الثلاثاء 5/6/1442 هـ الموافق 19/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مها والعصفورة .... روز اليوسف شعبان

استيقظتْ على صوت زقزقةِ العصافيرِ التي وقفتْ على نافذةِ غرفتِها، فتحتْ عينيها، أطلّتْ من النافذة على الشارع الذي بدا لها خاليًا من السيّاراتِ والمشاةِ، هدوءٌ لم تعهدْه من قبلُ، وهي التي كانت توقظها أبواقُ السيّاراتِ وأصواتُ المارّةِ.

بدا هذا الصباحُ عاديًّا لمها، إلّا أنّ  رياحًا عاتيةً بدأتْ تهُبُّ فجأةً تبشّرُ بمطرٍ قادمٍ. خرجتْ من غرفتها، دخلتِ المطبخَ، تمضمضتْ بالماء الدافئ والملحِ، كعادتهِا كلَّ صباحٍ، شربتْ كأسًا من الماء الدافئ، تناولتْ فطورَها، ثمّ توجّهتْ إلى الحاسوب، لتبدأَ بحلّ المهامِّ المحوسبةِ، التي يرسلُها معلمو مدرستِها، وذلك بعد تعطيل الدراسة في جميع مدارس البلاد، حمايةً للطلاب والمعلمينَ وذويهم من وباء الكورونا المنتشر في البلاد في هذه الفترة. 

وجدتْ أخاها قد سبقها إلى الحاسوب، طلبتْ منه أن يسمحَ لها بفحص مهامِّها، لكنّه رفض.

- عليكِ الانتظارَحتّى أنتهي من حلّ مهامّي.

- لكنّي سأخسرُ البثَّ، فهناك دروسٌ تُبثُّ في أوقاتٍ محدّدةِ.

سمعتْ والدتُهما حوارَهما، هرعتْ إليهما قبل أن يحتدمَ النقاشُ ويتطوُرَ ربّما إلى مناكفاتٍ لا تُحمدُ عُقباها.

طلبتِ الأمُّ من مها، أن تتريّثَ قليلًا وتطمئنَّ، فالمهامُّ تُسجّلُ ويُعادُ بثُّها مرّةً أخرى.

رضختْ مها لطلب والدتِها، ولم تشأْ أن يبدأَ يومُها بالغضب.

دخلت غرفتَها، أغلقتِ البابَ خلفَها، حملتْ هاتفَها الخلويّ، وبدأتْ تتبادلُ الرسائلَ بالواتس أب مع زملائها. نكاتٌ عديدةٌ بدأتْ تصلُها من أصدقائِها، مشوبةً بالسخريةِ والتهكّمِ في ظلِّ الظروفِ القاهرةِ التي يحياها الناسُ في بيوتهم، أسرى لفيروس الكورونا، الذي يقفُ لهم بالمرصاد خارجَ المنازل.

سمعتْ والدتُها ضحكاتِها، ابتسمتْ في سرّها وقالت: الحمدلله أنّ مها تضحكُ، فالضحكُ يخفّفُ من التوتّر ويُهدّئ النفسَ.

فترةٌ من الهدوءِ والصمتِ رانَتْ على مها، ممّا أثار َ مخاوفَ الأمِّ وتساءلتْ: ماذا حدثَ لمها؟ لماذا توقّفتْ مرّةً واحدةً عن الضحك؟ قرعتْ بابَ غرفتِها، فوجدتْها منهمكةً في الكتابة في هاتفها الخلويّ.

- ماذا تكتبين يا ابنتي؟

- نتبادلُ الحديثَ أنا وصديقاتي

- لكنّي أراكِ مهمومةً هل حدث شيءٌ ما لإحدى صديقاتِك؟

- ربّما! صديقتي حدّثتني بهلعٍ، أنّ والدتَها مريضةٌ وأنَّ درجةَ حرارتِها مرتفعةٌ، وهي خائفةٌ أن تكونَ أمُّها قد أُصيبت بفيروس الكورونا، وأنا قلقةٌ على صديقتي وعلى والدتِها يا أمّي.

- ليس كلُّ من ارتفعت درجةُ حرارتِهِ مريضًا بهذا الوباء يا ابنتي، يتوجبُ عليها إجراءُ الفحوصاتِ الطبيّة اللازمة، والانتظارُحتى تأتيها نتيجةُ الفحص، نسأل اللهَ يا ابنتي أن يكون مرضًا عاديّا عابرًا. سأتواصلُ أنا أيضًا معها وأطمئنُ على صحتِها، لا تقلقي.

- شكرًا لكِ يا أمّي، أتمنّى لصديقتي ووالدتها كلَّ الخيروالصّحةِ!

وقفتْ مها أمام نافذتها ومدّت بصرَها إلى آخر الشارع، تراءتْ لها ذكرياتُها مع صديقتِها في المدرسةِ، شوقٌ عارمٌ يغمرُها  لرؤيةِ صديقاتها، معلّميها ومدرستها، ما أجملَ أيّامَ المدرسةِ! وما أمتعَ اللحظاتِ التي أقضيها مع صديقاتي! قطع حبلُ شرودها، حركةٌ خفيفةٌ على الشجرة التي تنتصبُ جانبَ غرفتها، نظرتْ صوبَها، وإذْ بعصفورةٍ تحاولُ تمكينَ عشِّها وتثبيتَهُ بين الأغصانِ خشيةَ سقوطهِ بسببِ الرياحِ التي اشتدّ هبوبُها. شدّها هذا المشهدُ، كيف تقوى عصفورةٌ صغيرةٌ على مقاومةِ الريحِ وتبذلُ جُلّ قواها في حمايةِ فراخِها، أفلا نستطيعُ نحن البشرَ مقاومةَ فيروس الكورونا وحمايةَ أنفسِنا؟

ابتسمتْفي سرّها وقالتْ: إذا كانتِ العصفورةُ قادرةً على هزم الريحِ، فإنّنا لا شكَّ قادرون على دحرِ هذا الوباء.

أحستْ بالراحةِ والطمأنينة، ثم توجّهتْ إلى الحاسوب لإتمام مهامِها، فالعلمُ يبتسمُ لها وينتظرُها كي تتجنّدَ بسلاحه وتهزمَ جميعَ الأوبئةِ.

روز اليوسف شعبان

31/3/2020

2020-04-05