الأربعاء 27/9/1441 هـ الموافق 20/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
نادرة يونس وقصص نبيهة جبّارين للأطفال

ضمن برنامج (أم الفحم تستضيف نادي الكنعانيات للإبداع) في صالة العرض للفنون  29-2-2020، جاء في مداخلة نادرة يونس:

 الزّميلات العزيزات في نادي الكنعانيّات للإبداع، تحيّة طيّبة تفوحُ بعطرِ أزهار اللّجّونِ وعبق الزّعتر والميرميّة، من هضاب الرّوحة وسفوح الكرمل.

من دواعي سروري أن أقفَ اليومَ بينكنّ، لنتعرفَ معًا على إحدى الأشجار الباسقة في مجال الأدب، والفلسطينيّ منه تحديدًا، فهي عربيّة فلسطينيّة أصيلة في انتمائها؛ وفي الدّم الّذي يجري في عروقها وفِكرها ولغتها، حملتْ همَّ شعبها ولم تتردّد بإضاءة شمعة، لتنيرَ لأبنائه دروبًا يكسوها الظلام، ساعدَها في ذلك حِسٌّ مُرهفٌ، ومَلكةٌ أدبيّة، وتَمكُّنٌ قويٌّ في اللّغة العربيّة، وثقافةٌ واطّلاعٌ واسعَيْن في مجالاتٍ شتّى، وقبلَ كلّ ذلك، قلبٌ يَفيضُ بالحبِّ والعطاء لكلّ النّاس.

بدأتِ المربّية الأديبة نبيهة راشد جبّارين الكتابةَ منذ بدايةِ عَملِها كمربّية أطفالٍ، في قريتها زلفة الّتي تربضُ في بقعةٍ رائعةِ الجمال قبالة مدينة اللّجّون الّتي مُسحتْ آثارُها سنة 1948، وأدركتْ باكرًا بفطنتِها وحِسِّها المرهفِ دوْرَ الأدبِ بكلِّ أطيافِهِ، والقصّة بشكلٍ خاصّ، في صقلِ شخصيّةِ الطفل، وتهذيب نفسِهِ وروحِهِ وتقويم سلوكِهِ، وإثراءِ عالمِهِ، وتحفيزِ خيالِه، وتأثيرِهِ الكبير على متانةِ انتمائِهِ، وربْطِهِ بتُراثِ أجدادِهِ بمحبّة كبيرة، وعلى حبِّهِ للمطالعة، واكتسابهِ للغتِهِ العربيّة الفصيحة أو الميسرة، وهكذا جاءَ إنتاجُها الأدبيُّ لصيقًا بحياةِ الطفل اليوميّ، يُعالجُ أحيانًا ما يعيشُهُ الصّغار عامّة، وما يُميّزُ الطفلَ العربيّ والفلسطينيّ في الدّاخل بشكلٍ خاصّ، ويُحلّقُ بهِ إلى عالمِ الخيالِ والإبداع أحيانًا أخرى.

*تنوّعت مواضيعُ كتاباتِها لتشملَ شتّى مناحي الحياة، كتبت للبالغين والفتيان والصّغار، ففي كتابها "أغار عليها" تناولت المرأة الأمَّ والزّوجة والأنثى الرّقيقة الحانية، بما لها وما عليها، تناولت الأسرةَ ودوْرَها في ثباتِ المجتمع، اللّغة العربيّة، والوطن، والبيئة والقرية والحارة والجيران،  المكتبة والمدرسة والمعلّم وأبناء الجيل، العادات والقيم، والمحبّة والتّسامح.

