الإثنين 10/2/1442 هـ الموافق 28/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
لا ننتمي لقضايانا العامة ..؟؟/ راسم عبيدات

من الواضح جداً بأنه في ظل دخول المجتمعات المحتلة او المتخلفة في مرحلة الأزمة العامة- الاستنقاع- وما يستتبع ذلك من تفكك وتحلل وتخلي اجتماعي وسياسي عن الانتماء القومي والوطني لصالح انتماءات عشائرية وقبلية وجهوية وطائفية،فإنه لم يعد هناك قضية محورية أو مركزية توحد أبناء الوطن الواحد،او يلتفوا ويتكاتفوا من أجل تبنيها والدفاع عنها،وتصبح القضايا الفئوية والمحلية لها الأولوية على القضية المركزية،ونحن لا نريد ان نخوض جدالاً ونقاشا فلسفيا،بل نريد أن نسلط الضوء على قضايا هامة مركزية،المفروض ان تكون محور اهتمام وتفكير كل بيت فلسطيني،ولكن في إطار وسياق العمل والفعل والاهتمام،نرى انه على الرغم من أهميتها ومحوريتها وكبر حجمها،فإنها تصبح في تفكيرنا قضية هامشية أو نستخدمها من أجل الاستعراض ودغدغة المشاعر والعواطف ولا تحظى بالاهتمام الجدي،واليوم عندما نتحدث عن قضية اسرانا في سجون الاحتلال،والبالغ عددهم أكثر من 4600 أسير،110 أسرى منهم مسجونين قبل أوسلو،و67 منهم قضوا عشرين عاماً فما فوق،و23 مضى على اعتقالهم 25 عاماً فما فوق،فدعك عن  هذا الرقم الكبير جداً من الأسرى،ولكن كم هم من أعضاء وحتى قادة الأحزاب والتنظيمات وقيادات السلطة وسفرائنا في الخارج يمتلكون معلومات دقيقة ليس عن كل هؤلاء الأسرى،بل عن من هو أقدم أسير فلسطيني على سبيل المثال لا الحصر،او الأسرى الذين قضوا عشرين عاماً فما فوق؟؟،وهذا السؤال في المحاضرات التي ألقيتها على الطلبة في العديد من المدارس الخاصة والأهلية ومدارس الأوقاف الإسلامية،لم اجد طالباً واحداً عرف من هو أقدم أسير فلسطيني،وكانت الإجابات تتركز على أسرى أطلق سراحهم او حديثي الإعتقال،ولو سألت نفس السؤال للمدرسين فلربما كانت الإجابة نفس الشيء،واليوم العديد من الأسرى يخوضون بطولات فردية في الإضراب المفتوح عن الطعام وبأرقام غير مسبوقة في تاريخ كل الثورات والحركات الأسيرة،ودعك عن التقصير الحاصل بحقهم رسمياً وشعبياً،فإن الحركة الأسيرة نفسها عاجزة عن الوصول الى موقف موحد،بكيفية إسناد ودعم هؤلاء الأسرى المضربين الطعام عن مدة وصلت الى 120 يوماً للبعض منهم،وكذلك في الإضراب المفتوح عن الطعام الذي كان في 17/4/2012،كان واضحاً أن المصالح الفئوية والحزبية كانت فوق قضية الأسرى كمجموع،فرغم الاتفاق والمواثيق التي وقع عليها كل قيادات الفصائل والتنظيمات الفلسطينية لخوض خطوة نضالية موحدة بالإضراب المفتوح عن الطعام من اجل إنهاء ظاهرة العزل في السجون،والسماح للأسرى المعزولين وبالذات أسرى القطاع بزيارة أهاليهم وغيرها من المطالب الأخرى،فإن ذلك لم تجر ي ترجمته على الأرض بشكل التزام وتنفيذ،ولم يتجاوز عدد الذين شاركوا في الإضراب المفتوح عن الطعام من الأسرى نصف عدد أبناء الحركة الأسيرة،والأخطر منذ لك ان من لم يشارك في الإضراب حاول أن ينصب نفسه ناطقاً باسم الأسرى المضربين،ويفاوض إدارة مصلحة السجون باسمهم،فلا يكفي تخاذله وتقاعسه،بل يريد أن يستثمر عذابات ومعانيات هؤلاء الأسرى.

