الأربعاء 30/7/1441 هـ الموافق 25/03/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
كورونا بوابة النظام العالمي الجديد...وسام محمود المقيد

مقال رائع

لم تخدعنا الأرض، ولم تباغتنا أو تخوننا. لقد حذرتنا مرارًا وتكرارا من أنها قد سئمت أفعالنا وجشعنا واستهتارنا وظلمنا وقسوتنا.

أرسلت إلينا رسائلها منوهة عن حزنها، ثم عبرت عن غضبها عدة مرات بشكل عملي. قالت لنا إن التلويث الذي ترتكبه الدول الصناعية والنفطية الكبرى سيتؤدي إلى خراب بيئي يقضي على الفقير وبعده بوقت قصير الغني أيضًا. على مرأى ومسمع من العالم، ينفجر وباء الكوليرا في هايتي عام 2010، بعد زلزال مدمر لم تتمكن الدولة من مجابهته. هذه دولة ليس لديها نظام صحي، فهي دولة فقيرة، ترغب في اللحاق بركب "الحضارة" اعتمدت النظام الرأسمالي فمات 250 ألف فقير من الزلزال، وعشرة آلاف من الكوليرا، بينما أصيب بوباء الكوليرا ما يقرب من 800 ألف من الفقراء. الحمد لله الحافظ. الضحايا فقراء لا نأبه لهم. فهل يحب الله الأغنياء وحدهم؟ استمر عمل الرأسمالية القاتل يلوّث البيئة، ويتسبب في فناء الحياة البرية، ويُتعس الفقراء: قلة تعيش حياة الرفاهة على حساب أغلبية تعيش خارج التاريخ. قلة أقل تمتلك ثروات وموارد الكوكب، لتشتري القلة السابقة بالديمقراطية والحرية والرفاهية، وتستعبد الأغلبية. نظريات فلسفية تخرج علينا مؤسِسة لفكرة أن الفقراء يستحقون فقرهم: جهلة، غوغائيون، مشعوذون، لا يؤمنون بالحرية، لا يستحقون إلا التسيير بالسوط. نعم "democracy.. but when". هم ليسوا مؤهلين للديمقراطية. أو كما قال طبيب الفلاسفة "حقوق الإنسان لديكم، تختلف عن حقوق الإنسان في هذه المنطقة من العالم". هذا خطاب صريح، مريح، مقنع، يوجهه قادة العالم الثالث لدول العالم الأول، ويقتنع الأخير، فنحن لسنا سوى كناسة البشر: إرهابيون، لا دور لنا سوى خدمة الإنسان المتحضر. .. ولكن الرأسمالية تقتل. ما قام به الإيطاليون من استهتار بوباء الكورونا مفهوم في إطار اعتقاد المجتمعات الأوروبية بأنها تجاوزت زمن الأوبئة: نحن أناس نراعي النظافة، ولدينا نظام صحي ممتاز. الأوبئة لا تأتي إلا للقذرين المتخلفين الأغراب. نحن قطعا سنهزم الوباء. لم تواجه دول العالم الأول وباء سوى فيروس الإيدز في التسعينيات، إلا أنهم وجدوا سبيلًا لطمأنة أنفسهم: هذا فيروس لا يصيب إلا المثليين من الرجال، وعليهم ارتداء الواقي الذكري.

"بالوعي والعلم والنظافة والاحتياطات تغلبنا على الإيدز". وربما عنّ لهم أن ذات الآليات ستقيهم كل الشرور. ولكنهم نسوا أن الرأسمالية تقتل. تحت حكم نظام شمولي استبدادي، نطق طبيب صيني بالحقيقة وحذّر السلطات من تطور فيروس كورونا الجديد، فاعتقلته السلطات لإنه سيتسبب في إشاعة الذعر، مما ينتج عنه خسائر اقتصادية. مات الطبيب بالفيروس، ثم لحق به آلاف الصينيين الأبرياء، يموتون الواحد تلو الآخر، ولا سبيل للسيطرة. كان العالم حتى هذه اللحظة أكثر هدوءًا: "فقط احذروا الصينيين الذين يأكلون الخفافيش.. مقززون هم، لذلك أصابهم الوباء". فلنمارس العنصرية ضد الصينيين وهكذا سننجو.

لكن أي تدابير احترازية حقيقية لم يتم اتخاذها. لأن التدابير تعني خسائر اقتصادية، ولماذا علينا أن نتخذ التدابير؟ نحن أناس متحضرون، نحب النظافة، ولدينا نظام صحي ممتاز. الرأسمالية تقتل. تدّعي الصين أنها بالاستبداد تمكنت من السيطرة على الفيروس. هكذا تأتي الأخبار من الصين، ولا أحد يعلم الحقيقة. نظام استبدادي، رأسمالي متوحش كما هو موصوف في الكتب، بلا رعاية، ولا حقوق، يكذب طوال الوقت، لا يأبه لحياة الناس لأن الناس تعدادهم كبير. قال الصينيون: سيطرنا على الوباء وسنعود إلى الدراسة والنشاط اليومي.

