الأربعاء 10/6/1441 هـ الموافق 05/02/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مؤتمر المناخ في مدريد: احتراف الثرثرة الخطابية دون إنجاز فعلي!....جورج كرزم

مدير وحدة الدراسات في مركز العمل التنموي/ معا

 

يعتبر مؤتمر المناخ ("كوب 25") في مدريد الأطول زمنيا من بين جميع المؤتمرات المماثلة التي انعقدت في السنوات الماضية، ورغم ذلك اختتم أعماله في أواسط كانون أول الماضي دون اتخاذ قرارات ملزمة قادرة على إحداث تغيير جوهري في الإطار الذي تم صياغته لتطبيق اتفاق باريس (عام 2015) والذي تعهدت بموجبه نحو 200 دولة بأن تخفض غازات الدفيئة في نطاق أراضيها.  القرار الأساسي الذي اتخذ تمثل في أن تعمل 114 دولة (من أصل 200) على بلورة أهداف بعيدة المدى لخفض غازات الدفيئة في نطاق مناطق سيادتها، بحيث تكون تلك التخفيضات أكبر من تلك التي حددت لها منذ اتفاق باريس.  إلا أن المؤتمر لم يضع أهدافا محددة لتلك الدول، كما لم يحدد آليات تحفز الأخيرة أو تمارس عليها ضغوطاً اقتصادية كي تنفذ سياسة خفض الانبعاثات.

وبحسب القرار، ينبغي على الدول المذكورة  أن تقدم لسكريتاريا المناخ، بشكل أولي، الأهداف الجديدة التي ستحددها لنفسها، وذلك خلال الأشهر القريبة القادمة، وتحديدا قبل مؤتمر المناخ القادم ("كوب 26").

الموضوع الذي شغل المؤتمرين أكثر من غيره تمثل في محاولة تنظيم سوق تجارة الكربون وتسعير انبعاثه؛ وذلك بهدف تحفيز الدول على العمل لمنع وصوله إلى البيئة.  وفي نهاية المطاف، تم ترحيل حسم هذا الموضوع إلى المؤتمر القادم.  دول عديدة اتهمت أستراليا، البرازيل والسعودية بإفشال محاولات تنظيم تجارة الكربون، وذلك لأن هذه الدول اعترضت (أثناء المؤتمر) على هذه الخطوة؛ ما جعل من الصعوبة بمكان التوصل إلى توافق في الآراء بشأن هذا الموضوع.

مسألة مركزية أخرى نوقشت في المؤتمر وهي آلية تدفق الأموال من الدول الغنية (المسؤولة بمعظمها عن أزمة المناخ) إلى الدول النامية، بهدف مساعدة الدول الأخيرة على التكيف مع عواقب الأزمة.  ورغم أن المؤتمر لم يحدد آلية جديدة لمعالجة هذه المسألة، إلا أنه، ولهذا الغرض، قرر توسعة نشاطات الصندوق العالمي لإدارة أزمة المناخ (العامل حاليا) والمسمى: green climate fund.  ونص القرار على أن يتلقى الصندوق ميزانيات إضافية لمعالجة الأضرار والخسائر الناجمة عن أزمة المناخ في البلدان النامية، وذلك دون تحديد واضح للجهات التي ستغذي الصندوق.  كما سيتم إنشاء فريق من الخبراء لصياغة مبادئ تشغيل الآلية.  والخلاصة أن المؤتمر هنا أيضا لم يتخذ قرارا حاسما لدعم الدول النامية لتمكنيها من مواجهة أزمة المناخ.

ومع ذلك، فإن النجاحات المتواضعة التي تم تسجيلها في مدريد لم تكن نتيجة للقرارات التي اتخذتها 200 دولة موقعة على اتفاقية المناخ، بل هي نتيجة للمبادرات الإقليمية والمحلية. وأبرز هذه المبادرات إعلان الاتحاد الأوروبي عن وضع أهداف طموحة لخفض غازات الدفيئة، بما في ذلك الوصول إلى "الحياد الكربوني" بحلول منتصف القرن – وذلك بتقليص الانبعاثات الكربونية إلى الصفر،  أو تطوير وسائل لامتصاصها.  ونتيجة لذلك، ارتفع عدد المدن الرئيسية حول العالم التي التزمت بهدف مماثل من مائة إلى 400.

معظم البلدان المسؤولة عن الانبعاثات الكبيرة لغازات الدفيئة لم تتخذ الإجراءات المطلوبة بشأن الحد من الانبعاثات.  وهذا يعكس مدى انفصال قيادات تلك الدول عن حس حالة الطوارئ المناخية القائمة على تراكم المعرفة العلمية.

ممثلو المنظمات البيئية في مختلف أنحاء العالم أعربوا عن خيبة أملهم الكبيرة من قرارات المؤتمر المفتقرة لوسائل الضغط. شركات النفط هي الرابح الأكبر في مؤتمر مدريد، إذ تم تثبيت مصالحها وحصلت على ما تريد، بل نجحت في ترحيل المشاكل إلى المؤتمر القادم.

 

"ميوعة" المؤتمر

أحد أسباب "ميوعة" مؤتمر مدريد، كما المؤتمرات السابقة التي تلت مؤتمر باريس، يكمن في الثغرة البنيوية لاتفاق باريس (2015) والمتمثلة في كونه تطوعيا في جوهره؛ فالإلزام الوحيد للدول الموقعة عليه هو مجرد تقديمها التقارير.  الاتفاق يفرض (بشكل عمومي وفضفاض) على جميع دول العالم بأن تساهم في الجهود المبذولة للحد من الآثار البيئية لبلدانها فيما يتعلق بأزمة المناخ؛ في حين أن الدول الصناعية المتقدمة كانت هي الملزمة فقط بذلك، قبل اتفاق باريس. 

