الثلاثاء 26/9/1441 هـ الموافق 19/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قانون الطوارئ..الضوابط والاستثناء.... بقلم: المحامية رنا هديب

بضعة أسابيع فقط من غزو الوباء  العالمي كورونا لكافة  دول العالم دون أي تمييز كانت كافية لان تقلبغالبية  هذه الدول رأساً على عقب لما لحق بها من  خسائر فادحة  في الأرواح والاقتصاد،ولذلك فانبعض هذه الدول كانت قد سارعت انطلاقاً من المسؤوليات الواقعة عليها وبموجب القواعد والقوانين الدولية والداخلية باتخاذ إجراءات للحيلولة دون توسع انتشار هذا الوباء للحد من هذه الخسائرولحماية الأمن الصحي لمواطنيها، ومن بينهااعلان حالة الطوارئ ، مع  شروع العديد منها باتخاذ إجراءات وتدابير احترازية ووقائية تمثلت جلها في إغلاق الأجواء وحظر التجول وتوقيف وتعطيل الفعاليات باعتبار أن مثل هذا الخطر استثناء يهدد وجود الأمة،حيث كانت السلطة الوطنية الفلسطينية في مقدمة من اتخذ هذه الإجراءات والتدابير الاحترازية لمواجهة الازمة ومنع انتشار الوباء من خلال الرئاسيالذي اعلن تفاصيله رئيس الحكومة الفلسطينية الدكتور محمد شتية  الذي أعلنفي مقدمتها  حالة الطوارئ في البلاد باعتبار أن ما نمر به في ضوء هذا الوباء الذي يجتاح العالم وظهور إصابات فعليا في فلسطين امراً يستوجب إجراءات حكومية تعبر فيها عن المسؤولية الوطنية المفروضة عليها بموجب القانون الفلسطيني والقانون الدولي والدولي الإنساني ذلك على اعتبار بان فلسطين دولة عضو في منظمة الصحة العالمية  وكذلك فهي ملزمة قانوناً بمكافحة الأوبئة باعتبار فلسطين موقعة على العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتي جاء فيها بأن على الدول  جميعها الالتزام بالحقوق الصحية للمواطنين ومكافحة الأوبئة، كما ويقتضيه  بشكل أولى الواجب الوطني والأخلاقي ،ولكن هل يمكن لهذه الإجراءات والتدابير ان تضعنا فعلا وكما اعلن بعض المعارضين لإعلانهاامام عدة إشكاليات يفرضه علينا الواقع بإعلان الطوارئ ومنها  المساس بحريات الإنسان واتخاذ هذا الإعلان  ذريعة للتضييق عليه ؟.

أسئلة كثيرة تستوجب منا الإجابة عليها والوقوف امامها للتفكير بها لمعرفة   ايهما مقدم على الاخر لمصلحة الشعب، ولمعرفة ما إذاكانت اعلان حالةالطوارئ في مناطق السلطة الفلسطينية أولوية، فماهي حالة الطوارئ؟ وما هي الضوابط والموانع لها؟،وما علاقة حالة الطوارئ بالقانون الدولي؟، وما مدى تأثير حالة الطوارئ على الحريات والحقوق العامة ؟،وما مدى الالتزام الواقع على السلطة لحماية هذه الحقوق في مثل هذه الظروف؟

