الأربعاء 27/9/1441 هـ الموافق 20/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الأجندة العالمية للعام 2030 : الثّقافة من أجل التّنمية المستدامة (2من2)...صابر بن عالية

4 ـ الثّقافة و التّنمية الحضريّة المستدامة

يعيش أكثر من نصف سكّان العالم في وسط حضري . فالمدن تمارس قوّة جذب خاصّة . علاوة على أنّها أقطاب نشيطة للنّموّ الإقتصادي فهي أيضا أماكن للطموح إلى مستقبل أفضل . في سنة 2050 سيعيش ما يقارب 70 % من سكّان العالم في مناطق حضريّة . بدورها سوف تستقبل هذه المناطق 3 مليارات متساكن جديد . كما أنّ هذا التّوسّع الحضري سيهمّ أساسا الدّول النّامية . لكنّ ضمان تنمية حضريّة مستدامة يطرح تحدّيات هامّة في العالم أجمع ، و لا سيّما في البلدان ذات الدّخل الضّعيف و المتوسّط .

تحدّد الثّقافة و المحافظة على التّراث الحضري هويّة المكان و تعزّز الشّعور بالانتماء . فالمركز التّاريخي للمدينة يخلق خصوصيّتها و يضفي عليها  صورة مميّزة و يجذب المستثمرين و الكفاءات . عموما تتطوّر المدن عبر الزّمن ، واهبة كلّ مكان هويّة و تراث خصوصييّن . بالتّوازي مع ذلك   فهي تطمح إلى النّموّ دون أن تخسر كلّيّا سمتها المميّزة و مرجعيّاتها التّاريخيّة الخصوصيّة . لكنّ عديد المدن تواجه صعوبة توفير بنية تحتيّة متطوّرة لفائدة متساكنيها مع المحافظة على تراثها .

توفّر المواقع الأثريّة للمدن فرص عديدة لتثمين هويّتها المميّزة و تحقيق مداخيل ضروريّة . فالتّراث عنصر حيوي في مسار التّنمية عموما و التّحضّر خصوصا . يجب أن تبنى السّياسات المتعلّقة بالمظهر الحضري التّاريخي على فكرة أنّ البيئة المادّيّة الرّاهنة تشكّل جزءا من تجربة و بيئة الإنسان . لذا يجب أن تعمل هذه السّياسات على تعزيز الصّلة بين المدينة و المتساكن المواطن . إنّ رهان إدماج التّراث و توظيفه في التّنمية الحضريّة المستدامة يتمثّل في توضيح أنّه عامل تماسك إجتماعي و رفاه و إبداع و جذب إقتصادي و أيضا تفاهم بين الشّعوب .

تساهم السّياسات التّنمويّة الملائمة للأبعاد الثّقافيّة بصفة ناجعة في التّنمية الحضريّة المستدامة . فالرّبط بين التّحضّر الدّائم و التّنمية المحلّيّة يتطلّب إدماج إستراتيجيّات المحافظة على التّراث و إدارته في مسار التّخطيط الحضري و التّنمية المحلّيّة . كما يجب أن يحافظ تطوير البنية التّحتيّة و الهندسة المعماريّة المعاصرة على الهويّة الحضريّة . بذلك لن يقع النّظر إلى التّراث الثّقافي كعائق أمام نموّ المدينة بل كامتياز يمكن استغلاله .

إقتصاديّا يؤدّي دمج الثّقافة صلب التّخطيط الحضري و التّنمية إلى خلق فرص إقتصاديّة جديدة . فالمدن الّتي تحشد كلّ مواردها ، و لا سيّما تراثها الثّقافي ، تستجيب أكثر لحاجيّات و طموحات متساكنيها من حيث فرص الشّغل و الحدّ من الفقر .  إنّ  العولمة قد وضعت المدن في صميم الجدل حول التّنمية المستدامـــــــة و العادلة و التّطوّر الاقتصادي و مكافحة الفقر . و بالتّالي فإنّ استغلال الإمكانيّات الّتي ينطوي عليها التّراث المعماري يؤثّر إيجابيا على الموارد و الشّغل و تحسين ظروف العيش . لكنّ المكاسب الإقتصاديّة للتّراث يجب تعود بالنّفع أوّلا على صيانته و تثمينه و على المجتمعات المحلّيّة .