اللافت أن أهداف خفض الانبعاثات لا تشير إلى التزام الدول أو إلزامها.  على سبيل المثال، البلدان النامية قد تربط التزامها بخفض الانبعاثات بحصولها على التمويل من الدول الغنية.

السؤال المطروح:  هل هناك أي فرصة بأن تنجز الدول التخفيض المطلوب للانبعاثات بحلول عام 2030؟  معظم المؤشرات تؤكد بأن مثل هذا التخفيض لن يحدث.

المشاكل الفعلية بدأت عندما طُلب من الدول تحديد أهداف محددة لخفض انبعاثاتها، وعندما بدأت التحركات لبلورة آليات مالية وتنظيمية من شأنها تحقيق هذه المهام.

 

الاحتكارات تحارب أي تغيير حقيقي

يُعقد مؤتمر المناخ سنويا، وخلال جميع المؤتمرات، وتحديدا من باريس حتى مدريد، كانت هناك محاولات عديدة للنهوض بعملية تنفيذ الاتفاقية، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل.  خلال مؤتمر مدريد ، كان هناك أمل بحدوث انفراج ما في أعقاب زخم الاحتجاجات العالمية التي، وللمرة الأولى، تخللها تعبئة عالمية من أجل النضال لمواجهة أزمة المناخ، بتشجيع نشطاء بيئيين مثل "غريتا ثونبرغ".  وذلك بالتزامن مع تراكم المعرفة العلمية الإضافية حول تغير المناخ، وسلسلة الأحداث المناخية المتطرفة (في أستراليا والولايات المتحدة وأميركا الجنوبية بشكل عام والبرازيل بشكل خاص، وغيرها) التي أوضحت الآثار الإنسانية والاقتصادية للأزمة.  لكن المصالح السياسية والاقتصادية الإمبريالية أثبتت مرة أخرى أنها قوية للغاية بل متغولة، وبخاصة عندما يتعلق الأمر ببلدان مثل البرازيل والولايات المتحدة وأستراليا التي تصر على مواصلة استغلال واستنزاف الموارد الطبيعية بطريقة تتعارض مع حالة الطوارئ المناخية.

خلاصة القول، فشل المشاركون في المؤتمر في اتخاذ قرار نهائي بشأن الآلية المالية التي تحكم تجارة الكربون أو المساعدات المالية للبلدان النامية للتعامل مع الأزمة.  كما أن القرار الذي يدعو الدول إلى تقديم التزامات أكثر طموحًا لخفض انبعاثاتها يفتقر إلى وسائل ضغط دولية؛ فهو مجرد خطاب كلامي آخر يناشد الدول بأن تتحرك لمواجهة الأزمة التي تهدد العالم.

تثير هذه الاستنتاجات القاتمة مسألة ما؛ وهي إذا كان هناك أي جدوى في عقد مؤتمرات المناخ.  بعض الخبراء والعلماء الذين حضروا المؤتمر قالوا بوضوح إن تكرار مثل هذه المؤتمرات لا معنى له، وذلك لأن سلطة الشركات الاحتكارية العالمية الضخمة تمنع إحداث أي تغيير حقيقي. 

لكن تحليل تاريخ اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (عام 1992) والتي يرمز لها بـ UNFCCC يبين أن المؤتمرات التي نظمت في إطارها ساهمت في إحداث بعض التغييرات التي تعد الفرصة الأخيرة لمنع الأزمة أو على الأقل تخفيف آثارها.  فاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية هي التي أوجدت فريقًا دوليًا من العلماء (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ/IPCC) الذين بدونهم لما تمكن العالم من معرفة آثار النشاط البشري على الغلاف الجوي.  كما لعبت المؤتمرات دورًا هاما في تسريع عمليات إنشاء أسواق للطاقة المتجددة، وصياغة سياسة شاملة للتعامل مع الأزمة المناخية، وربما الأهم من ذلك كله: خلق رأي عام عالمي.

يمكننا رؤية آثار كل هذه الأمور في العديد من المبادرات الجارية فعليا في العالم: مدن كبرى تقر خططا طويلة الأجل للحد من الانبعاثات أو للتعامل مع عواقب الأزمة؛ كما شهدت صناعة الطاقة المتجددة ثورة تكنولوجية هائلة، علاوة على عامل مهم  يتمثل في الاتحاد الأوروبي الذي بدأ يعمل بشكل بارز وفقًا لروح اتفاقية باريس.  يضاف إلى ذلك أن العديد من الولايات في الولايات المتحدة الأميركية تجاهلت سياسات إنكار الأزمة المناخية التي يتبناها الرئيس دونالد ترامب، واتبعت بالتالي سياسات متقدمة في مجال كفاءة الطاقة والتحول نحو الطاقات المتجددة.  بمعنى هناك سباق مع الزمن في ظل ظروف قاسية، لمواجهة العواقب المناخية الوخيمة؛ ولا مفر أمامنا سوى محاولة الانتصار في المعركة المناخية.  

 

 

كلمات مفتاحية:

مؤتمر المناخ، مؤتمر مدريد، خفض غازات الدفيئة، خفض الانبعاثات، تجارة الكربون، green climate fund، الحياد الكربوني، الشركات الاحتكارية العالمية

2020-02-05