من المعلوم بان كافة القوانين والقواعد الدولية تفرض مسؤوليات كبيرة على الدول في اتخاد إجراءات حمائية لمواطنيها، واناي إخلال أو خرق منها يضع الدولة امام مساءلة دولية. وهذامااتجهتاليهدولالعالمالتيتواجههذاالوباءومنهافلسطينالتي أعلنت حالة الطوارئ بموجب القانون الأساسي الفلسطيني  الذي عرف قانون الطوارئ بأنه قانون ينظم حالة الطوارئ في زمان ومكان تعلنه الحكومة لمواجهة ظروف طارئة وغير اعتيادية تهدد البلاد أو جزءاً منها وذلك باتخاذها تدابير مستعجلة وطرق غير اعتيادية تحت شروط محددة والى حين  زوال التهديد،كما حدد القانون الأساسي الفلسطيني الظروف التي تستوجب اعلان حالة الطوارئ ،ومنها وجود تهديد للأمن القومي بسبب حرب أو غزو أو عصيان مسلح ،ولذلك نستطيع القول انه وبموجب هذا النصبانه من حق الحكومة بل والواجب عليها اعلان   حالة الطوارئ  في ظل وجود كارثة طبيعية تهدد الامن القومي  كما هو اليوم مع ازمة كورونا مع تأكيد الحكومة، وهذا ما حرصت على إعلانه ،بالتقيد بما جاء بالنص من حيث التوضيح بما لديها من صلاحيات ممنوحة ،حيث اعلن رئيس الحكومة في السلطة الوطنية انه قد يتم تمديد حالة الطوارئ لمدة أخرى اذا ما اقضي الامر بعد ان جاء في ديباجة الإعلان توضيح الهدف من هذا الإعلان والمنطقة التي يشملها والفترة الزمنية ايضا.

اذا ،ووفقا لقانون الطوارئ ،وبمقتضى ما جاء أيضا في حيثيات إعلانه وملحقاته ،فان الحكومة الفلسطينية  أعلنت جملة من الإجراءات والتدابير والقرارات ومنها منح الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة لمواجهة الأوضاع الطارئة قد تصل الى وضع قيود على الحريات مثل مراقبة الصحف والمجلات ،وممارسة رقابة شديدة عليها ،والقيام أيضا بتعليق النقل والمواصلات ،وقد يصل الأمر الى وضع قيود صارمة على حرية التنقلتصل لفرض حظر التجول التام في كافة الأراضي الفلسطينية وليس في مدن محددة،والتحكم أيضا في أوقات فتح واغلاق المحلات ،حيث ان هذه الإجراءات والقرات وما ينتج عنها من انعكاسات  سبب ما اثاره البعضمن مخاوف بشأن الحريات التي قد تنتهك بموجب هذه الصلاحيات الاستثنائية ، والتي قد تودي الى حدوث تجاوزات ، ولذلك فان القانون الدولي كان قد وضع ضوابط وشروط أساسية تتوافق مع ما أكد عليه العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لإعلان حالة الطوارئ وفي مقدمة هذه الشروط حدوث الخطر الاستثنائي العام الذي يهدد الامه ،مع ضرورة الإعلان وبشكل رسميعن عدم تعارض هذه التدابير مع القوانين الدوليةوالافانحالة الطوارئ قد تصبحفعلا مجرد ذريعة لبعض الدول تستطيع من خلالهاحرمان الافرادمن حرياتهم.

مما لا شك فيه ان حقوق الانسان كانت ولا زالت قيمة إنسانية رفيعة يتمتع بها كل كائن انساني تنبع هذه الحقوق من انسانيته وتنبثق من كرامته الإنسانية ،ولا يجوز باي شكل من الاشكال وتحت أي مبرر حرمانه منها ،ومع ذلك فقد اجازت القوانين الدولية في حالة الطوارئ باعتباره ظرف استثنائي وضروري ان يتم تعطيل بعض هذه الحقوق ،على ان لا يتم هذا عبطاً ،وانما بشروط معينة ،فما مدى تأثير حالة الطوارئ على الحقوق والحريات؟، ومتى يمكن تعطيلها وفق القانون الدولي؟، وما مدى التزام السلطة بحماية الحقوق والحريات في ظل هذه الظروف الطارئة ؟.

 