على الصّعيد الاجتماعي تحوّل الثّقافة الفضاءات العامّة إلى أماكن للحوار و تساهم في الحدّ من الفــــــوارق و تعزّز شمول الجميع . فالمشاركة النّشيطة في الفعاليّات الثّقافيّة  تحسّن جودة الحياة و توسّع الفرص ، كما تخوّل للأفراد أن يكونوا ما يريدون لذواتهم . تخلق الثّقافة في المدينة جماهير جديدة و فاعلين جدد و تدعم العلاقات الابداعيّة و المبادلات المبتكرة بينهم .

إنّ السّياسات الحضريّة المراعية للبعد الثّقافي تدفع احترام التّنوّع و نقل و استمراريّة القيم و شمول الجميع ، و ذلك من خلال تعزيز مشاركة الأفراد و الجماعات في الحياة العامّة و تحسين وضعيّة الفئات المهمّشة . فكلّما توسّعت المدن فهي تواجه صعوبات متزايدة متعلّقة بالتّعاطي مع تنوّع سكّانها و استفحال الفوارق الاجتماعيّة . يساعد التّبادل الثّقافي على تجاوز هذه الصّعوبات و يوفّر حلولا دائمة .بالتّالي يجب أن تكون الاستثمارات الرّامية إلى التّجديد الحضري مستندة إلى سياسات و مقاربات ملائمة للبعد الثّقافي ، لا سيّما من خلال تثمين الممتلكات التّراثيّة الفريدة و الممارسات الثّقافيّة و الدّينيّة و مراعاة الدّيناميّة الدّيمغرافيّة . هذه المقاربات ضروريّة حتّى تتلاءم المبادرات التّنمويّة مع البيئة المحلّيّة و تتمكّن من تعزيز شمول الجميــــــع و المشاركة و الانتماء و التّملّك في إطار المجتمعات المحلّيّة الّتي تزداد تنوّعا و من مقاومة الشّعور بالاغتراب و الغزلة ، خصوصا لدى الفئات المحرومة و المهمّشة .

من ناحية أخرى تقدّم الثّقافة مساهمة أساسيّة في الفضاءات العامّة و العكس صحيح . إنّ الفضاءات العامّة هي أماكن الحياة الحضريّة . فيها يلتقي الأشخاص و يتبادلون ثقافيّا . لذا فهي تلعب دورا محوريّا في التّحضّر المستدام . من أبرزها السّاحات و المنتزهات و الحدائق العموميّة . يمكن أن تحتضن الفضاءات العامّة فعاليّات متعدّدة كالأسواق و المهرجانات و العروض . كما أنّ المجسّمات الفنّيّة تساهم في جودة المكان و التّجربة المعيشة فيه . و كذلك الشّأن بالنّسبة للمؤسّسات الثقافيّة المحدثة على أطراف هذه الفضاءات . فالفنّ يجعل هذه الأخيرة أكثر روعة و يعكس إرادة تعزيز الشّعور العامّ بالانتماء لدى المتساكنين . هذا الفنّ العامّ و الأشكال الأخرى للبنية التّحتيّة الثّقافيّة الّذين نجدهم في الفضاءات العامّة يعطون معنى للمكان و يثمّنون تاريخه . ذلك أنّ تاريخ المدينة يستند إلى بيئتها المادّيّة الفريدة و مساهمات الأجيال السّابقة . إنّ جعل هذا الماضي متاحا للجميع بفضل الخيال الابداعي يلعب دورا هامّا في تعزيز الشّعور بالانتماء إلى المدينة و في الآن نفسه في دعم إمكانيّاتها السّياحيّة .

يجب أن تعمل المدن على توفير الخدمات الثّقافيّة للمتساكنين و ضمان النّفاذ إلى الحياة الثّقافيّة و المشاركة فيها . ممّا يؤدّي إلى تنمية مستدامة و شاملة للجميع . فالبنى التّحتيّة الثّقافيّة يمكن أن توظّف كفضاءات مدنيّة للحوار و شمول الجميع ، و هو ما يساهم في الحدّ من العنف و تعزيز التّلاحم الاجتماعي . و بالتّالي فإنّ تجديد المناطق الحضريّة و الفضاءات العامّة عن طريق الثّقافة يجب أن يعزّز بغرض المحافظة على النّسيج الاجتماعي و دعم التّنوّع الثّقافي و التّعبير الابداعي .