وبالقدر ذاته فإن فعاليات المقاومة الشعبية ضد جدار الفصل العنصري،بقيت شعارات وأعمال استعراضية تتغنى بها الفصائل والتنظيمات والسلطة،حيث تقوم في مناسبات انطلاقتها أو ذكرى شهيد من قياداتها بإرسال عدد من أنصارها الى الموقع الذي تجري فيه التظاهرة الأسبوعية ضد جدار الفصل العنصري،رافعين رايتها وهاتفين بحياة قيادتها "المبدعة" و"الخلاقة" وبدون أية خطط وبرامج واستراتيجيات وعمل وحدوي منظم،وفي هذا الجانب وقع ويقع العبء الأكبر على نشطاء العمل الشعبي والجماهيري،والشيء اللافت أن أعداد المتضامنين الأجانب في العديد من الأنشطة والفعاليات ضد جدار الفصل العنصري أكثر من الفلسطينيين أنفسهم،وفي هذا الجانب من العمل الشعبي المقاوم على الرغم من اهميته،ولكن نجد أن البعض قد وجد فيه مشروعاُ استثمارياً"بروبوزل" بلغة "الأنجزة" من اجل الاستثمار والمنفعة والمصلحة الشخصية.

والمسألة ليست وقفاً على هاذين المثالين،ولكن هناك الكثير من الظواهر والمظاهر السلبية التي أصبحت سائدة في مجتمعنا،وهي تحدث تحت سمعنا وبصرنا،دون ان نؤخذ دورنا في محاربتها او التصدي لها،فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد ان هناك العديد من الناس من يتعدون على حرمات الطرق او الشوارع سواء بإقامة أبنية ملاصقة لها،او احتلالها لمصالحهم الخاصة،دون ان يكون هناك موقف حازم او عملي بمنع مثل هذا السلوك او تلك الظاهرة،وكم من ظاهرة أخرى على تلك الشاكلة من طراز حرق حاويات القمامة وما لذلك من تأثيرات سلبية على البيئة،او وضع القمامة والنفايات بجوار الحاوية،او إرسالها مع أطفال يقومون برميها من مسافة بعيدة،بحيث تتناثر على الطرقات والشوارع،وما يسببه ذلك من روائح كريهة وأمراض وانتشار للحشرات الضارة,وقس على تلك الظاهرة عشرات الظواهر الأخرى،فهناك من يغلق الشارع العام بسيارته،تحت حجة وذريعة الذهاب للصلاة في المسجد الأقصى او الجوامع،وكأن الفرض الديني،لا يستوجب سلوكاً وأخلاقاً تنعكس وتترجم إلى أفعال في المجتمع،او قيام العديد من السواق بتعطيل مصالح الناس  والتنغيص عليهم،من خلال الخروج في أيام ازمات السير من الطابور،ليتجاوز ويخرج عن مسلكه ويغلق المسلك المقابل،وما يستتبع ذلك من مشادات كلامية وشتائم،قد تتطور إلى  عراك شخصي،في الأغلب يتطور لاقتتال عشائري وقبلي.

وهنا واضح من هذه الأمثلة أننا لا ننتمي لقضايانا العامة،ومثل هذه الظواهر والمظاهر،تكشف عن خلل جدي في وعينا وثقافتنا وتربيتنا وعقليتنا المغرقة في العشائرية والفئوية في أحسن الأحوال،وأنا لا أعرف كيف سنتحرر من الاحتلال،إذا لم نتحرر من ذواتنا؟؟،فأي عملية تحرير بحاجة إلى وعي،وحتى الوعي بحاجة الى ممارسة وفعل،فليس المطلوب فقط ان نعي قضايانا وننظر لها ونستعرض قدراتنا الكلامية والإنشائية فيها وحولها،بل المطلوب أن نترجم ذلك الى فعل وعمل في أرض الواقع،فعلى سبيل المثال لا الحصر،قضية كقضية الأسرى واحدة من القضايا المركزية بالنسبة لشعبنا الفلسطيني،ويجب ان تكون الشغل الشاغل لكل بيت وأسرة فلسطينية،ويجب ان لا تبقى قضية خاصة بأهل وذوي الأسير ومحيطه الاجتماعي،فلا يعقل أن تجري عملية التضامن معهم بشكل موسمي او فئوي،وتكون في الغالب غير مرتقية الى المستوى المطلوب،لا على صعيد الحشد أو التضامن أو التفاعل،فعلى سبيل المثال لا الحصر الجندي الإسرائيلي الذي أسرته المقاومة الفلسطينية "شاليط" وأطلق سراحه في صفقة تبادل الوفاء للأحرار،كل المحافل الدولية والعالمية الرسمية سمعت باسمه،وكذلك على الصعيد الإسرائيلي جرى تفاعل غير مسبوق مع قضيته،أما نحن فالكثير من أسرنا تخطوا مانديلا بسنوات في الأسر،وهم للكثير منا مجرد أرقام،حتى لا نعرف من هم ولا نعرف أسمائهم أو أماكن سكنهم وأوضاعهم،ولماذا حتى اللحظة ما زالوا في الأسر.

وأنا واثق انه في الوقت الذي نتحرر من قيودنا الذاتية،ونعي قضايانا العامة،ونعمل من أجلها،فإننا سنكون قادرين على نيل حريتنا واستقلالنا،وتتحقق أحلامنا في وطن حر.

 

القدس- فلسطين 

[email protected]

2012-11-02