الثلاثاء 26/9/1441 هـ الموافق 19/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
رواية ' أرجاء بلا عالم ' للكاتبة المصرية سمية الألفي .....بقلم فوزي الديماسي

شاعر / موظف ،  على حافة المرض يعيش، وعلى ضفاف الهذيان يقيم ، حياته في الناس وبين الأطباء ليست هي نفسها في عالم التخييل . فيصارع موته وميقاته بين الناس حينا ، ويركب الحياة وبهجتها في عالم الهذيان أحيانا . وبين هذه المشاعر، وتلك تنطلق حكايته مع "بومونا " في عالم مفارق بعيد عن صخب الدنيا ومتاعبها وإكراهاتها . و" بومونا " شخصية قدّت من عظام الخيال ولحمه. وبعثت من طين الهذيان ونطفته ، مثّلت للشاعر/ الموظف على امتداد رحلته في دنيا الخيال والسرد " براقه " ونافذته المطلّة على عوالم أخرى ، وكما مثّلت جسره اليوميّ نحو قصر فيه حكايات ليست كالحكايات . قصر وصراع وتناحر ودسائس وقتل ووشاية وتكتيك وغدر ، وفتيات في دنيا الصراع بين أعمدته حسان ، وروايات تدار فيها كحكايات ألف ليلة وليلة .

تلك هي ملامح رواية " أرجاء بلا عالم " ومناخاتها ،  تروي قصة رجل متحوّل ، وذاك ما أتته في علاقتها  به " بومونا " ، وتأتيه في كلّ صباح ، وهو بين يديها يعيش بالأمنيات . ففي كلّ يوم يبعث في دنيا الخيال خلقا مغايرا لجنسه ، وتتحقّق أمانيه ، فيكون ريحا ، أو عصفورا ، أو حمامة ، وقبلة سفره ووجهته في صباحه ذاك  ذلك القصر الذي رأى فيه من أصناف الدسائس والدمّ ما رأى ، ويكون سفره نحوه  بحسبان ، وتحليقه بين غرفه وأعمدته معلوم الميقات في الزمان . إنّه تحليق يومي في أوجاع الخلق وأحلامهم ووحشيتهم وتناقضاتهم ، وكشف لسترالقصور وعوراتها ، وتعرية لتضارب المصالح فيها وتعدّد منافعها وما يحيط بها من غابات تنوّعت فيها الأهواء والملل والنحل والأديان والأعراق .

والزمن في الرواية زمنان ، فيزيائي مميت ، حاضر في النصّ بالغياب ، ونفسي شاسع مبهج متجذّر في سياق السرد وحيثياته . وكذلك المكان في المتن مكانان ، واقعي سمته الغياب ، وآخر فوق الخيال صفته الامتداد ، كما نص الرواية في ثنائيته وتضاد تخومه ( نص أصل ، وآخر فرع ) النصّ الأصل من واقع الحال ينطلق ليحلّق بعيدا  في فضاءات مفارقة ( النصّ الفرع )  ، حيث مسرح أحداثها ( النّص الفرع ) في دنيا الحكاية قصر وغابة ، تربط بينهما حكايات وصراعات وتضارب رؤى .

 والرّاوي على أرض السرد وبين منعطفاته من خلف الشاعر / المتحول يرصد حركاته وتحرّكاته في دنيا الإنسان كما في دنيا الجوارح و الأنعام ، يقتفي الآثار بعين لا تعرف ما بين يديها وما خلفها إلا ما كشف فيها النص على.حجبه ومناطقه المظلمة ومناطق التناحر والتدافع . علاقته (الراوي ) بالشاعر كعلافة الظل بصاحبه ، وله في عالم الرؤى رؤيتان داخل فضاءات النص ، واحدة مصاحبة ، وأخرى من خلف ، يركب فيها الرمز صهوة

الكلام متلبسا بالتقية ، إذ ينسج في تطريز الكلمات ورصد الأحداث على مذهب "كليلة ودمنة " في كثير من الأحوال والأقوال ، فيورد أحاديث على ألسنة الحمام والريح ، ويكشف ذئبوية الناس وأطماعهم وحروبهم التي يخوضونها من أجل منفعة يحصدونها ولو كان مصدر ثمارها دماء الفقراء واليتامى والثكالى أو دماء الصحب  ، كما في علاقة الغابة وسكانها بالقصر ومريديه والمتمسكين به قلعة لتصريف حياة الخلق .

إنّها ثنائية ( الحاكم / المحكوم ) و( الظالم / المظلوم ) و( السعيد / الشقيّ ) وبينهما ألوان من القصص وصنوفها ومن الأحاديث وشجونها وأشجانها ، تروي أوجاع الناس وجراحها تصريحا أحيانا وقد جاء ذلك على ألسنة ماهرة وعابدة والحمامة ويوسف وغيرهم ، وأخرى متوسّلة بالتورية والتلميح .

هو نصّ يمتح من عالمه الراهن أسئلته وهمومه ليصوّرها في المتن تصويرا مغلّفا بالترميز والتقيّة لا يمنح أسراره إلا لمن أتقن الغوص في بحار النص لولا بعض سفور أظهرته بعض الحوارات هنا وهناك ومثّلت الطريق الملكي لمعرفة أسرار النصّ وخباياه .

2020-04-26