5 ـ الثّقافة و البيئة و التّغيّر المناخي :

حقّقت المجهودات التّنمويّة في العالم خطوات ملموسة على مستوى الحدّ من الفقر و تحسين مستويات العيش و زيادة الفرص . لكنّ الثّمار الاقتصاديّة و الاجتماعيّة لم توزّع بصفة عادلة و كانت تكلفتها باهضة على البيئة . و تتنزّل حياة الإنسان في سياق بيئي و ثقافي في الآن ذاته ، فالبيئة و الثقافة مرتبطتان ببعضهما البعض بصورة وثيقة . تساعدنا الثّقافة على فهم الموقع الّذي نشغله في العالم ، لذا فهي تلعب دورا أساسيّا في حماية و استدامة البيئة . و بالتّالي فإنّه لا مناص من استنباط و تطبيق حلول مستوحاة من الواقع المحلّي و ملائمة ثقافيّا و فعّالة في مجابهة المشاكل المتعلّقة بالمحافظة على البيئة و التّغيّر المناخي . ممّا يتطلّب استثمارات استراتيجيّة و عقلانيّة في التّحليل و البحث الثّقافي و السّياسات الثقافيّة . إنّ تعزيز الصّلات الجوهريّة بين التّنوّع الثّقافي و التّنوّع البيولوجي يساهم في الاستدامة البيئيّة . فالثّقافة تقيم علاقة بين التّنمية و حماية البيئة . ذلك أنّ النّفاذ إلى الثّروات و المرافق البيئيّة الأساسيّة يمرّ حتما عبر أفضل حماية للتّنوّع البيولوجي و التّنوّع الثّقافي و الصّلات المتينة الّتي توحّدهما . تشهد المعارف التّقليديّة و التّعبيرات الثّقافيّة على الرّوابط المتينة بين الشّعوب و بيئاتها . الثّقافات متجذّرة في سياق إيكولوجي و ثقافي معيّن . و هذه البيئة الطّبيعيّة حاضرة بمختلف جوانبها في المعتقدات و الحكايات و الطّقوس في كلّ العالم . لذا فإنّ المبادرات التّنمويّة الّتي تراعي هذه السّياقات تدعم التّملّك المحلّي و القدرات المحلّيّة الّتي تعمل على الحدّ من هذه الأنشطة الضّارّة بالبيئة .

كما تلعب المجتمعات المحلّيّة و جماعات السّكّان الأصليّين دورا محوريّا في المحافظة على التّنوّع البيولوجي و استغلاله على نحو دائم . فالمهارات و الأدوات و المعارف التّقليديّة تكتسي أهمّيّة بالغة في استدامة البيئة . حيث تمثّل المجتمعات مصادر حيويّة للمعارف حول العيش في بيئة معيّنة و التّكيّف مع التّحدّيات الّتي تتّسم بها . إنّ أصحاب المعارف المحلّيّة ، و لا سيّما المزارعون و الصّيادون و المداوون التّقليديّون هم حرّاس التّنوّع البيولوجي . تمتدّ معارفهم من الخبرة بالخصائص الطّبّيّة للنّباتات و المنتوجات الحيوانيّة إلى صياغة رؤية للعالم تعكس مكانة الإنسان في البيئة . و تتضمّن لغات السّكّان الأصليّين و التّعبيرات الثّقافيّة ، كالأغاني و الحكايات ، معلومات قيّمة عن الوسط البيئي الّذي ابدعت فيه .

تحظى المقاربات الثّقافيّة لإدارة الموارد البيئيّة باعتراف متزايد في المؤتمرات الدّوليّة . و ذلك بفضل النّشاط الدّؤوب لممثّلي جماعات السّكّان الأصليّين الّذين يرون أنّ أنماط عيشهم مهدّدة بسبب التّغيّر المنـــــــــــاخي و يرفضون أن يذهبوا ضحيّة الوضع الرّاهن .

من ناحية أخرى تضمن الممارسات التّقليديّة في مجال إدارة و استغلال الموارد الطّبيعيّة التّزوّد بالماء النّظيف .عبر العصور و بالاستئناس بالمعتقدات و التّقاليد ، ابتكرت المجتمعات ممارسات دائمة لإدارة الموارد الطّبيعيّة لتضمن التّزوّد العادل بالماء النّظيف . في بعض المناطق من العالم ، لا يعتبر يعتبر الماء بضاعة بل موردا جماعيّا . و بالتّالي فإنّ التّزوّد به يقع على عاتق الجماعة بأسرها . في مناطق أخرى ، مازالت الأنظمة التّقليديّة حيويّة ، لإنّها تخفّف من تبعيّة المجتمعات إزاء المزوّدين الخارجيّين للماء و تبقى متاحة للعائلات الفقيرة . يساهم الاعتراف بتنوّع أنظمة و قيم إدارة الموارد المائيّة و تثمينها و مواصلة نقلها في صياغة حلول دائمة للتّحدّيات الرّاهنة المتعلّقة بإدارة الموارد المائيّة .

