الثلاثاء 26/9/1441 هـ الموافق 19/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
أُلامسُ السماءَ/ تفاحة سابا

على جبلٍ عالٍ يبدو أنه في أحد بلادِ المطرِ الدائمِ، جبلٌ مكسوٌّ كلُّه بأَطيافِ العشبِ الأَخضرِ المختلفةِ المتماوجةِ على وقع نسماتِ الهواءِ الباردةِ المنعشةِ، دعتني امرأَةٌ لا أَعرفُها، هرِمة، بقامةٍ منتصبةٍ ومشيةٍ مفعمةٍ بإِصرارِ الشبابِ وحيويتهِم أَن أَصعدَ معها الدرجَ إِلى سطحِ بنايةِ حجريَّةٍ عتيقةٍ تبدو مِن القرونِ الوسطى، أو ربَّما تكونُ من قرونٍ كثيرةٍ بعيدةٍ سبقَتْها, فمن أين لي أَنا ذات العالمِ أُحادي الاتجاهِ بطبقاتِ الزمنِ؟

كانتَ حجارةُ البنايةِ كبيرةَ الحجمِ، تتفاوتُ أَلوانُها بينَ البنِّيِّ والأَسودِ والرماديِّ كأَلوانِ ملابسِها الداكِنة وشيبِ شعرِها الذي لم يستطعْ منديلُها الأَسودُ إِخفاءَه، فمرورُ الزمنِ والناسِ كانَا قد تركا بصماتِهما على البنايةِ كما عليها وأَصبحَتْ هي والبنايةُ شبيهين في التهاويِ والشموخِ...

قالَتْ لي وهي تدفعُني منَ الخلفِ وتحثُّني على الصعودِ بصوتِها المفعمِ بالمرحِ وكأنه لم يعرف الانكسار يومًا: "سطحُ البنايةِ يشرفُ على المدينةِ كلِّها والمنظرُ من هناك رهيبٌ، اصعدي! ما يمكنُ أَن تمنحَكِ إِيَّاهُ السماءُ لا يُمكنُ للأَرضِ أَن تمنحَه..."

سبقَتْني بخفَّةِ من يعرفُ وجهتَه، ودونَ أَدنى جهدٍ قفزَتِ الدرجاتِ الواحدةَ تلوَ الأُخرى... نظرَتْ إليَّ مرَّة أو اثنتين وتابعَتْ... صعدْتُ وراءَها كالمسحورةِ وأنا أَحملُ لها اضطرابا في نفسي ما بين إعجابٍ لقوة الدفع فيها وكرهٍ لتخليها عني... استعنْتُ بدرابزين حديديٍّ أَسودَ، تآكلَتْ بعضُ أَجزائِه... نظرْتُ إِلى الأَعلى... كانَتْ الدرجاتُ كثيرةً عاليةً حيث لمْ أَستطعْ أَن أَرى من موقعي في أَسفلِ الدرجِ أَين ستكونُ نهايتُه، فكرْتُ في نفسي: "يبدو أَنَّ الناسَ قديمًا كانوا أَطولَ منَّا وإِلَّا ما الذي حملهم على بناءِ الدرجِ بهذا الحجمِ الضخمِ ولماذا تركوا مسافةً كبيرةً جدًا بينَ الدرجةِ والأُخرى...؟" ثم تابعْتُ وأَنا أَلهثُ أَنفاسي وأكتشفُ عجزي: "كيفَ لهذهِ العجوزِ أَن تصعدَها بهذه السهولةِ والرشاقةِ، وما الذي يحدُّني أَنا؟ تبًّا لها"

تعبْتُ... تصبَّبْتُ عرقًا... قصرَت المسافةُ بين أَنفاسي كلَّما زادَ وعيي بتباعدِ المسافةِ بين الدرجاتِ، وبدأَتُ أُكابدُ عناءً كبيراً لأَستجمعَ كلَّ الهواءِ من حولي وأُكثفَ طاقتي علَّني أَصل.

