الأربعاء 27/9/1441 هـ الموافق 20/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
في تأمل بعض المشاهد....تحسين يقين

-       وغدا؟

-       لا بد من ضمان!

في مختبر أبيض، هكذا يخيّل لنا، فلم أزر واحدا، مكتفيا بتصويره في الأفلام، هدوء وصمت ثقيل، العلماء وقوفا أو جلوسا، بسحن مهمومة، حوار قليل، وأجهزة دقيقة، لعل أحدهم من يكتب، لعل كاميرا هنا ترصد، ونحن هنا ننتظر، ومعنا العالم.

تنتقل عينا الخيال، إلى الناس هنا وهناك، كل بما يركض او يمشي وراءه، لا يلوي بشيء، فعليه قضاء حاجاته، كل بسحن مهمومة ما عدا الأطفال والعشاق!

سيكون ذلك مجالا للإبداع أيضا، لمختبرات أدبية وفنية، وليس مختبرات طبية، والحياة مجموعة مختبرات واختبارات.

-       قل!

-       ما أقول!

في ذلك الفيلم، نسيت اسمه، وصعب جوجلته، نحت جوجل، ترهب المؤسسة العلمية السياسية، البشر بعدم خلع ثياب الوقاية، إلى أن يكتشف أحدهم، ولعل ذلك المشهد الرمزي يوحي بالكثير قبل كورونا بعقدين، كذلك، احتفلت السينما والمسرح بمثل هذا، ومنها السينما العربية، اكانت كوميديا أو غير ذلك، للإيحاء بأن من نخاف منه هو أصلا خائف مثلنا، ولعل هناك نص مسرحي يتكون عن حراس لسينما أو مسرح، من كثرتهم زرعوا الخوف لا الأمان.

الآن ربما، هنا وفي غير مكان لربما أصبحنا أكثر قدرة على الفهم والتقييم بعيدا عن نزق الحاكم والمحكوم، ونزق أفراد اللجنة المبالغ به على مداخل البلدات حينما يمرّ شخص، ولعل تطورات إدارة المشاهد، توحي بأنه كان بالإمكان أبدع مما كان ويكون.

لا يكفي أن نكون ما نحن عليه، هناك مجالات لحكم إبداعي وإدارة كذلك تبدع في فهم خارطة البشر الجوانية، وخارطة الطرق..وما زال هناك متسع للإبداع؛ يقوم على لغة داخلية بيننا، وعدم الاكتفاء باللغة الخارجية: "قل ولا تقل!"

هنا، وهناك، بلاد كثيرة وبشر كثيرون غيرنا، جول وحكومات، وقرارات، ولجان، ونفس بشرية تفعل وتنفعل، وسيكون دوما رصد ردود الأفعال، من أصغر محيط، إلى أكبره، هو من ينبئ عن "جوانا" الحقيقي. فكل بما يهتم ويحتفل به ويسعى إليه، حيث يأبى الإنسان إلا أن يوظف الأحداث جائحة ام حربا، لخدمته ما أمكن، فهذا يريد، وذلك يسعى، ووحدهم الأطفال بحركاتهم هم الأصدق في التعبير والاحتجاج، ومعهم العشاق، الذين لاذوا ببعضهم، لعل عيون البشر تكون قد انشغلت قللا عنهم.

في البيت، لم يعد الطعام كل الهم ولا نصفه، ولا اللعب والتسلية، وهنا يحضر ماسلو بهرمه، المتعلق بتلبية الحاجات، وصولا للحاجات الفكرية، فالناس يريدون أن يتنفسوا..

في بيت الجيران، والحي، في البلد والعالم، تتفق حاجات من هم في الفضاء الخاص والعام، فلا حياة دون حياة، حتى ولو في حرب..

حدثني مغترب عن رجل كبير السن، يترك البيت المكيّف ويخرج ليتمشى، فقد أتعبه صوت المكيّف، كان ذلك في سبعينيات الصحراء، الآن ليس لها صوت، ولربما أراد الشيخ الصحراوي ان يتنفس!