على صعيد آخر تعزّز المعارف و المهارات التّقليديّة القدرة على التّصدّي للكوارث الطّبيعيّة و التّغيّر المناخي . فهذا الأخير يعدّ من أهمّ التّحدّيات أمام التّنمية المستدامة في العالم . و هو يعمّق و يضاعف انعكاسات الكوارث الطّبيعيّة و المخاطر المرتبطة بالمناخ . من الضّروري تعزيز قدرة البشر على التّكيّــف و الصّمود في مواجهته . هنا تبرز قيمة المعارف و الممارسات الثّقافيّة و التّقليديّة في بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصّمود . تساهم المعارف التّقليديّة في الكشف المبكّر عن العلامات المؤشّرة على الكوارث الطّبيعيّة مثل الجفاف و الزّلازل . فتثمين المعارف و المهارات التّقليديّة ، بالتّكامل مع  المعارف العلميّة ، يعزّز قدرة المجتمعات المحلّيّة على التّصدّي للتّهديدات البيئيّة . إنّ المجتمعات الّتي تعيش أوضاع بيئيّة صعبة و خطيرة مهدّدة أكثر من غيرها بانعكاسات التّغيّر المناخي و بالكوارث الطّبيعيّة . لذا فإنّ معارف هذه المجتمعات و ممارساتها المتعلّقة بالطّبيعة ، بما في ذلك فهم البيئة و مهاراتها في المحافظة على الموارد الطّبيعيّة و أنظمة إدارتها ، و التّنبّؤ بالطّقس و إدارة التّنوّع البيولوجي ، تمثّل جميعها مصدريّا ثريّا لاستراتيجيّات التّكيّف مع الكوارث الطّبيعيّة . هذه الأدوات الّتي تمّ ابتكارها و تكييفها بصورة منتظمة مع الظّروف و الّتي أثبتت نجاعتها تساعد بصفة فعّالة المجتمعات المحلّيّة على التّأقلم مع التّغيّر المناخي .

علاوة على ذلك تعتبر تقنيات و أدوات البناء التّقليديّة ضروريّة لتعزيز التّنمية المستدامة و التّكيّف مع التّغيّر المناخي . من الأمثلة على ذلك الهندسة المعماريّة للأرض ، إحدى أكثر التّعبيرات أصالة و قوّة عن قدرة الإنسان على خلق بيئة مشيّدة بالموارد المحلّية المتاحة و المتلائمة مع الظّروف المناخيّة المحلّيّة . فالبناء في الأرض يبقى أحد تقنيات البناء الأقلّ تلويثا و الأكثر تكيّفا ، نظرا للموارد الطّبيعية المتاحة و التّكلفــــــــــــة و النّجاعة و مطابقة الموادّ للبيئة الطّبيعيّة ( كالحرارة مثلا ) . لكنّ هذا النّمط من البناءات مهدّد بصفة متزايدة بسبب العوامل البشريّة كالتّصنيع و التّوسّع الحضري و تقنيات البناء الحديثة أو الطّبيعيّة كالفيضانات و الزّلازل .

