السبت 1/2/1442 هـ الموافق 19/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حكاية راس بصل فلسطيني...شوقية عروق منصور

لم اكن اعرف القيمة الغذائية  للبصل ، كنت اكرهه وانا صغيرة واحاول ابعاده عن صحن الطعام حتى لا اشم رائحته النفاذة ، كنت ارى امي وهي تنشر رؤوس البصل على السطح حيث تقوم بفرد شرشف ثم تضع رؤوس البصل بعناية وحرص ثم تقف و تتأمل الرؤوس المدورة البنية المائلة الى اللون الذهبي باطمئنان ، وما ان تنتبه انني وراءها حتى تستدير وتقول بصورة كأنها تعرف ماذا يدور في بالي – لو شفتك رميتي راس بصل راح اقطع راسك - اتحسس عندها راسي واقسم انني لن اقترب نحوهم ، سأدع البصل ينشف  بأمان حتى يصاب باليباس ، لكن سرعان ما انسى  قسمي  اثناء اللعب في الساحة  واتسلل الى السطح وابدا برمي  البصل على الاولاد فينزل كالحجارة على رؤوسهم، وفي احدى المرات ما ان رميت راس البصل حتى اصاب راس شقيقي واذ بالدم ينزف كالنافورة ويغمى عليه ، فهربت .. لكن الى اين ؟ الحارة محاصرة والعيون مخابرات والأصابع تشير حتى القي القبض علي.. منذ ذلك الحين وعلاقتي مع البصل علاقة نفور وابتعاد وعقاب.

اثناء المظاهرة التي اندلعت في مدينة الناصرة عام 82، بعد ان خرجت الصور المؤلمة والمفجعة التي تظهر وحشية الذين ارتكبوا مجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان وجثث الضحايا الذين تم اغتيالهم بدم بارد ، وقتها لم تكن الفضائيات قد بدأت تغزل بمغزل اللهفة والرصد والملاحقة وبث تفاصيل التفاصيل ، كانت نشرات الاخبار تحشو بعض الصور لجثث  منتفخة بالإهمال والاغتيال وصيدها كالحيوانات  غفلة  في الشوارع والطرقات ، مرفقة بالصراخ والعويل والمناشدة .. لكن لا احد، جثث لشباب وشيوخ ونساء واطفال تدل ملابسهم على الفقر واللجوء والحرمان وكان لا يكفيهم هذا الثالوث حتى اضيفت البلطات والرصاصات والجرافات لتمحو الوجود ويضاف الى النسيان نسيان جديد .

اثناء المظاهرة خرجت قوات الشرطة من الجحور وبدأت تلاحق المتظاهرين ، انتشرنا بين الازقة والطرقات  والشرطة تركض و تطلق قنابل الغاز ، وجدت نفسي داخل ضباب من الغاز الخانق ، ولا اعرف كيف جرتني امرأة برزت من احد البيوت المتلاصقة في حارة السوق  ووضعت فوق انفي راساً  من البصل واخذت تفركه وتدعكه وتردد امامي:

 قالوا انه البصل احس اشي لمقاومة  قنابل الغاز، وبين الفرك والدعك شعرت ان انفي قد تحول الى مزرعة من البصل وان وجهي قد التهب واصبح نموذجاً حياً  لانتقام البصل .

اعترف ان راس البصل انقذني من رائحة الغاز والسقوط بين ايدي الشرطة  ، واخذت اسمع عشرات القصص عن رؤوس البصل التي قذفت من ابواب ونوافذ الحارات في الناصرة خاصة حارة السوق  نحو المتظاهرين حتى يتخلصوا من روائح الغاز.

المرة الثانية في مدينة  قلقيلية فجأة اندلعت مواجهة بين مجموعة من الشباب مع قوات من الجيش ، بدأت قنابل الغاز ترمى ، فحاولت الابتعاد .. لم استطع، الطريق مغلق،  التصقت بالجدار حتى دخلت اسمنته  ، الضباب المحمل بالغاز ينتشر بالفضاء، فشعرت بالاختناق ، واذ بعجوز يرمي علي راس بصل ويصرخ"  شميه بسرعة " اخذت استنشق رائحته ، شهيق وزفير  ،  حتى انزاح الضباب الغازي  عن الحارة .

في ادبيات الانتفاضة حضرت رؤوس البصل وهي بكاملها تضامناً مع المنتفضين الذين  تسلحوا بها ، وكانت خلاصاً وقتياً امام جبروت الغاز  واعتبرتها الامهات دليلا ً على الصمود والثبات والتحدي الى جانب الحجارة .

مع اختفاء (انتفاضة  الحجارة ) اختفت قيمة البصل الذي عاد الى قواعده في المطبخ ممزوجا مع الطعام  في الطناجر الذي حبسته في فواتير المعدة،  ولم يعد يخرج مرتدياً ثياب المقاومة.

وبعد ان بقي راس  البصل حبيس المطبخ الفلسطيني حولته السلطة الفلسطينية بقيادة ابو مازن الى قزم يرشو موسوعة ( غينس ) للدخول في مسابقة  اكبر رغيف مسخن.

أرادت اسرائيل يوماً  ان تؤدب المطبخ الغزاوي عن طريق حرمان قطاع غزة من دخول البصل والكزبرة وغيرها من التوابل والخضروات ، مع ان خدود الناس  هناك  تعودت على اللطم ، الا محاولة عدم ادخال البصل والكزبرة يجب ان يدفع اصحاب ( غينس ) الى فتح صفحات عن ضحالة تفكير الاحتلال .

2020-04-11