة الجميلة إبنة الثلاثين كانت قد تطورت واحتلت الكثير من منحوتاته البرونزية ولوحاته الأمر الذي أبعده عن زوجته التي كانت تمقتها،والغريب أنه لم يترك لهما شيئا في وصيته.

 

في حياته الشخصية كان زاهدا بكل شيء ويخشى من تأثير الرفاهية على نظرته للحياة فلم ينعم بثرائه كما كان أقرانه مثل "بيكاسو" و "براك" وغيرهما من الذين نعموا ببذخ العيش مما حققوا من ثراء،وبقي حتى قبل وفاته يقيم في مشغله المتواضع في شارع مظلم ورطب مرافقه الصحية في الباحة الخارجية،وما عرف طريق السفر بل كان يتنقل في المدينة على دراجته القديمة معتقدا أن شظف العيش يشعره بوجوده في الحياة بل يملكها ويفعل بها ما يريد وهذا مما كان يبعث في نفسه طاقة عجيبة للعمل يوميا دون توقف الأمر الذي ميزه عن كثير من الفنانين.

 

رغم عبقريته ومكانته السامية بين الفنانين فقد حافظ على تواضعه وطيبة نفسه محبا لكل ما في الحياة من نبض ومخلصا لمشاعره وأحاسيسه الإنسانية ومن أقواله:" انني لو رأيت بيتاً تلتهمُهُ النيران، فانني سأقتحم نيرانَهُ لأنقذ قطة تتعرض للحريق بدل ان أُنقذ لوحة للفنان رامبرنت..!!".

الفنان الذي يتعامل مع الحياة بهذه الروح الشفافة لا بد أن يتقبل العامة أعماله التي تفيض يالإحساس البشري العظيم بحب وشغف.

 

أعماله

 

ما يميز أعماله عن غيره من فناني القرن الماضي أنها نحيفة ورشيقة وطويلة بشكل ملفت للنظر،وهي تحقق نظرته حول ألم الإنسان وعذاباته  نستشعرها في خشونة ملمسها أيضا،كما أنه يتعامل مع مادة المنحوتة بحس عال تثير في داخل المتلقي أسئلة كثيرة، وتجبره على ضرورة التمعن فيها والتفكر كثيرا ليمكنه أن يفهم كنهها ويكتشف أسرارها كما أراد لها الفنان رغم استحالة هذا الأمر ،ولكن بساطة الشكل واستطالته رغم هزاله الواضح إلا أن فيها شموخا داخليا يصعب على العين المجردة وغير المدربة على اكتشافه.

 

نجد عظمة الاختزال والبساطة في الشكل تسري على العنصر الحيواني كما الآدمي في معالجته للسطح والتي تبدو للعين خشنة الملمس وهذا من سر إبداعات الفنان المقصودة لتضفي على المنحوتة المزيد من المعاناة التي يستشعرها فيما يريد التعبير عنه والوصول به مع المتلقي من معنى،الأمر الذي يتطلب المزيد من الجهد في استخراج هذه الأحاسيس واسقاطها بصورة تتفق مع الفكرة من المنحوتة التي نشاهدها على سبيل المثال في منحوتته "الكلب" أو" القطة" التي انتجهما في العام 1951 ،وفي تمثال "الجالس" بما فيه من اختزال ورشاقة محببة رغم قسوة الخامة وتصلبها المقصود بما يمنح الشعور بصراع بين عين المتلقي ومعاناة الجالس وكأنه في نهاية حالة مخاض ألم مزمن... جمال من"القبح" الذي لا يقدر عليه إلا فنان مثل البرتو جياكوميتي.

 

ولا تغيب هذه الحالات عن التماثيل الآدمية أيضا ،فهي تتجلى بصورة اكبر في نظراتها وتلك الكتل الثقيلة التي تحمل رأسا يبدو ضئيلا بالنسبة لها والذي يفقد جماله لو لم يكن بهذه الصورة وهذا الشكل مما يجعلنا ننحني احتراما لفكر هذا العبقري الذي أضفى على فن القرن العشرين جمالا ما سبقه إليه أحد من أقرانه من عظماء فناني عصرة.

من هنا يمكننا أن نقول أن "جياكوميتي" هو عملاق الفن في القرن العشرين..!!

2020-01-20