وقالت لي إحدى الصديقات المقيمات هناك أن المجمع السكني الذي تعيش فيه قد انتشر فيه الوباء. لا أحد يعلم الحقيقة. إلا أنه من الواضح أن الفيروس قد انتقل إلى رؤوساء دول وحكومات، ولم يفرق بين جنسية وأخرى، ولم يهاجم القذرين ويستنثي المتحضرين. تحولت أوروبا، التي كانت حلم كل تعيس يعيش مقهورًا فقيرًا مغبونًا في العالم الثالث، إلى بؤرة للوباء. الرأسمالية تقتل.

في فبراير، خرجت إيطاليا عن بكرة أبيها إلى الطرقات احتفالا بكرنفال فينيسيا.

لم تحظر السلطات عليهم الخروج، ولم يكونوا ليقبلوا بالحظر إذا ما فرض. هذا مهرجان سنوي، يدر ربحًا كبيرًا على كل أعضاء المجتمع الإيطالي، خاصة الشركات الكبرى التي تتبنى الكرنفال. النظافة لم تحفظ حياة، والنظام الصحي "الممتاز" ينهار الآن: في التاسع من مارس، وبعد مرور أقل من شهر على الاحتفال بالكرنفال، قالت السلطات الإيطالية أنه لا سعة في مستشفيات النظام الصحي الممتاز لكل هؤلاء المصابين.

سوف نقوم باختيار الأفراد الذين سيتم علاجهم، وكأي حرب، سنضحي بالبعض.

وقف الأطباء والممرضون والممرضات يبكون بمرارة وهم يردون مَن هم فوق الثمانين من المرضى، ويعتذرون عن عدم قدرتهم على علاجهم. الرأسمالية كاذبة.. وتقتل أيضًا.

"عليكم توديع أحباءكم" بكل برود قرر بوريس جونسون، رئيس وزراء بريطانيا، التضحية بالعجائز والمرضى، ولسبب مجهول، ظن أنه يمكن أن يتماثل مع وينستنون تشيرشيل الذي قال للإنجليز إبان الحرب العالمية الثانية "لا أملك لكم سوى الدم والعرق والدموع".

أثار جونسون الهلع في أرجاء الأرض قاطبة. كما أثار الغضب في نفوس الإنجليز: نحن دافعو الضرائب، عليك القيام بواجبك، تبشرنا بتوديع أحبابنا ولا ترغب في تعليق الدراسة أو اتخاذ أية تدابير.

لم يكن جونسون الوحيد الذي تأخر وتكاسل في اتخاذ التدابير والتعامل مع الأمر بجدية، لم يكن القيادة الوحيدة في أوروبا، ولم يكن المواطن الوحيد كذلك.

اعتمادًا على "التحضر، والعلم، والنظافة، والأنظمة الصحية الممتازة" وخوفًا على الخسائر الاقتصادية، وحركة التجارة التي تسمن الأغنياء وتنحت بطون الفقراء، والصناعات الملوثة التي تقتل الملايين من البشر والحيوانات، والسياحة التي تضع اعتماد المواطن في مصدر رزقه على مدى قدرته على الابتسام وخدمة القادمين من أجل تقاضي البقشيش، تأخرت أوروبا في اتخاذ التدابير، فانفجر الوضع. الرأسمالية تقتل.

"نحن في حالة حرب" هكذا قال إيمانويل ماكرون للفرنسيين، بينما وجه وزير داخليته، كريستوف كاستانير، خطابًا غاضبًا للفرنسيين قائلا "ليس هناك أي مجد في مخالفة التعليمات، ليس هناك نجاة فردية".. تنبه متأخرًا.

فاضطرت فرنسا، في ظل احتفالات الشعب الفرنسي، باللا شيء، أمام الشانزيليزيه، إلى تشديد القبضة وتعليق الأنشطة، وتحمل بعض نفقات المواطنين لإجبارهم على المكوث في منازلهم.

الرأسمالية تقتل.. ومع أول صدام تنهار قشرة التحضر. لا أخفيكم، لقد صعقت من التصرفات الغوغائية لشعوب العالم المتحضر: هرعوا إلى المحال التجارية، وقضوا على الأخضر واليابس، وتقاتلوا على ورق التواليت، ثم خرجوا في الشوارع يحتفلون. تصرفات تنم عن هلع وانعدام عقل، هم خائفون ولذلك تصرفوا بأنانية، وهذا تصرف بدائي. ثم هم خائفون ولذلك خرجوا يحتفلون في الشوارع لتجاوز الخوف بحيلة طفولية، وهذا تصرف بدائي. .. ونحن؟.......

2020-03-25