القوانين الدولية كانت قد كرست ضوابط وموانع من خلال العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لإعلان حالة الطوارئ بشكل يمنع شيوع الممارسات الضارة بالحريات في  أوقات ليس لها أي طابع استثنائي ،حيث وضع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عدة مبادئ يتم من خلالها تقدير حالة الطوارئ تقديرا دقيقا وموضوعيا بحيث تناسب التدابير المتخذة الوضعية القائمة دون أي مبالغة ، مانعة باي حال من الأحوال اتخاذها ذريعة لحرمان الافراد لحقوقهم وحرياتهم وتتمثل هذه المبادئبمبدأ التناسب أولا، بمعنى ان تكون الإجراءات المتخذة ضرورية لمواجهة الظروف الطارئة وتتناسب مع شدة الأزمة والخطر الذي يواجه الدولة وبالتالي لا يبرر أي تعطيل تلقائي وعشوائي لحقوق الافراد بدعوى وجود حالة طوارئ في البلاد ،بالإضافة الى مبدا عدم التمييز من حيث عدم التمييز لأي سبب كان عرق أو جنس أو أصل اجتماعي ،والا فان هذه الدول امام للمساءلة  الدوليةذلك لان  اعلان حالة الطوارئ وما يخضع لهذا الإعلان  من تدابير معلنة من الدولة عند إعلانها لحالة الطوارئ يجب ان تكون غير مخالفة للالتزامات الدولية المترتبة عليها بموجب القانون الدولي وهذا والى الان ما تلتزم به السلطة من خلال ما أعلنت عنه من تدابير واجراءات.

 

وتقتضي الإشارة هنا للأهمية،بان  حالة الاستثناء وما تفتضيه الضرورة من حالات تقييد للحقوق والحريات  للدول  وبموجب القوانين الدولية  وما نص عليه العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تتطلب  مجموعة من الحقوق والحريات لا يجوز للدول  و باي حالة من الأحوال ان تعمل على المساس بها وتقييدها حتى في حالة الطوارئ وفي مقدمتها الحق في الحياة وعدم اهدارها ،بالإضافة الى حظر التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانيةوانحطاط الكرامة كما  تقتضي الإشارة هنا أيضا انه لا يجوز اعفاء المسؤولين عن مثل هذه الأفعال بدعوى ارتكابهم إياها للضرورة التي تفتضيها حالة الطوارئ او تنفيذا لأوامر رؤسائهم ،ولكن تقتضي الإشارة أيضا بانه يجوز تعطيل بعض الحقوق في حالة الطوارئ شرط أن تكون استثناءات ومؤقتاً ،على ان يقتصر جواز التعطيل على بعض الحقوق كاستثناء وبالقدر اللازم ،وهذا ما ينصرف الى تحديد مدة سريان هذا التعطيل ونطاقها الجغرافي والمادي مراعية بذلك مبدا التناسب مع الظروف التي استلزمت مثل هذا الاجراء ،ومن هذه الحقوق "حرية التنقل ،السفر"،حيث نصت م(12) من العهد على "ان للفرد حق اختيار محل اقامته وبتغييره وحرية الانتقال ولا يجوز تقييده باي قيود غير التي نص عليها القانون والتي ينبغي ان تكون لازمة لحماية الامن القومي والنظام والعام والصحة " وهذا ما يتوافق الان مع الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في ظل   أزمة كورونا بحيث يساهم هذا الحق اذا ما لم يتم تعطيله بسرعة انتشار هذا الوباء وبالتالي ما يؤدي الى التأثير على الامن القومي للبلاد ،وعليه  فانه من الجائز ،بل ومن الضرورة تعطيل او تقييد هذه الحقوق في ظل هذه الظروف على  ان يكون استعمال هذا الحق استنادا على مبدا  للمساواة وعدم التمييز في اقراره.

اما عن موضوع  الحق في الرأي والتعبير والذي تقدم على غيرها من الحقوق من حيث الخوف على تعطيلها  فلا بد من التذكير هنا وبعيدا عن الوضع الاستثنائي الذي تعيشه الأراضي الفلسطينية نتيجة الانقسام على ان ما هو مسموح به بالضفةممنوع سريانه في غزة واحيانا يكون العكس هو الصحيح ،ولكن وبموضوعية يجب القول هنا ان الأصل بالتعطيل والتقييد هو النص القانوني و ما تفتضيه الدولة في حماية امنها القومي والنظام العام والصحة وليس مصلحة الحزب او التنظيم فالإشاعات مثلا التي تم الإعلان عن محالفتها للقانون ووجوب ملاحقة القائمين عليها لا اتفاق على تعريفها ما بين السلطة وحركة حماس وخاصة تلك الاشاعات التي تنتشر كثيرا في ظل هذه الظروف والتي تؤثر على الامن العام للبلاد وتنشر الفوضى والذعر بين مواطنيها  وعليه ان تعطيل الحق بالراي ومحاربة الاشاعات لا بد لان تخضع لمجموعة من الضوابط المتفق عليها في ظل اعلان حالة الطوارئ خاصة واننا قد لاحظنا مؤخرا وجود حالات الاعتقال والملاحقة من قبل قوات الشرطة في غزة والضفة لمروجي الاشاعات حول وباء كورونا .

