الثلاثاء 26/9/1441 هـ الموافق 19/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
انسحبت/ تفاحة سابا

    كانَ يجلسُ معي عاريًا بنصفِهِ الأَعلى، شديد البياضِ كأَجسامِ الأَطفالِ الّتي لم تطلْها أَشعّةُ شمسِنا يومًا، كانَ صدرُه خاليًا إِلَّا منَ القليلِ منَ الشّعر في وسطِه، ورغمَ هزال جسدِه، إِلَّا أَنّ بروزَ صدرِه إِلى الأَمامِ كانَ ينمُّ عنِ اعتدادِه بنفسِهِ، وعن شيءٍ آخرَ لم أَتلمَّسْه حتَّى النّهاية...

    كانَ يشربُ البيرة، ونحنُ نخططُ لبرامجَ عملٍ في غايةِ الجدِّيَّةِ.

كانَ يشربُ دونَ توقُّفٍ، مهما طالَتْ جلساتُنا، وغالبًا ما كانَتْ تطولُ حتَّى ساعات المساء المتأَخِّرة أَو الصباح الباكرة.

   كنْتُ أَعلمُ أَنَّ سلوكَه غيرُ لائقٍ، ليسَ لأَنَّه لا يتماشى مع أُسسِ الدِّينِ ومفاهيمِ الحلالِ والحرامِ، أَو قيمِ المجتمعِ ومفاهيمِ العيبِ، إِذ إِنَّها لم تكنْ تعنيني لا مِن قريبٍ ولا مِن بعيد، بلْ لأَنَّ سلوكَه هذا لم يكنْ يتناسبُ مع أَهدافِ لقاءاتِنا الاجتماعيَّةِ السياسيَّة، ولا مع إطارِنا المهنيِّ.

    كانَ سلوكُه خارجًا عن السياقِ هجينًا، تفوحُ منه رائحةُ غرابةٍ لم أَستطع تبيُّنَ ملامحِها، ولا التّعرّفَ على معالمِها. كنت أشعرُ من جهةٍ بالضيقِ وعدمِ الارتياحِ، بالتوترِ، بالإحراجٍ وبإرباكٍ شديدٍ يجعلُني طوال الوقتِ أَتحاشى النظرَ مباشرةً إِليه، لكنِّي من جهةٍ أخرى لم أَرَ أَنَّ مِن حقِّي التدخل في سلوكِه وهو في بيتِه، ولم أعتقدْ أَنِّي أَملكَ السلطةَ، لأفرضَ عليه مواقفي وهو في حيِّزِه الشخصيِّ.

وبالرغمَ من نجاعتي في إنجازِ المهامِ، كانَتْ عضلاتي كلُّها تبقى مشدودةً طوال جلساتِنا، يداي مقبوضتين في حالةٍ تجعلُ ظهري مقوَّسًا وصدري منكمِشًا، ورجلاي في حركةٍ دائمةٍ، كنْتُ أَخافُ أَن تلتقي عيوننا فيرى توتّري، أَو أَن تقعَ عينيَّ على وجهِهِ أو صدرِه فيرى إِحراجي.

لم أُعرِّفْ سلوكَه يومها تحرُّشًا جنسيًّا، كنْتُ أَتظاهرُ بعدمِ المبالاةِ، وأُعلِّل ذلك لنفسي بأَنِّي امرأةٌ متحرِّرةٌ، لا يهزني عريَ الرجالِ، ولا وجودَهم شبه مخمورين معي، وفعلًا لم يهزني، أَو هكذا على الأقلِّ اعتقدْتُ، وقد صدقْتُ كذبتي أَو وهمي، حتَّى حدثَ ذات مرَّةٍ أَن بدأَتْ امرأتُهُ تتأَفَّفُ، تروحُ وتجيءُ بضيقِ شديدٍ، تطفئُ الأَضواءَ في أَرجاءِ البيتِ معلنةً أَنَّ ساعةَ النومِ قد حلَّتْ، وأَن ساعةَ مغادرتي قد وجبَتْ، تتثاءبُ أو تصطنعُ التثاؤبَ، تنظِّفُ الأَواني وتُلقيها بحركاتٍ متوترةٍ، مُصدِرةً من ارتطامِها ببعضِها طقطقةً مستفِزَّةً وأَصواتًا متنافرةً، تفعلُ أَيَّ شيءٍ لتبقى قريبةً منَّا، حولنا، وتزعجُنا.

ازدادَ ضيقي وصارَ يتضاعفُ مع كلِّ لحظةٍ تمرُّ، ومع كلِّ حركةٍ تصدرُ عنها، فاعتذرْتُ وطلبْتُ التوقُّفَ عن العملِ وتأجيلَه ليومٍ آخر.

