الثلاثاء 26/9/1441 هـ الموافق 19/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الأمن الفلسطيني وأخلاق الشدائد...عدنان الصباح

 منذ بداية أزمة الوباء او الجائحة كورونا وانا اتنقل بين رام الله وجنين اسبوعيا ملتقيا بالعديد من حواجز الامن الفلسطيني وما لفت انتباهي هو هذا الادب الجميل واللغة الراقية والابتسامات الجميلة التي يتحلى بها رجال الامن الفلسطينيين فهم يبادرونك بالسؤال عن صحتك بشكل ملفت وراقي وينصحونك بالتزام بيتك ويستفسرون منك عن وجهتك وهدفك من الخروج وفيما اذا كان لديك تصريح تنقل ام لا كل ذلك باسلوب ولغة لا اعتقد ان ارقى رجال الامن في العالم المتحضر يتقنونها.

فجأة تحول رجال الامن الفلسطيني الى بوابات امل وتحولت وجوههم وابتساماتهم الى دعوات فرح وصار الوصول اليهم يمنحك شعورا بالعزة والكرامة والامل والاحساس باننا قادرون على ان نسبق الجميع حين نريد وحين نقرر وحين نعرف الهدف فهؤلاء قبل ازمة كورونا كانوا انفسهم متجهمين وعابسين وكنا انفسنا لا نرى بهم جمال الخلق الذي نراه اليوم والسؤال من الذي تغير نحن ام هم من الذي قبل الثاني على علاته نحن ام هم من الذي بادر بالخلق الجميل نحن ام هم لا كتشف الاجابة ببساطة وهم اننا وهم كلانا " نحن " نحن اذن معا غيرتنا الشدة ووحدتنا وجعلت منا كلا واحدا اصابع يد لا يدان اثنتان جسد واحد منسجم لا اجزاء جسد متنافرة.
كنت امس كعادتي عائد الى جنين من رام الله حين اقفني حاجز الامن على باوبة نابلس بعد ان قررت عدم المرور من شارع مستوطنات الاحتلال خشية ان يتعرضوا لي كما فعل ذلك غيري ايضا, المهم ان رجل الامن الذي اوقفني كان شابا بشوشا وبهي الطلعة ويضع كمامته ويكلمني عن بعد.
سالني عن صحتي اولا وقال لي يبدو انك منهك فطلب من شابة او شاب مغطى بالكامل ان يفحص درجة حرارتي ففعل وقال لي الحمد لله يبدو انك زعلان فقلت له
- اخبار رام الله وتزايد الاعداد وهموم الدنيا
ابتسم الشاب قليلا وهو يقول لي ستسامحني لاني لن اسمح لك بالمرور وعليك العودة الى رام الله, ولاول مرة وجدت نفسي غير غاضب ولست ادري كيف كان ذلك قلت
- سانفذ امرك ولكنه صعب فانا بحاجة لان اعود الى جنين فليس معي لا ملابس ولا اغراض تكفيني اسبوع جديد
اصر على موقفه الى ان طلبت منه ان اتوقف قليلا لنتناقش فوافق شريطة ان يكون اتجاه السيارة الى الخلف اي باتجاه رام الله وايضا وافقت انا بهدوء
كان الحاجز الطبي نظاميا لم يحاول احد تجاوز احد ولم يرفع احد صوته على احد وتذكرت وانا اتامل المشهد حواجز الاحتلال وكيف نصبح جميعا همجيين لا تعنينا الانظمة ولا القوانين ولا الانتظام بالطوابير وكل منا يحاول تجاوز الاخر للوصول, لم اغادر سيارتي بينما ذهب رفيق سفري اليه ليناقشه رحت ان اتامل يومي واخر ما اخبرنا به ابراهيم ملحم والاعداد المتزايدة والزملاء في العمل الذين وجدت نفسي رغما عني اطالبهم بعدم العودة الى عملهم في الاسبوع القادم حرصا على حياتهم واسرهم, لم اكن سعيدا بطلبي ذلك لانه يعني انني لن التقي صباح الاحد بدفئهم الانساني ولن يكون هناك حياة حقيقية وسيصبح المبنى الضخم للشركة خاويا من الحياة فالامكنة دون ناسها موحشة وحزينة وهي تنقل ذلك لمن يسكنها فلا معنى للحياة دون الناس وهذا ما رايته في الشوارع كانت خاوية وقليلة هي السيارات التي تراها على طريقك ولا مشاة ولا حيانات حتى سوى الكلاب التي لا تدري انت ما الذي جاء بها فجأة ومن اين ظهرت واين كانت قبل الشدة هذه.
اخيرا سمح لنا رجال الحاجز الطبي ان نواصل طريقنا الى جنين لنقطع المسافة التي لا تحتاج اكثر من ساعة ونصف بشوارع مكتظة الى ثلاث ساعات, اوصلت زميلي الى وجهته وعدت ادراجي الى منزلي وعند الحاجز الاخير قبيل المنزل لالتقي برجل امن جديد والذي رايت بندقيته هذه المرة على انها فعلا بندقية حماية لي وللوطن حد اشعرتني انها ستفتك بالكورونا الخفية, ولم يسالني عن صحتي هذه المرة بل قال لي بلغة اجمل وبحنان عجيب
- يبدو انك منهك ... ارجوك اذهب لتستريح
كانت كلماته اجمل من كل كلمات الحب التي لا نسمعها والحنان الغائب في زمن الشدة مما جعلني اتساءل من اين اتت كل هذه الاخلاق الرائعة ام انها الشدة توحد البشر وهل سنكون قادرين غدا على استعادتها فكم نحن بحاجتها ...كم نحن بحاجتها غدا اكثر مما نحن عليه اليوم.

2020-04-03