الأحد 1/10/1441 هـ الموافق 24/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
أخطبوط؟...إيمان بكر حمدان

 في الواحد والعشرين من آذار السعيد عاد كريم إلى البيت ويداه الطريتان تحتجبان وراء ظهره ،وابتسامته الشهية تغطي وجهه الذي سحرها ..دوامة بحر لذيذة في وسط الخد الأيمن يبتلعها لولبيا لتذوب في أرقّ ابتسامة..

استقبلته وفرح المفاجأة بما ينتظرها بادٍ في بريق عينيها التي اعتاد كريم أن يقرأها ويتقن لغتها.. وكريم كان كريما بالتعبير عن حبه لها وإعجابه بها،فقد صارحها ذات صباح أنه سيتزوج منها!

لا يا حبيبي لا ينفع!"

لماذا؟

أنت حبيبتي، اه تقصدين أن أبي سبقني وخطفك مني؟

أنا زعلان منه لماذا تزوجك ولَم ينتظرني؟؟؟

لماذا لم تنتظريني واخترته بدلا مني؟

غمرته بالقبل وفرحتها بهذا الحب لا توصف..

لا بد أنّ في مفاجأته البريئة مزيدا من الفرح.. سألته وماذا أحضرت اليوم؟

طلبت منا المعلمة في الروضة أن نرسم أمنا ،أن نتخيل شيئا جميلا يشبه الأم ونرسمه ونلونه بأحلى الألوان...

تشوقت أن تعرف بأي عين رآها حبيبها الصغير ، لعلها تكون نجمة، لأنه يهتم بعالم الفلك والنجوم، وقد اعتاد أن يرسم أقمارا وشموسا وأنوارًا تكسر العتمات...

أو لعله رسمها ياسمينة ، أو جورية أو فراشة ملونة .. لعله رآها شجرة زيتون أو لوز، أو غزالا أو عصفورا..

أنت أحلى لون ،لونتك بالليلكي البراق ..

تشوقت للوحته انحنت حتى وصلت إلى عينيه وشفتيه الرقيقتين رسمت على وجنته فوق الغمازة بياسمينة، أجمل لوحة ..

أحضر يديه الناعمتين من غيابهما وراء ظهره ، وقدم لها لوحة الليلك.. حزنت وربما غضبت مما رأته ..ولأنه يقرأ عينيها فقد شرب مرارة ما شربت .

تركها حزينا منكسرا ودخل إلى غرفته.. تسمرت في مكانها وهي تسأل نفسها لماذا رآني بهذه الصورة؟؟

انزوى في غرفته على الأرض يركب من ألعابه بيوتا ويكلم نفسه عاتبا.. لماذا لم أبهرها؟

لماذا لم أفرحها وأرى ابتسامتها التي أحبّ؟

أليست هي من يمتد ذراع لها ليداعب شعري ،وذراع ليرتب سريري ،وذراع يلف ورق العنب الذي أحبه ، وذراع يغسل الأواني، وذراع يمسح الأرض ،وذراع يكتب شيئا لا أفهمه..

وذراع يحتضن أختيّ وذراع يعد القهوة لأبي ويربت على كتفه إذا ما داهمه الهمّ،وذراع يكوي القمصان وذراع يمتد إلى رفوف المتاجر ينتقي كل ما ينقص بيتنا..؟ أليست هي التي تلتقط حبة ليمون لتتمتع بطعمها وتلتقط في ذراع أخرى حبة شوكلاطة لتتمتع بطعمها بذات متعتها بالحامض؟

وذراع يضم ألأصابع لتمسح بها خفية بقايا دمعة سكبتها وهي تشاهد نشرة الأخبار... وذراع وذراع...

ألم يعجبها اللون الليلكي؟ لم يعجبها البريق.. ربما زعلت لأني لم أحبس اللون بإتقان داخل خطوط الأذرعة ..

فهي مولعة بالإتقان.. أو لعلها وبسبب كرهها للبحر وسكانه وصراعاته، لم تفهم كم أحبها..!

أماّ هي فكانت تجلس على طرف الأريكة دون أن تتكئ ، تضغط بقدم على الأرض والقدم الثانية تتحرك ببتسارع يمنة ويسرة ، ممسكة باللوحة الليلكية بكلتا يديها وهي تتساءل: هل أصبح كل ما أقوم به تهمة؟

فتحولتُ إلى أخطبوط ؟

إيمان بكر حمدان

شفاعمرو

 

2020-03-26