الأربعاء 27/9/1441 هـ الموافق 20/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
رسائل الكبار تحت رماد العشق...شوقية عروق منصور

حين تُنشر على الملأ رسائل زعيم أو قائد أو رئيس أو مفكر أو أديب أو شاعر ..الخ  ، لا تهبط قيمته وتُلطخ سيرته بوحل الثرثرة والاتهامات ، بل تكون رسائله انفجاراً في سنواته التي قضاها في منصبه ، حيث يخلف الانفجار حضوره من جديد ، وغالباً يكون هذا الحضور مليئاً بالإنسانية التي تتنفس في جزر الأسرار .

بكل شجاعة تقف عائلة الرئيس الفرنسي الأسبق " فرانسوا ميتران " وتضع رسائله  الغرامية 1208  رسالة ، أرسلها لحبيبته " آل بينجوا " ، في متحف وأيضاً تنشر الرسائل في كتاب ، و تعترف زوجته أن الرئيس ميتران أحب " آل " التي عرفها منذ عام 1962 وكان عمره 49 وكانت وهي في 19 ، وكتب لها الرسائل بين عامي 1962- 1995 ، وبقيت " آل " تعيش  في الظل 50 عاماً ، دون ان يعرف أحد عن هذا الحب.   نُشرت الرسائل بمناسبة مرور مئة عام على ميلاد الرئيس ميتران ، والتي أكد الكثير من النقاد أنها رسائل تحمل الأدب والشعر والسياسة ، وأيضاً تاريخ لتلك المرحلة .   أمام رسائل الرئيس الفرنسي  ميتران ، حاولت التفتيش عن رسائل لزعيم أو رئيس أو قائد أو ملك عربي فلم أجد ، قد نجد بعض الرسائل السياسية ، ولكن نحن نفتقد صوت الأعماق للزعيم والقائد والملك ، نفتقد  صوت المشاعر والاحاسيس ، صوت الرغبات ، صوت الرفض والقبول ، صوت العشق الأنثوي ، نفتقد حبر الأشواق ودفاتر جنون الشباب وسهر الغرف المبطنة بالأغاني والانتظار ، نعيش فقط في أجواء رائحة الصدأ حين يجلس على كرسي الحكم وينسى انسانيته .

وكان سؤالي الذي لم يجد جواباً ، هل الرؤساء والملوك وصناع القرار العرب يعيشون داخل علب مطهرة، نقية ، يُكتب على قبورهم " ماتوا أنقياء لم تمسسهم امرأة ولم يشاكسوا امرأة ولم تدق قلوبهم وتشتعل نيران الحب في حياتهم " .

دائماً تكون نساءهم في الخفاء وخلف نقيق ضفادع الاعلام أحياناً ، وإذا ماتوا أو قتلوا ، تسقط سهواً بعض الأسماء ، وحين يُشيع الجثمان  تغادر معه الأسرار ، ولا يبقى منه إلا القرارات العسكرية التي تتابع احباطه وهزيمته وهروبه ونزواته التنازلية .  

بين الخداع والخداع ، يتربع الرئيس والملك والحاكم ، يبتسم منتصراً لأن أنفاسه لم تلفح امرأة ولأنه لم يخط الرسائل ، حتى لا يقف التاريخ قريباً من قلبه ، لأن قلبه غرفة مغلقة لا تعرف إلا خطواته المتعجرفة .

لم أنتبه يوماً لحياة  " ميتران "  لكن رسائله توجت تاريخه بصدق ، مهما كان كاذباً في الأمور السياسية ، فقد دلت الرسائل على الجانب الإنساني الذي هرب من ثقافة الأقنعة والاختباء .

وإذا كان تاريخنا مليء بالرسائل الأدبية التي كشفت الغطاء عن الكثير من القضايا والظروف الاجتماعية والسياسية ، تبقى الرسائل العظماء حين يكتبون الى امرأة كأنهم يلفون حول جسد الحروف أحزمة من التردد ، ويكون البوح خجلاً لكن سرعان ما يندفع ضارباً عرض الحائط بكل جدران الخجل .

حين كتب نابليون الأمبرطور الفرنسي لحبيبته " جوزفين " كان في كلماته تنهد العاشق الحائر أمام قسوة المرأة ، لم يكن أمامها القوي الذي يحدق بالشمس دون خوف ، كان أمامها تلميذاً  ينسج خيوطاً للتقرب والانحناء كي ترضى عنه .  

وحين أحب جبران خليل جبران  الكاتبة " مي زيادة " كانت رسائله حناجراً لمغارات العشق والأرواح ، وحبراً يسجل محاضر الضعف الذكوري .

ورسائل الأديب والناقد المصري أنور المعداوي للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان وضعت تحت خانة الاعجاب المحاط بعشق خفي.

أما رسائل الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني للكاتبة السورية "غادة السمان " فكانت كلماتها تمطر صدقاً وعفوية ، رأينا الكلمات  تمشي على حبال المشاعر والاحاسيس برقة راقص وعنفوان شاعر وكبرياء قديس ، رغم الهجوم على الكاتبة " غادة السمان " لأنها مست شرف الكاتب غسان كنفاني ونشرت الغسيل الفضائحي حسب راي عائلته ، مع أن الرسائل كانت قمة الصدق ، وظهرت إنسانية غسان كنفاني الذي طرق خزان حبه بقوة حتى حطمه بيديه الناعمتين ، وليس برصاصة وبندقية، وقد تجرأت مرة ثانية غادة السمان ونشرت رسائل الشاعر أنسي الحاج لها  .

 

حين  تخرج الرسائل من جيوب الزمن ، وتنشر الاسرار والحكايات ونبض السنوات  ، تصبح  الكلمات ملكاً للفضاء والناس ، وتصبح المواقف دخاناً لمواقد الثرثرة ، وتبغاً لغليون التحليلات الكثيرة ، لكنها تبقى الرسائل  تاريخاً يسجل من خلال النبضات المواقف الإنسانية والسياسية والاجتماعية .

قبل مدة تم افتتاح متحف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في رام الله ، صمم المتحف المهندس الراحل جعفر طوقان أبن الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان ، وقد صرح ناصر القدوة رئيس مؤسسة عرفات أن المتحف يضم أغراض عرفات الشخصية بدلته العسكرية ، سلاحه الشخصي ، كوفيته ، الهدايا التي كان يتبادلها مع مختلف المسؤولين في العالم ، إضافة الى صور ورسومات وجداريات لفنانين فلسطينيين. لكن بالطبع لن تكون رسالة من امرأة ، او رسالة الى امرأة ، نخاف أن نشوه صورة القائد لو أحب وعشق ، مع العلم أن قصة حبه لزوجته " سهى " كانت معروفة .

 كم نحن بحاجة الى رسائل تكشف عن انسانيتنا قبل أن تكشف عن وجوهنا المقطبة ، الدموية  ، لأننا نعيش في زمن أصفر ، زمن الجفاف . 

صورة المقال للرئيس الفرنسي الاسبق فرانسوا ميتران وحبيبته بالرداء الاحمر  وآن بينجو

2020-04-08