من ناحية أخرى تعتبر الثّقافة وسيلة حيويّة لتعزيز أنماط استهلاك و ممارسات زراعيّة مستدامة ضامنة للأمن الغذائي . يؤدّي التّنوّع الثّقافي و المعارف التّقليديّة دورا هامّا في ضمان الأمن الغذائي و الزّراعة المستدامة . فالأرض قادرة على الانتاج بشكل يوفّر الغذاء الكافي لكلّ سكّان العالم . لكن رغم أنّ نسبة الجوع في العالم انخفضت بنسبة 20,6  % خلال الخمس و عشرين سنة الأخيرة ، مازال هناك شخص على 9 أشخاص يوميّا يعاني الجوع . يتطلّب الأمن الغذائي إجراءات في نفس الوقت متعدّدة الأبعاد في قطاعات مختلفة و ملائمة للثّقافة و النّماذج الغذائيّة و الزّراعيّة التّقليديّة . فالمجتمعات تملك معارف واسعة قائمة على أنماط عيش و أوضاع بيئيّة خاصّة . تعتمد هذه المجتمعات تقنيات تتميّز بالاستخدام المتنوّع للثّقافـــــــــــات و النباتات و الحيوانات ، و كذلك على الدّراية العميقة بالخصوصيّات المحلّيّة . كما طوّرت أنماط إنتاج متلائمة مع هذه الظّروف . يخضع عدد كبير من العائلات في العالم لأنظمة زراعيّة معزّزة لخصوبة التّربة و ضامنة لنظام غذائي متنوّع . كما تمكّن هذه الأنظمة من التّغذية المتوازنة و البقاء في صحّة جيدة . لذا فإنّ ضمان استمراريّة هذه الأنظمة يعتبر حيويّا لتحقيق الاكتفاء و الأمن الغذائي بالإضافة إلى تغذية جيّدة للمجتمعات .

بالإضافة إلى ذلك يخضع ما نستهلكه و كيفية استهلاكه إلى توجيهات ثقافيّة في نفس الوقت واعية ولاواعية . فأنماط الانتاج و الاستهلاك و التّخلّص من النّفايات مرتبطة بصفة وثيقة بالثّقافات و المجتمعات المتجذّرة فيها . لذا يجب أن توظّف الثّقافة ، باعتبارها تحوي القيم و المعتقدات و الممارسات ، كعامل رئيسي للتّنمية المستدامة و تغيير السّلوكيّات .

كما تتميّز أنظمة معارف الزّراعة الصّغيرة بالقدرة على التّكيّف مع خصوصيّات الأنظمة البيئيّة و النّماذج الاجتماعيّة المحلّيّة . يمكن لهذه الأنظمة أيضا أن تحوّل الزّراعة إلى نظام ذو إنتاجيّة عالية قائم أساسا على الموارد المحلّية . فالمزارعون الصّغار قادرون على الانتاج في الظّروف الطّبيعيّة الأشدّ صعوبة . لذا يجب تثمين المهارات و الممارسات التّقليديّة في الزّراعة المستدامة . هنا يبرز دور التّراث الثّقافي اللامــــــــادّي و المعارف التّقليديّة في تعزيز التّقنيات الزّراعيّة المتلائمة مع التّغذية المحلّيّة و القدرات البيئيّة من أجل ضمان الأمن الغذائي و احترام البيئة .

إنّ تعزيز المنتوجات الغذائيّة المتنوّعة و ذات الجودة العالية و القائمة على المعارف التّقليديّة هو مصدر لمكاسب اقتصاديّة هامّة . حيث يشكّل المطبخ و التّغذية نظاما يشمل الانتاج و الاعداد و التّرويـــــــــــــــــج و الاستهلاك ، في بيئة ثقافيّة و مجال ترابي مميّزين . تعكس المطابخ المحلّيّة لغة و نمط تفاعل غير منفصلين عن سياقات ثقافيّة أخرى . و بالتّالي يجب فهم الخلفيّة الثّقافيّة الّتي تمثّل مصدر أنماط الاستهلاك . ينبغي إعادة تأهيل الممارسات الزّراعيّة من خلال تعزيز المنتوجات المحلّيّة . تساهم الممارسات الثّقافيّة التّقليديّة في توفير منتوجات عالية الجودة قابلة للتّرويج في الأسواق بكمّيّات كبيرة . و هو ما يضمن دعم الأنشطة الّتي تدرّ الدّخل و تشجّع الممارسات منخفضة الانبعاثات في نفس الوقت .

كذلك فإنّ خيارات التّحسيس بالمسائل البيئيّة و تحديد الاستراتيجيّات المبتكرة هي أيضا متنوّعة على غرار الثّقافات . و تعتبر القواعد و القيم الثّقافيّة في صميم أنماط الانتاج و الاستهلاك و التّخلّص من النّفايات . تثمّن بعض التّقاليد الثّقافيّة الوعي التّامّ و الاعتزاز بالهويّة و التّطوّر الذّاتي و لا تخضع لاكراهات الاستهلاك الخارجي . بالتّوازي هناك أنماط أخرى تكرّس ثقافة التّطوّر المادّي و نوع الاستهلاك الّذي يرافقهــــــــــا . و بالتّالي يجب تثمين و تعزيز الثّقافات الحمائيّة للبيئية و الملائمة للأوضاع المحلّيّة . في اليابان مثلا ، الّذي يتميّز بكثافة سكّانيّة عالية و بكثرة النّفايات المترتّبة عن ذلك و الّتي لا تتوفر مساحات كافية للتخلّص منها ، في هذا البلد أصبحت الممارسات المحافظة على البيئة جزءا رئيسيّا من الثّقافة السّائدة .  