*للنّاشئة وللبالغين معًا، طافت بهم في مُدنِنا وقرانا الفلسطينيّة من أقصى الشّمال لأقصى الجنوب، معددة نقاط الجمال في كلٍّ منها، وأبرز سمات أهلها الأصيلة، من جمال الطبيعة ووفرة العطاء، إلى حسن الضّيافة والشّهامة والجود، لترفع بذلك مستوى التّعلّق والارتباط بين أبناء الوطن الواحد، وبين الإنسان وأرضه وسمائه، ثمّ تُعرّجُ لتعريفِهم بمدن وعواصم الدّول العربيّة، لأنّها ترى في كلّ الوطن العربيّ وحدة واحدة متكاملة، جمعتها وتجمعُها حضارةٌ عريقة راقية منذ آلاف السّنين، رغم الحدود الّتي رسمَها غرباءُ دخيلون لغاياتٍ في أنفسِهم "عيون القدس، يا طير الطاير".

*تميّزت أديبتنا في الكتابة للأطفال، فكما ذكرتُ آنفًا، جاء الكثيرُ من مؤلّفاتِها للصّغار، حين كانت تحتاج لقصّة تُقدّمُها لأطفال صفّ البستان على مدى سنوات طويلة، كانت تُعمِل فكرَها ومَلكتَها الأدبيّة، وتكتبُ قصّةً تُلائمُ الموقف، فكلّنا نعلمُ أنّ أدبَ الأطفال عانى مِن نقصٍ شديدٍ وإهمالٍ كبيرٍ على مدى عدّةِ عقود، ولم يكنْ أمامَ الأمّهات الحانيات والمُربّيات المخلصات سوى التّعامل مع القليل المتوفّر بين أيديهنّ إذا وُجِد، أو اعتماد ما يَذكرنَهُ من طفولتهنّ، وفي حالات نادرة، كنّ يُؤلّفنَ كلًّ على قدر استطاعتها. وفي العقديْن الأخيريْن بعدَ الانفتاح وسهولة التّواصل الّذي أعقبَ الثورة التكنولوجيّة، أصدرت المربّية الفاضلة ما كانت ألّفتْه سابقًا، لتهدي لأبنائِنا كنوزًا غالية في مجالات شتّى تَهمُّهم، وترفعُ فهمَهم لِما يدورُ حولَهم، وتفاعُلهم معه بشكل واعٍ، إذ تطرّقت في كتاباتها:

*للعائلة وقوّة الرّوابط الأسريّة "جدّتي، جدّي، أختي دنى، أمّي يا أميرة...".

*تناولت الطبيعة بمواسمها المتعاقبة، الأرضَ والفضاء، والنّبات والشّجر والحيوان والحشرات، وقد حرصت على استعمال المصطلحاتِ الصّحيحة، وعلى دقّةِ المعلوماتِ مِن النّاحية العلميّة، مع المحافظة على مستوى يُلائمُ قدراتِ الصّغار في هذا الجيل "الشّتاء، عيد ميلاد الغيمات، قوس قزح، الحلزون، الفطير الأحمق".

*قدّمتْ معلوماتٍ مُبسّطةَ لظّواهر، حقيقيّةً في حياة الطفل " سوار والقمر، مَن كسر البيضة، مخالب القطة".

*ضرورة الانتباه للطفل والاهتمام به كشخص يحتاج للمحبّة والتّقبُّل غير المشروط،  "البحر الأحمر"، وتقبُّل فهمِهِ للأمور كما يراها هو وليس كما نريده أن يكون، في "ما أحلاه" تعترضُ الصّغيرة على ردود فعل الكبار مِن حولها، حين تُريهم رسْمَها، لكنّها تسمع كلمة حلو أو جميل، دون أن يُلقوا نظرةً على الرّسمة.

*كسر المُسَلَّمات حولَ دوْر البنت والولد، الرّجل والمرأة في المهن والعمل "المهندسة الصّغيرة يارا".

*تبسيطُ تعلُّم القراءة وعلاقة الخطّ المكتوب بالكلمة المنطوقة أو المسموعة "ماذا رسمت حمى".

