السبت 2/3/1443 هـ الموافق 09/10/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
عن الارجوحة / هديل قشوع شريقي

هنا كبرت.. هنا ترعرعت.. وهنا اختبأت طفولتي..

كانت لنا أرجوحة ولا زالت تزين ساحة المنزل في بيت والدي في مسقط رأسي (الطيرة)..

كل زوايا ذاكرتي مرتبطة بتلك الأرجوحة.. فأحسن تفاصيلها غيبا .. واحفظ كل سنتيم فيها.. لطالما راقبتها وتأملتها وكبرت في حضنها.. نعم تلك الارجوحة التي اعترف لي والدي انه تفنن في صنعها عندما عرف اني في رحم امي جنينا، وانه عما قريب سيصبح أبا.. تفنن ابي بصنع الأرجوحة وزينها بأفضل زينة لاستقبالي حين كان يعمل حدادا آنذاك..

كم ضحكت عندما أقر لي والدي أنه قام بتفكيكها حين بلغت الثالثة من عمري، ليضعها لي في الروضة التي كنت اقصدها يوميا حتى لا أشعر بالملل.. وكأن هذه الأرجوحة رافقتني يوما بيوم...

كان أبي يحرص على ترميمها بين الحين والحين.. ولم أكن أعلم أن تعلقي بالأرجوحة كان يزداد يوما بعد آخر..

كنت اجلس يوميا اقضي الساعات الطوال.. ولا أنكر ان وظائفي البيتية كان مصيرها الحل على الأرجوحة. كبرت وصرت أقرأ واطالع وانا على الأرجوحة.. أغني واكتشف نفسي عليها.. وهناك تعرفت على شخصي..

لطالما كانت الرابط بين الارض والسماء.. كنت أملأ الجو فرحا وسرور حين كنت ارى بنفسي اطير واسرع.. واحيانا ارسم على التراب وانا اتأرجح...

لربما علمتني هذه الأرجوحة أن أستقيم رغم تأرجح الزمن،وتأرجح الظروف، لأبقى ثابتة في موقفي وارادتي واكمل الصورة التي ارسم على اتم وجه..

كنت أعلو وأعلو ولا اخاف.. تعلمت الشجاعة منها رغم ان والدي كان يطلب مني التأني، لكن فرحتي كانت حين اطير عاليا منتهزة انشغال ابي لأعلو أكثر..

كبرت ولا زالت اصوات احتكاك الحديد بالأرجوحة تحرك السكر الراكد في قعر الكأس.. تحرك في قلبي قالبا من الحلوى والياسمين

الآن يحركها الريح كأنها أنين على وحدتها دوني.. تنثر في الروح طفولة ذكية متأملة كانت تسرح في الخيال، وفي حال الدنيا نضجت وكبرت في احضان أرجوحة صنعت لها قلبا، وكانت لها حضنا يرتوي من آمال السماء واستقرار الأرض...

اليوم يقف اطفالي على الأرجوحة.. يعدلها لهم والدي ليمرحوا بسرور.. احدق بهم وكأن الزمان يدور ليدغدغ طفولتي التي عانقت الأرجوحة بكل قوة، حتى انشق من بين حديدها قوة صلبة وشجاعة لا ترد وتحدٍ لا يغلبه أحد..

هي قوة الرحمن الخفية التي لطالما كانت بين قوة السماء وقوة الأرض المتحدتان معا، من على أرجوحة وعجل أسود لتصير قوة خفية لإرادة لا يهزمها إنسان..

شكرا أبي على هذه الهدية.. التي وُلدت قبل أن أولَد.. انتظرتني في مسقط رأسي ولا زالت تنتظرني دائما وفي كل يوم.. وفيها كل يوم من أيام عمري وقد كتب قصيدة في الأمل والإقدام.

2020-04-27