6 ـ الثّقافة و شمول الجميع و المصالحة :

تبني الثّقافة جسورا و تساعد على تصوّر مسارات مصالحة أكثر نجاعة و شمولا للجميع و ضامنة لمشاركة واسعة للمجتمعات . فالحقوق الثّقافيّة و التّراث الثّقافي و الهويّة الثّقافيّة تضفي المشروعيّة على الحوكمة الجماعيّة و التّشاركيّة و تمثّل ركيزة لسلم دائمة و مجتمعات أكثر شمولا للجميع .

إنّ الفنّانين و المؤسّسات الثّقافيّة يضطلعون بدور حيوي في تعزيز حرّيّة التّعبير و الحوار الشّامل للجميع . الفنّانون من أكثر الفاعلين نشاطا و التزاما و جرأة في المجتمع . كثيرا ما يتعرّضون للمضايقة بسبب مواقفهم النّقديّة . فهم يستمدّون إلهامهم من القضايا الاجتماعيّة ، فيثيرون الانتباه إلى الاشكاليّات و السّلبيّــــــــــات . و بالتّالي يساهمون إلى جانب المؤسّسات ، بشكل هامّ ، في النّضال من أجل الحقّ في حرّيّة التّعبير و في حوكمة مثاليّة. لذا من الضّروري مساندة الفنّانين في دورهم كمحفّزين للتّغيير الاجتماعي و مساهمين في مقاومة الاقصاء و التّمييز . إنّهم يتصوّرون صيغ جديدة للمستقبل و يعيدون بناء الأمل . أمّا المؤسّسات الثّقافيّة فهي تمثّل منصّات رئيسيّة للفنّانين . على هذا الأساس يجب أن توظّف كفضاءات مدنيّة للحــــــــوار و شمول الجميع اجتماعيّا ، بغرض المساعدة على تعزيز التّماسك الاجتماعي و الحدّ من العنف .

كما تعتبر الحقوق الثّقافيّة ، و لا سيّما الحق في المشاركة الحرّة في الحياة الثّقافيّة ، حقوقا أساسيّة للانســان و ضروريّة لكرامة و حرّيّة الأشخاص . فالمشاركة الواسعة في الحياة الثّقافيّة على أساس المساواة هي عامل رئيسي للتّنمية الاجتماعيّة المستدامة . حيث يخلق احترام و ضمان الحقوق الثّقافيّة لدى الأجيال الجديدة الشّعور بالمواطنة و بالانتماء إلى المجتمع . لممارسة حقّهم في المشاركة في الحياة الثّقافيّة يجب أن يتمتّع الأفراد بالحرّيّة في تحديد حاجيّاتهم الثّقافيّة .

إنّ الممارسات الثّقافيّة الّتي ينخرط فيها عناصر مختلف الجماعات تشجّع على الحوار و تساهم في إزالة الحواجز النّفسيّة .فالثّقافة تدعم الحوار خاصّة في الوضعيّات التّي تتّسم بالتّوتّرات العرقيّة وتهميش الأقلّيّات . و هي تثري المضامين و تبرز تنوّع وجهات النّظر و تكشف الحقيقة من زوايا مختلفة . هي بالتّالي عامل شمول للجميع من خلال دفع الحوار بين الأفراد و الجماعات . الثّقافة توّحد الأفراد و تخلق الشّعور بالانتماء لنفس المجموعة ، لذا فهي تمثّل عاملا هامّا لشمول الجميع و الاعتزاز بالذّات و التّبادل بين الجماعات .