*إطلاق الخيال والسّماح لرفع سقف توقّعات صغارنا من أنفسهم، فهم لم يُخلقوا ليُنظّفوا الفنادق والشّوارع فقط، ومع احترامنا لكلّ مهنةٍ ولكلّ يدٍ تعملُ وتكدُّ لكسبِ قوتِها بشرف، لكن لهم الحقّ، وهم قادرون على اختراق المألوف لمجالاتٍ أخرى؛ كعالم فضاء، أو قاضي، أو أيّ موضوع يُناسبُ ميولَهُ وقدراتِه "الطيار، الهديّة السّحريّة... ".

*الانتباه للإيجابيّات فيما حولنا، دون التّركيز على النّقاط السّلبيّة فقط، وقصّة "شمس الأطفال" بالمناسبة تُرجمت للإنجليزية.

*أهمّيّة الحفاظ على البيت والوطن، وتفضيل الأساليب السّلميّة على الحرب والعنف "الدُّوري والكركس".

*الحذر والوقاية من أخطار البيت والشّارع "ليلى الحمراء، المكواة...".

*لم تهمل الأديبة تراثنا العربيّ العريق. في كنوزنا وهي سلسلة تضمُّ عشرين كتابًا للصّغار، شملت قصصًا تاريخيّة، وأخرى شعبيّة، ودينيّة، ونوادر جحا، وشخصيّات عربيّة لها أثرٌ دامغٌ وباعٌ طويلٌ في بناء الحضاراتِ العالميّة حتّى يومنا هذا.

*وثّقتْ أهازيجَ وأغاني شعبيّة فولكلوريّة، كان الأجدادُ والآباءُ يردّدونها في طفولتِهم، ومواسمِهم، واحتفالاتِهم، وحزنهم وفرحهم، لم أتمالكْ إحساسي حين تصفّحتُها، حيث خالطَني شيءٌ كثيرٌ مِن الحنين والذّكريات الآتيةِ من الماضي؛ مكانًا وزمانًا: "يا طير الطّاير، أغاني أولادنا انتماءً لبلادنا...".  

*بالإضافةِ إلى إنتاجها الأدبيّ الغزير، شاركت السّيّدة نبيهة في إعدادِ مناهج تربويّة للبساتين مِن قِبل وزارة التّربية، منها: الأيّام الأولى في الرّوضة. نمدُّ يدًا للسّلام. إطلالات. بساط الرّيح وهي مجموعة قصص غير مصوّرة للأطفال.

في كتابها "بين الحاء والباء" قدّمت الأديبةُ دراسةً أكاديميّة رائعة، تناولت  الحُبَّ بمراحلِهِ المتتابعة، وميزاتِ كلِّ مرحلةٍ، مستدِلّةً بما ورَدَ في القرآن الكريم والكتاب المقدّس، وضرورة المحبّة لكلِّ ما لدينا وما حولنا، كحجرٍ أساسيٍّ لتقدُّمِ البشريّةِ، واستقرارِ المجتمعات، وتخفيفِ معاناة البشر والطّبيعةِ بكلّ محتوياتها.

بعضُ مؤلّفاتها نثريّة، وبعضُها قرضتْهُ شعرًا، لكنّها في كلّ كتاباتها ودون استثناء، حافظتْ على لغةٍ سهلة، متينة في مبناها، وأسلوبٍ سلسٍ جذّابٍ، يأخذُنا برقّةٍ وعذوبةٍ إلى أماكنَ وأوقاتٍ جميلة. 

الباحثة نادرة يونس:

من سكّان عرعرة، كاتبة وباحثة في سيكولوجيّة وأدب الطّفولة.، محاضرة في كلّيّة سخنين والكلّيّة الأكاديميّة العربيّة حيفا. ناشطة اجتماعيّة ومؤسّسة دار الطّفل العربيّ فرع المثلث الشّماليّ. كتبت للأطفال، ولها عدّة دراسات، وأبحاث، وبرامج في قضايا تربويّة ولغوية ومجتمعيّة مُلحّة.

 

2020-03-06