الجمعة 5/1/1446 هـ الموافق 12/07/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الهدية الفلسطينية وتشارلز شجرة يابسة ....شوقية عروق منصور

عندما يزور أحد الرؤساء أو الملوك أو القادة دولة ثانية، لا بد في نهاية الزيارة أن تُقدم الهدايا، وغالباً الهدايا تكون في نطاق الرضى السياسي، هذا البرتوكول يُلمع العلاقات ويصنع من اللقاءات رقصة سياسية قد تكون ساحاتها مستقبلاً جثثاً للشعوب.

اختلفت اشكال الهدايا عبر التاريخ ، هناك من يعتز بتراثه مثل الملكة اليزابيت التي أهدت رئيس الصين في إحدى المرات مجموعة قصائد شكسبير ، وهناك الهدايا التي تكون مستحيلة، مثلما أهدت دولة مالي الأفريقية جملاً للرئيس الفرنسي " فرانسوا اولاند ، ولم يستطع  الرئيس الفرنسي أخذه إلى فرنسا ووضعه في قصر الاليزيه،  فما كان إلا أن وضعه لدى عائلة  في أحدى قرى مالي ، بعد سنة جاعت العائلة فذبحته وطبخته، لكن حكومة تلك الدولة قامت بشراء جملاً آخر وأخذته إلى مكان يحترم الرئيس الفرنسي ولم نعرف بعد سقوط "أولاند " ماذا حل بالجمل .

بالطبع نعرف الكرم العربي ونعرف هدايا  الذهب والمال ، فحين رقص الرئيس الأمريكي بوش الأبن بالسيف الذهبي أثناء زيارته للسعودية، وبعد ذلك عرفنا أنه قُدم له هدية ، عرفنا أيضاً  أن وراء رقصة السيف ليس فقط سيفاً عربياً  ذهبياً يلمع تنازلاً ، بل هو تاريخ يقبض على وجه الذل وجبين الخذلان .

بيننا وبين الهدايا السياسية مسافات طويلة سقفها السخرية وأرضها النفاق  ، لكن حين تخرج من بين أيدينا هدية تعانق شخصية كانت يوماً تمسك حبل المشنقة ، وتقبض على توابيت اللجوء وتفتح حناجر السنوات لتبتلع نواحنا وأحزاننا وغضبنا ، وتقيم مهرجانات النسيان فوق أحلامنا المبعثرة على أرصفة التسول، يجب أن نسأل عن معنى تلك الهدية  .

على ضوء فلاشات  الضحكات الإعلامية  وخداع فتات الزيارة ، يلتقي الأمير تشارلز الذي جاء لزيارة كنيسة المهد فقرر أن يدخل مسجد عمر بن الخطاب من باب ظل كفتي ميزان الاعلام، أهلاً وسهلاً بالأمير ابن الملكة اليزابيت وولي العهد البائد ، أبن بريطانيا التي أهدتنا الشقاء ملفوفاً بورق ذهبي مربوطاً بشريط أسود يُدعى وعد بلفور ، زار الأمير تشارلز كنيسة المهد فكانت فرصة لقرع أجراس الرفض وبعث المأساة الفلسطينية، وزار المسجد فكانت فرصة لإقامة الصلاة وجعلها تفتح صفحات الأسرى والاستيطان، لكن وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية " حسام أبو الرب " يستقبل تشارلز  بالترحاب ويهديه نسخة من " العهدة العمرية " والعهدة العمرية تُعتبر من أهم الوثائق بتاريخ القدس وقد كتبها الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل – ايليا – القدس عندما فتحها المسلمون عام 639 م أمنهم فيها على كنائسهم وممتلكاتهم .

وكيل الوزارة " حسام أبو الرب " يُهدي نسخة من العهدة العمرية للأمير تشارلز، ماذا يريد أن يُثبت للأمير، هل نحن مسالمون وعطر الأمان والاستسلام يسيل من ثيابنا ..؟؟  لماذا لم يهديه صوراً للبيوت التي تُهدم في القدس والتغيرات والتضيقات والاختناقات التي يعاني منها المواطن المقدسي، لماذا لم يهديه صور مسجد الأقصى الذي يُنتهك يومياً ؟ لماذا لا يهديه صور الملاحقات والجنود الذين ينجبهم الاحتلال يومياً في الطرقات وأسواق وحارات القدس .

انت تعرف أيها الوكيل أن الأمير تشارلز هو جذع شجرة يابسة لا تثمر ولا تخضر، ومن العار أن نهدية العهدة العمرية ، نهديها لمن يشعر بقيمتها التاريخية والدينية.

الأمير تشارلز بتاريخه لم يعرف سوى بالسجين العاشق في قصر بكنغهام ، حاولت والدته اخراجه على يدي الأميرة ديانا ، لكن فشلت وبقي سجيناً في عالمه الوردي .

في المرة القادمة عندما يزور أحد الرؤساء أوالقادة السلطة الفلسطينية قدموا له سلة من القش الملون أو جرة من طين الوطن،  لعل يوماً  يقوم هذا القائد أو الرئيس بوضع شيئاً من اهتمامه بها ، حتى لا نبقى مجرد ابتسامات وسجاجيد حمراء .

ملاحظة لا بد منها ... أعجبني تصرف الرئيس الروسي بوتين عندما خرج عن البرتوكول وانحنى على الأرض وتناول قبعة سقطت من أحد حراس الشرف الفلسطينيين فقام بوتين بعظمته وهيبته  بالتقاطها ووضعها على رأس حارس الشرف الفلسطيني، بينما الرئيس أبو مازن بقي سائراً ولم يهتم لسقوط القبعة .

 

2020-01-26