وهنا، هنا بالذات، سيبحث الناس لا عن مصالحهم الآنية المشروعة، بل عن ضمان للعيش، والاحتماء من كورونا الفيروس وكورونا أخرى، غزت العالم وتغزوه قديما وحديثا، غزت البلاد، والأسواق، والكلمات..

انها فرصة للتأمل، والبحث عن دور ذاتي لإعادة الاعتبار للنفس، وما تملكه من إمكانيات، وإعادة الاعتبار اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، في ظل ما أصبح عليه الإنسان من توتر، وخوف، وحيرة.

فلسطينيا، صحيح ان لنا الحق بالانشغال بكورونا، ولن لنا واجب الاهتمام بمشاكلنا أيضا، وكيف سندير فعلا أيمنا حتى تموز وما بعد تموز.

لنبدع بالحماية من الجائحة، ولتكن عيوننا هناك على المستقبل، وسيظل وجودنا المتضامن الوطني والإنساني هو الأهم، أكان ذلك في مركز توزيع مساعدات، أو في التعامل الإنساني الفعلي والوطني الحقيقي بعيدا عن التكلف والتمثيل.

عندما كنا دوما في كل مراحل الصراع، نؤثر الحديث عن الحب والصحة والتعليم والإسكان والزواج والتعليم العالي، كنا ننظر نحو المستقبل، فضمانة وجودنا تختلف عن ضمانة وجود الاحتلال. لدينا فعلا ما هو مهم وأكثر أهمية، ولدينا كوادر مدربة، ولينا شعبنا العريق، والمبدع، وبه وبنا نعبر بحر الانتظار، لمستقبل مشرق.

 لدينا الأرض والزراعة ..

إن الوعي على تقوية بقائنا يعني الكثير، لأنه بدون الشعب الفلسطيني، ستطول الكذبة والكذب التاريخي والواقعي والمستقبلي؛ وبنا ستتهشم أواني الكذب، وعندها، سيبدأ خلاص الشعوب حولنا، عربا وعجما، ولربما يصير العالم أفضل بعد كورونا.

بالتربية على الثقة بالنفس، والأرض، نواجه تهديد الضمّ، فما تاريخ الاحتلال غير الضم!

وسيلة ذلك هو التربية على التفاؤل لأننا نقف على أرضنا.

وهذا ما يميزنا كشعب تحت الاحتلال يتعرض لجائحة معولمة.

مشاهد التضامن الدولي على مستوى الشعوب له دلالة مهمة، وما حالة إيطاليا كدولة في الاتحاد الأوروبي الا مثالا، كذلك في ظل ذلك هناك ما هو سلبي في التضامن، حينما تسعى الدول لتغيير تحالفاته.

مشاهد الفن، منحتنا طاقات أمل، واستمتاع، ليس بما يرتجله الهواة والمحترفون/ات من داخل الحجر، بل من خلال الكتب والأعمال الفنية، لعل القراءة والمشاهدة تمنح طاقات أمل لإعادة اكتشاف النفس من جديد، لنقدر جميعنا ما بين أيدينا في ظل سعينا للأجمل.

كل في فضائه قادر لا على حماية نفسه من الكورونا فقط بل من الشرور، وهو مدعو من داخله ليخلص الآخرين، حتى يكتمل الخلاص.

سيكون التضامن لا إعادة التحالفات على كل المستويات، سيظل التضامن الإنساني الواعي هو ضمانة البقاء لنا جميعا.

ومن هذا المنطلق، علينا شعب فلسطين، أن نلتقط اللحظة الراهنة، لنوصل للبشر معنى الأمان، والحرية، وستكون الشعوب دوما في خندق واحد ضد الاحتلال والعبث بأمن البشر.

لنا ما سنفعله الآن وغدا إذا أحسنا كأفراد وجماعات وشعب أن نبدعه..

[email protected]

2020-04-28