الثلاثاء 26/9/1441 هـ الموافق 19/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
سدرة المنتهى السياسي لأردوغان المسكين...د. حميد لشهب

  من يتابع بانتظام سياسة أردوغان منذ فرض الحرب على الأمة السورية الأبية، ويضع سياسته هذه تحت المجهر، لابد أن يلاحظ بأن "الإمبراطورية التجارية" التي أسسها قبل الحرب مع العالم العربي تتهاوى باستمرار وتسبب له في متاعب لا حصر لها، وبالخصوص أزمة العملة التركية وانسداد آفاق ترويج البضائع في السوق العربية، بسبب سياسته اتجاه العالم العربي. ومن المعلوم أن الاقتصاد التركي مؤسس في المقام الأول على الصادرات، وبالخصوص المواد الغذائية والفلاحية والنسيج؛ ذلك أن هذا النشاط التجاري يضخ أكثر من 70 مليار دولار في الاقتصاد التركي سنويا (إحصائيا 2017)، ويجلب رأسمال خليجي بقيمة 552 مليون دولار سنويا (تقارير 2016).

 

لربما نُخاطر بفرضية متمثلة في كون أردوغان، ونظرا لهذا الحجم الهائل لما يأتيه من العالم العربي، فهم الأمور مقلوبة، بل أن هذا الفهم ساهم لا محالة في النفخ في أناه وبدأ يرى العالم العربي فريسة مستساغة، يمكنه ابتلاعه بسرعة وبناء نموذج مقتبس من الماضي التركي الغابر، الذي أحكم سيطرته على العالم العربي إلى حدود الحرب العالمية الأولى. وفي هذا الإطار يدخل، فيما نعتقد، الترويج للمسلسل التركي "حريم السلطان"، الذي استهلكته الفضائيات العربية بدون هوادة، دون التفكير الجدي في الخلفية الأيديولوجية له.

 

شكلت سوريا عقدة وجودية لأردوغان منذ وصوله للحكم، ذلك أن علاقة "الصداقة" التي ربطته قبل الحرب بعائلة بشار الأسد، كانت سببا أيضا في إشعال فتيل الشعور بالنقص عنده اتجاه الرئيس بشار الأسد شخصيا. ليس فقط على مستوى الثقافة والأناقة واللباقة المعهودة في بشار، بل ذكرته بماضيه الشخصي كبائع للخبز في الأزقة الشعبية لبلاده، وأججت في نفسه حقدا لا مثيل له، تجلى بصورة واضحة قُبيل الحرب وأثنائها.

 

بغض النظر عن تدخلاته السافرة في الأراضي العراقية، بسبب أو دون سبب، وتهديده المستمر لاستقرار هذا البلد تحت ذريعة القضاء على المعارضة الكردية، فإن تدخله الغير المفهوم في ليبيا حاليا، هو مؤشر كاف على كساد سياسته اتجاه العالم العربي برمته. فباستثناء قطر المحاصرة من طرف جيرانها، بدأت علاقته بالدول العربية الأخرى تتهاوى وحصل فيها مفعول الدومينو في الأيام الأخيرة. جاءت الضربة هذه المرة من غرب العالم العربي، من المغرب بالتحديد، الذي يعمل جاهدا على إخراج البضاعة التركية من أراضيه، وبالخصوص أنشطة السلسة التجارية التركية المعروفة "بيم"، التي أصبح وزراء مغاربة مسؤولين يقولون عنها بأنها تساهم في إفلاس التُجّار المغاربة. وعلى الرغم من أننا واعون بما فيه الكفاية بأن مثل هذه القرارات السياسية ما هي إلا تكتيكا تطبيقيا لخنق أردوغان سياسيا، وبأن مثل هذه القرارات مُملات على المغرب من جهات أخرى، فإن الثابت هو أن الشطحات البهلوانية لأردوغان ورفع صوته ويده مهددا الحكومات العربية، قد جاء بأكله وكانت الصفعة قوية.

 

لابد أن نشير هنا إلى أن ما يحصل لأردوغان في تعامله مع العرب، وهذا الحصار الذي صنعه بيده اقتصاديا وسياسيا ليس سياسة عربية موحدة، بل هو إفراز اللحظة الراهنة. فلم تقم الدول العربية المجموعة في ما نسميه محور الخضوع العربي للقرارات الإمبريالية بالضغط على أردوغان لأنه هدد بالهجوم على دمشق والقضاء على النظام السوري المشروع -لو كان هذا الذي حصل، لكنا سعداء-، بل لأن أردوغان يمثل تهديدا أيديولوجيا سنيا للوهابية والمالكية والحنبلية إلخ، وفي عز محاولة هضم الدول السنية الأخرى لصفقة ترامب ونتنياهو، وتصريحات أردوغان القائلة بأنه "يغار" على القدس وكل الأماكن المقدسة للمسلمين في فلسطين -وهو يفتح باب تركيا على مصراعيه لأكثر من 560 ألف سائح إسرائيلي عام 2019-، ها هي هذه الدول وتحت ضغط اللوبي الصهيو-أمريكي تساهم في خنق أردوغان قبل أن يصل إلى دمشق السورية، كما يتوعد ويهدد.

 

ما هو خطير على تركيا في عهد أردوغان هو أنه يحرق وبسرعة فائقة كل الأوراق، ويبعثرها في الهواء صائحا كمعتوه أو كطفل مدلل في وجه من لا يُحقق له رغباته. فهو غير قادر على الإلتزام مع شركائه السياسيين، بل يعمل جاهدا بكل السبل الواعية وغير الواعية، في تنفيرهم منه: أوروبا المتحدة أغلقت الباب في وجهه أكثر من مرة بسبب سلوك المراهقة السياسية عنده، وأمريكا تلعب وتتلاعب به كما يحلو لها، وروسيا لا تعير لما يقوله أي اهتمام، بل حذرة منه كل الحذر، وحلف الناتو يوغله في حروب دون أفق ويتفرج عليه وهو يغرق في بحر أزماته الداخلية والخارجية والعالم العربي يدير ظهره له، لأنه تَخُم من مسلسل "حريم السلطان" والأكراد له بالمرصاد، بل هم السبب الرئيس في جنونه وفقدان بوصلته وتيهه في براري السياسة القاحلة، التي ستوصله إلى سدرة المنتهى السياسية، حيث يعيش السياسيون مثل أردوغان وشلة من القادة العرب الآخرين في سلة مهملات التاريخ إلى الأبد.

 

الحل المعقول الذي بقي لأردوغان هو التصالح مع نفسه بَدْءً ومع الداخل التركي الممزق والإنسحاب الفوري من سوريا وليبيا والمساهمة في بناء دولة كردية، لشعب له ثقافته وتاريخه الطويل، وله الحق في بناء دولة خاصة به دون وصاية من أي بلد آخر، في الرقعة الجغرافية المُعترف له بها تاريخيا. ولربما هذا ما سيشكل أكبر إنجاز سياسي وإنساني لأردوغان، إن كان يريد الخروج من سدرة المنتهى السياسي، التي اختارها لنفسه إلى حد الآن.

2020-02-15