من ناحية أخرى تساعد التّعبيرات الثّقافيّة على تجاوز التّجارب المؤلمة و مصالحة المجتمعات الّتي تشهد نزاعات . إثر هذه الأخيرة ، توفّر الأنشطة الثّقافيّة و التّعبيرات الفنّيّة للمجتمعات وسائل للتّعافي و اكتساب شعور بالانتماء و الهويّة . في عديد أنحاء العالم تسعى المجتمعات إلى التّعافي من جراح ماض عسيــــــــر و تنازعي و تبحث عن العلاج في التّعبيرات الثّقافيّة  كالمسرح و الموسيقى و الأدب . تساعد هذه التّعبيرات الضّحايا على استعادة الثّقة و فتح حوار حول المواضيع الصّعبة و اكتساب القدرة على تخيّل مستقبل أفضل . و يتمثّل الهدف الرئيسي من هذه الأنشطة في تمكين المشاركين من عيش تجربة جماعيّة . فيستطيعون مؤازرة بعضهم البعض و الاحساس أنّهم قادرين على التّعبير أمام العموم عمّا يفكّرون فيه و يشعرون به . هناك آثار علاجيّة نفسيّة شخصيّة لمشاركتهم في هذه الأنشطة . التّعبيرات الثّقافيّة تمكّنهم في نفس الوقت من مواجهة الصّدمات بصفة جماعيّة و التّعافي فرديّا . هي أدوات ناجعة خصوصا في التّعامل مع المجتمعات الّتي تشهد نزاعات أو أيّة وضعيّة أزمة أخرى .

كذلك تمثّل المشاركة النّشيطة في الفعاليّات الثّقافيّة أداة هامّة في مسار التّغيير الاجتماعي و الحوار . فمشاركة المجموعات المتنوّعة اجتماعيّا و ثقافيّا في الأنشطة الثّقافيّة تدعم التّعايش السّلمي و المصالحة . هناك أنشطة يقع تنظيمها خلال أو إثر النّزاعات ، و كذلك بعد تنقّل اللاجئين إلى الخارج . غالبا ما تعاني الشّعوب الّتي تتنقّل فقدان الرّوابط مع مجتمعاتها و موطنها الأصلي . كثيرا ما يتمّ توظيف الأنشطة الثّقافيّة لدعم الحوار و التّعبير عن واقع مؤلم ، و لكن أيضا لتأهيل المجتمعات الخارجة من نزاع أو الّتي تستقبل لاجئين للتّعايش مع الآخر .

على صعيد آخر يعتبر التّراث الثّقافي عنصرا حيويّا في تعزيز هويّة المجتمعات و بناء سلام دائم . فهو يمثّل رمزا جماعيّا و مجتمعيّا . لكنّه كثيرا ما يستهدف ، كما يقع استعمال عديد المواقع الأثريّة في العالم لغايات عسكريّة . ممّا يعرّضها لأضرار فادحة أثناء الحروب . يتسبب هدمها و عمليّات التّهريب الّتي تتعرّض إليها في إضعاف الشّعور بالهويّة الجماعيّة و الوحدة الاجتماعيّة و في إفشال مجهودات المصالحة و السّلام . تحتاج المجتمعات الّتي تشهد نزاعات إلى النّفاذ إلى تراثها لمواجهة الماضي . التّراث الثّقافي ، باعتباره الذّاكرة الجماعيّة لمجموعة بشريّة ، ضروري لبناء مجتمعات شاملة للجميع . و هو ما يتطّلب تثمينــــــــــه و صونه . لكن يجب أن لا نغفل على أنّه يتعلّق دوما بتمثيل للماضي . في وضعيّات النّزاع غالبا ما يقع الاستناد إلى تأويل خاطئ أو انتقائي للماضي من أجل تبرير برامج الاقصاء . حيث يتمّ توظيف التّراث التّنازعي و الإيديولوجيّات لهذه الغاية . بالتّالي لا بدّ من حوار ، أكثر شمولا للجميع و متحرّر من الصّور النّمطيّة و حاضن للأمّة بأكملها و مدمج للجماعات المهمّشة ، حول تعريف التّراث الوطني . هذا الحوار يعتبر ضرورة حيويّة لمسار السّلام .

