الأربعاء 4/10/1441 هـ الموافق 27/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الساعة الخامسة والعشرون...بقلم: عصام إدريس

العتابُ اشارةٌ ضمنية للرغبة في الاستمرار ، والعكس تماما فإن بداية النهاية للعلاقات، هي أن لا يكون لدينا الطاقة لكي نعاتب بعضنا البعض، أو أن ندرك أننا أُستُهلِكنا بالقدر الذي لم يدع لنا مجالا لكي نتعاتب، أو أن نلفت انتباه بعضنا البعض لما يكدر صفو ما بيننا، ويحدث هذا عادةً حين يدرك كل منا قيمته الحقيقية لدى الآخر، ومكانته الفعلية في سلم أولويات الطرف المقابل، وحين يفوت أوان رأب الصدع.

لست ممن تصيبهم الدهشة حين يترك موظفًا العمل في مؤسسته التي عمل بها لسنوات، لأجل كلمة واحدة وجهها له مديره المباشر، ولا من زواجٍ ينتهي لأجل تأخر الزوج في تقديم هدية عيد الأم لوالدة زوجته ، أو لأن الزوحة أزالت كتابا على رف مكتبة زوجها وتركته في يد طفلهما ليمزقه، رغم أن هذا الموقف أو ذاك، يبدو في حقيقة الأمر تافهًا بالمقارنة بربع قرنٍ من الزواج الهادئ بينهما. ولست أنتمي إلى حزب من يؤمنون أن الوقت يضفي طابع الأبدية على العلاقات، فالوقت عاملا يحتاج إلى عوامل مساعدة كالأمان والحرص المتبادل من الطرفين على إرضاء كل منهما الآخر. ولست أيضًا ممن ينتابهم الذعر حين يغيّر أحدنا أسلوب حياته ويزهد في معظم من هم حوله فجأةً، حتى أنه قد يقطع علاقته بصديقه التاريخي لأجل خلافٍ على مباراة كرة قدم ، رغم أنه ليس مولعًا بها ، ولا حتى يعرف أسماء اللاعبين او حتى من منهم قائد الفريق. إن تراكم الغبار يصنع كثبانا من الرمل ، كفيلة بإفساد الجمال الكامن فينا ، ومن قطرات المطر تتكون السيول القادرة على إذابة جسور التواصل بيننا مهما كانت صلبة، وعلى وقع هشاشتنا تتحطم أعتى الصروح التي نبنيها بداخلنا، إنه عامل الأمان الذي ما أن تفتقد إليه علاقاتنا، لا يعد بوسعها أن تستمر. إن أكثر ما جعلني اتوقف عند هذا المعنى ، قول أحدهم لي ذات يوم حينما تأخرت في السؤال عنه ، قوله " لقد اعتدت منك انت ان تسأل عني و وان تزرني ، انت من يسأل في كل مرة ولست أنا من يفعل ذلك. " تساءلت حينها لماذا لا انتظر أنا ايضا اهتمامه بينما أصبح اهتمامي فرضا محتما علي ، و حين عاتبني آخر أني لم أزره للاطمئنان عن أحد أبناءه الذي أصيب بحمى لم تدوم طويلا، حتى تماثل للشفاء، فأجبته بأنني انشغلت ، في حين أنني لم أحاسبه على عدم زيارته لي في منزلي على مدى عقد من الزمان رزقت خلاله بطفلين ، وسافرت خارج القطر مرات عدة وعُدت من سفري، ومرضتُ، ومرضَت زوجتي وأبنائي مرات عدة ، استدعى بعضها اجراء عمليات جراحية، وانتقلت من شقتي للسكن إلى شقة جديدة، فكانت حُجته وقتذاك " أنني لم ادعوه لزيارتي ".

إنها التراكمات يا عزيزي تلك التي تصدأ بها الروابط، وتنعدم بفعلها جدوى العتاب، فالعلاقات كجسمٍ موضوع على أرضٍ مستوية يدفعه طرفان، إن تكاسل أحدهما واعتمد على قوة الآخر ، إنحرف مسار الجسم ، وإن لم يتدارك الطرف المقصر الموقف زاد الانحراف وضاع الطريق. إن من أبلغ ما يمكنك أن تسمعه من أحدهم، أن يسألك ما الذي يغضبك مني كي أتجنبه، فهو إشارة لحرصه على التمسك بك، وسبيلا لك لكي تضمن جدوى ما تبذله لأجله من ود. ويرتبط ذلك كله ارتباطا وثيقًا بالتوقيت المناسب، فأن تأتي متأخرًا خيرا من أن لا تأتي مطلقا، مقولة لا يصح تعميمها لأن بعض المواقف تتبع قانونا معاكسا لهذا: فلربما، أن تأتي متأخرًا تكن تماما كأن لا تأتِ البتة .....

لا أحد يدرك حجم أخطاءه ، ولا يمكنني حين تنتابني الأنا أن أدرك مدى الأثر الذي أتركه بداخل المحيطين بي نتيجة تصرفاتي، جميعنا لديه ما يبرر مساوؤه ولا أعتقد أن إنسانا على وجه الأرض لا يرى بأنه مذهل ، مهما بلغ تقصيره ومهما تعاظمت عيوبه ونقائصه... لكن العبرة بالتكرار والتمسك بمواقفنا لأننا أحيانا دون قصد نقطع حبلا شوكيًا لا ينبغي أن نتتظر ترميمه، ولا ينبغي لنا ان نرجو بعده حراكًا في علاقاتنا ....

لا زلت أؤمن أن التراكمات سم العلاقات، وأن عامل الوقت هو أهم العوامل على الإطلاق في خلق فرص الاستمرار بعد كل كبوة.

و لازلت أؤمن أن اليوم ينتهي بانتهاء الساعة الرابعة والعشرون وان جميع ما يأتي بعدها، لا يجد متسعا لتدوينه. إنها لعنة الساعة الخامسة والعشرين.

2020-03-16