فلسطينيا وفي ظل هذه الظروف  وخاصة اذا ما قمنا بقراءة سريعة لمرسوم الرئيس لإعلان حالة الطوارئ بغرض مواجهة فايروس كورونا المستجد ولاسيما بعد الكشف عن وجود حالات في أراضينا  نجد أن الظروف الحالية تستوجب بالفعل ضرورة اتخاذ هذه الخطوة كإجراءات استثنائية تفرضها الظروف الغير اعتيادية حفاظا على المصلحة الوطنية بغية استتباب الوضع الصحي وبالتالي توفير سبل السلامة مع تأكيد ان هذه الإجراءات والى هذه اللحظة ما زالت تتفق مع المعايير الدولية  الواضحة بشأن اعلان حالة الطوارئ ،حيث لم نرى أي مساس بحقوق الافراد وحرياتهم ولكن اذا ما خرجت السلطة الفلسطينية عن تلك المعايير فإنهاستكون بإجراءاتهااعتباطية لا قانونضابط لها وهذا ما سيؤدي حتما الى  انتهاكات جسيمة في الحقوق الإنسانية وخاصة ما يتعلق منها باختراق الشروط والمعايير التي تضمن حرية الراي والتنقل .

 

في نهاية مقالي هذا ،وتعقيبا على مرسوم الرئيس الفلسطيني ،فانه يجب القول بان ما تم اتخاذه من إجراءات وتدابير احترازية وصلت الى حد الحجر والعزل للمناطق ومنع الانتقال للمواطنين بين المناطق ضرورة اقتضتها ظروف الحالة القاهرة  وفقا لما نصت عليه القواعد الدولية والدستور رغم تعارض هذه الإجراءات مع النصوص التي فرضها القانون الأساسي في الحالة الطبيعية والخاصة  ، ومن هنا ندعو لضرورة  استمرار التوازن بين تقييد الحريات وضرورتها مع ان تكون تطبيقاتها متناسبة مع الظروف من حيث القوة والصرامة مع  ضرورة الاستمرار أيضا بالالتزام بما نص عليه القانون الاساسي في م (111) المتعلق بإعلان حالة الطوارئ والتي نصت على عدم جواز فرض قيود على الحقوق والحريات الا بالقدر الضروري . كما ونؤكد على واجب الحكومة بالإعلان وبشكل مستمر عن أي تدابير جديدة  في سياق حالة الطوارئ  مع الاطلاع المستمر عليها من قبل الهيئات الدولية لحقوق الانسان لتسجيل أي انتهاكات قد تصدر عنها،ولكن الأسئلة التي تبقى مفتوحة  وبحاجة ملحة الى الإجابة عليها،وعلى كافة المؤسسات الحقوقية وجوب المتابعة لها من خلال ما تتخذه حركة حماس من إجراءات  هياذا ما أعلنت حركة حماس حالة الطوارئ التي رفضت التقيد بها تزامنا مع اعلان السلطة ،فما هو القانون الذي ستستند عليه عند اعلان تدابيرها ؟،وما هي الحقوق التي سيتم العمل على الحد منها اوتعطيلها ؟، وهل سيبقى  الراي المسموح التعبير عنه بالضفة ممنوع من ممارسته في غزة اذا ما تعلق هذا الراي بحركة حماس كتنظيم ؟،وهل الاشاعات التي تمنع السلطة مداولتها ستستمر حركة حماس بالتعامل معها في اطار حرية الرأي لا ملاحقة  او محاكمة لمروجيها ؟.

2020-03-29