بالاضافة إلى المحافظة على التّراث يجب ضمان النّفاذ إليه ، و لا سيّما من خلال عرضه بطريقة حديثة . تعتبر المؤسّسات المودع لديها التّراث الثّقافي طرفا رئيسيّا في هذا الشّأن . كما تقتضي إعادة بناء و مصالحة المجتمعات تخليد الذّكرى و إحداث أماكن لها . إنجاح مسار السّلام يستوجب أن تكون المجتمعات المعنيّة قادرة على قبول الماضي . و إدارة هذا الأخير لا تقتصر على العدالة الانتقاليّة ، بل تفترض اهتماما بروايات الأفراد و صيغ تخليد الذّكرى . هذه الصّيغ يمكن أن تساهم بقوّة في مصالحة دائمة ، إذا تمّ انشاؤها بصفة تشاركيّة . يمكن أن يلعب التّراث و التّعبيرات و المؤسّسات الثّقافيّة دورا هامّا في هذا المجال . فإحياء الذّكرى يمكن أن يتخذ أشكالا متعدّدة ، كالآثار و المتاحف و الاحتفال بمناسبات الذّكرى والسّينما والمسرح .

إنّ احترام التّنوّع الثّقافي يعتبر ضروريّا لتعزيز الحوار الإيجابي و شمول الجميع . باعتبارها تخلق جسورا تلعب الثّقافة دورا هامّا في الدّيبلوماسيّة الثّقافيّة و دعم العلاقات الدّوليّة . في عالم معولم تساهم المبادلات الثّقافيّة في تفاهم أفضل بين المجتمعات و الأمم . حيث يساعد تعزيز التّعدّديّة الثّقافيّة بفضل التّبادل الثّقافي بين البلدان على تعزيز التّفاهم الثّنائي و دعم احترام التّنوّع الثّقافي و الحقوق الكونيّة للانسان . التّنوّع الثّقافي مسألة اجتماعيّة مرتبطة بالتّنوّع الهامّ للأعراف الاجتماعيّة الّتي تمارس في إطار المجتمعات و فيما بينها . هناك عديد المفاهيم التّي لا يمكن اختزالها في نمط وحيد . و هي تتمثّل خصوصا في أنظمة القيم و قواعد السّلوك و العلاقات الاجتماعيّة و تعريف الفضاءات العامّة و الخاصّة و أساليب التّواصل و غيرها . حين يقع تغييب التّنوّع في الحوار و لا يتمّ تشجيعه باعتباره قوّة إيجابيّة ، لن يكون هناك تسامح تجاه الآخر . فالرّؤية الضّيّقة للهويّة الثّقافيّة و الّتي تتعلّق بجوانب محدودة تمثّل تهديدا للاستقرار . لذا يجب احترام التّنوّع الثّقافي كشرط أساسي للسّلام و الأمن و التّنمية الاجتماعيّة الشّاملة للجميع . على هذا الأساس يعتبر تعزيز التّفاهم بين الثّقافات ضرورة ملحّة و يجب أن يشكّل جزءا من كلّ مجهود مصالحة . يعترف التّنوّع الثّقافي بالطّبيعة متعدّدة الثّقافات للمجتمعات و يشجّع شمول الجميع . في هذا الإطار يكتسي تثمين التّراث الثّقافي اللامادّي و صونه ، و كذلك المعارف التّقليديّة للمجموعات المهمّشّة ، أهمّيّة بالغة في بناء مجتمعات أكثر شمولا للجميع . المعارف التّقليديّة تمكّن الأجيال الجديدة من احترام و اكتشاف التّنوّع ، و هي تساهم كذلك في جعل مجتمعاتنا متنوّعة العرقيّات فعليّا و قادرة على التّغلب على التّمييز و العنصريّة . الّذين مازالا بشكل أو بآخر ، يمثّلان تهديدا للتّعايش و التّنمية المستدامة و رفاه الشّعوب .

نخلص إلى القول أنّ الثّقافة  تلعب دورا محوريّا في التّنمية المستدامة بمختلف أبعادها ، كما تبرز ذلك حوارات الأمم المتحدة حول الموضوع . فالثّقافة تضمن مراعاة السّياسات التّنمويّة للبيئة المحلّية و بالتّالي نجاعتها . كما يمكن أن تمثّل محرّكا نشيطا لاقتصادات الدّول النّامية و تساهم في مقاومة الفقر . و هي أيضا أداة ناجعة لمواجهة التّحدّيات البيئيّة و المناخيّة بفضل دورها في الحفاظ على التّنوّع البيولوجي و تعزيز الأمن الغذائي و قدرة المجتمعات على الصّمود و التّكيّف مع محيطها الطّبيعي . هي كذلك عامل تنــــــــوّع وحوار ومصالحة بفضل دورها الحيوي في بناء مجتمعات شاملة للجميع و ضامنة للحقوق الكونيّة للانسان .

2020-03-19