تركْتُهما وكلِّي انقباضٌ من أمرٍ مرتقَبٍ لا أَفهمُ كنهَه، لكنِّي أَستشعرُه بروحي. تركْتُهما وأَنا أَشعرُ أَنِّي تركْتُ خلفي توترًا، لا يُمكنُ توقُّعَ نتائجِه وأَبعادِه.

لم تمضِ بضعُ دقائقَ حتَّى سمعْت دقًّا خفيفًا على البابِ. كانَتْ الساعة بعدَ الثانية عشرة ليلًا،

وقفْتُ خلفَ البابِ وكلِّي قلقٌ وتخوُّفٍ:

     - "مَن يا ترى يطرقُ بابي في هذا الوقتِ المتأخِّرِ منَ الليلِ؟"

 إِحساسٌ من داخلي كالحدسِ، أَشارَ لي أَنَّ هناك أَمرًا جللًا عليّ معالجته، دفعَني أَن أَفتحَ البابَ، وإِذ بزوجتِه تقفُ أَمامي، ترتجفُ بشدَّةٍ، ترجوني بصوتٍ أَصابَه الذلُ والمهانةُ أَن أَعودَ لأُتابعَ العملَ، تكادُ تقبِّلُ يديَّ، تعتذرُ وجسدُها كلُّه منكمشٌ على ذاتِه، رأسُها وعيناها في اتجاهِ الأَرضِ، كتفاها متهدِّلان، بدَتْ عجوزًا هدَّها الزمنُ، تُقسمُ بهتانًا، وأَنا أَعرفُ، أَنَّها لم تقصدْ مضايقَتي، ترتعدُ وتبكي.

أُوضِّحُ لها كذبًا، وهي تعرفُ، أَنِّي غادرْتُ بيتَهما ليسَ ضيقًا منها، بل لالتزاماتي الكثيرةِ ليومِ غدٍ، أَستبعدُ فكرتَها الّتي أُصوِّرُها بأَنَّها غبيَّةٌ لا تمتُّ بصلةٍ لسببِ تركي بيتهما، أَقولُ لها مستنكرةً:

    - "مِن أَينَ أَتتْكِ هذه الأَفكارُ الغريبةُ؟!"

لم يكنْ لجُملي أَيَّ مكانٍ في روحِها المنخذلةِ، والمتمحورةِ حولَ شيءٍ واحدٍ هو اصطحابي إِلى بيتِها مِن جديد، تُكرِّرُ رجاءَها أَن أَعودَ مراتٍ عديدة، ومع كلِّ مرَّةٍ يعلو فيها استجداؤها أكثر، ويختنقُ صوتُها أَكثر، تنكمشُ وتتقلَّصُ أَكثر، فأَراها تصغُرُ، تصغرُ حتَّى الأَرض، والأرضَ تبتلعُها أمامي، وعندما تيأَسُ كلُّ محاولاتِها تقولُ:

- "أَرجوك عودي، لقد هدَّدني وفرضَ عليَّ الاعتذارَ لك وأَمامه، وعدمُ عودتِك يعني خراب بيتي. أَرجوكِ عودي"!

وعُدْتُ! نعم عدت!

ليسَ رغبةً في متابعةِ العملِ، بل حمايةً لها مِن زوجِها.

مشينا صامتتين إِلى بيتِه، نعم إلى بيتهِ! لأَولِّ مرة أستوعبُ أنّ البيتَ هو بيته، ولأول مرة أستوعبُ ما معنى أن يكون البيتَ بيته.

مشينا صامتتين، والليلُ يلفُّنا معًا، ويُخفي ملامحَنا في عتمةِ الكونِ، وهوةٌ عميقة تفصلُنا الواحدةُ عن الأخرى. 

عدْتُ! وقفْتُ بينهما وهي تعتذرُ لي.

توجعْتُ! توجعْتُ كثيرًا!

كنْتُ شبهَ مشلولةٍ، وأَنا أَفهمُ أَنَّني أَقفُ أَمامَ رجلٍ مارس عنفَه على امرأتِه وعليَّ. كنتُ شبهَ مشلولةٍ، وأَنا أفهم أني أقفُ بين يدي متحرّش جنسيّ!

قدَّمْتُ واجبي تجاهِها... مثَّلْتُ دوري تجاهَه...

وانسحبْتُ... بغصّة صرخة تخنقني!

انسحبْتُ... بصمتٍ يملأُ الفضاءَ!

2020-04-22