نظرْتُ إِلى الأَعلى، رأَيْتُ الناسَ على السطحِ جماعاتٍ أَو أَفرادًا ينظرون إلى نفسِ المدى... يشيرون بأَصابعِهم نحوَ جهاتٍ معيَّنةٍ لا أَراها ولكن كان يبدو لي أنها نفس الجهاتِ... "لا بدَّ أَن أَصلَ ما داموا قد وصلُوا جميعًا...! لن يمنعَني شيءٌ...! لا بدَّ من وجودِ ما يستحقُّ الصعودَ...!"، وتابعْتُ.. بمشقَّةٍ كبيرةٍ، قدماي قاربَتا على التهاوي! وعندما قاربْتُ الوصولَ، عندما أَصبحْتُ على بعدِ درجةٍ أَو اثنتين من سطح البنايةِ أدركْتُ فجأةً أَنَّ هناك هوَّة تفصلُ بينَ الدرجِ والسطحِ وأَن عليَّ حتى أصلَ أَن أَبذلَ مجهودًا مضاعفًا بقفزةٍ في الهواءِ عبرَ فراغٍ فقدْتُ القدرةَ على تمييزِ مداه لشدَّةِ شعوري بالدورانِ، فخفْتُ من إِمكانية فشلي وسقوطي في أَيَّةِ لحظةٍ وسيطرَ علي رهاب المرتفعاتِ، شيءٌ لم أَكنْ قد خبرْتُه من قبل، تضاعفَتْ دقَّاتُ قلبي وفغرَتْ هوَّةٌ في داخلي بحجمِ الهوَّةَ بينَ الدرجِ والمبنى وربَّما أَكبر، شللٌ احتلَّ رجليَّ مع دبيبِ الرجفِ فيهما... وقبل أَن أُواجهَ صاعقةَ الرهابِ وقبلَ أَن أَجدَ الوسيلةَ للخروجِ من المأزقِ فوجئْتُ بأَنَّ الدرابزين قد بدأَ يتحرَّكُ وكأَنَّ له حياة خاصَّة به وقوَّة دفعٍ داخليَّةٍ لا علاقة لها بالدرجِ... لم يتوقَّفْ عندَ الهوِّة الممدودةِ بينَ الدرجِ والسطح بل أَخذَ يمتدُّ خارجَ الدرجِ مستقلَّا عنه... ودونَ أَن أُفكِّرَ كثيرًا وجدْتُ نفسي، لكي أَنجوَ، مضطرَّةً أن أمسكَ به بكلتا يديَّ، أُطلق رجليَّ في الهواءِ وأَترك المجالَ لما يمكنُ أَن يحدثَ ليحدثَ... "أَيُ شيءٍ مهما كانَ صعبًا لن يكونَ بحجمِ صعوبةِ رحلةِ صعودِ المستحيلِ إِلى السماءِ عبر درجاتِ التاريخِ!" هكذا قلْتُ في نفسي...

بعدَ أَن هدأَ روعي قليلًا تجرَّأتُ وفتحْتُ عينيَّ، نظرْتُ من حولي... منظرٌ خلَّابٌ...! نهرٌ واسعٌ زاخرٌ بالمياهِ التي تكوِّنُ الشلالاتِ الصغيرةَ والكبيرةَ في كل اتجاهٍ، تصخبُ وتزبدُ، أَشجارٌ خضراءُ عاليةٌ تلتقي بتحابٍّ وتفترقُ بألفةٍ تلتفُّ على أَغصانِها وفروعِها أَوراقُ وأغصانُ أشجارٍ ضعيفةٍ تحتاجُها وتجعلُها مأوى لها، جبالٌ شاهقة دائرية التعاريج كجسدِ أُنثى شهيِّ ووديانٌ عميقة، علاقة امتنان تجمعهما إذ لا يكونُ أَحدُهما إِلَّا بالآخر... قرىً صغيرةٌ بيوتُها خشبيَّةٌ بقرميدٍ أَحمر، منثورةٌ بينَ الأَشجارِ كلونِ الدهشةِ في سأَمِ الحياةِ

يمكنُني حتَّى أَن أَعترفَ وأقولَ أَني استمتعت، وأنا على متنه وهو ينشق على مبناه وبيئته، بإِحساسٍ من الخفَّةِ لم أَعرفْه من قبل... تخفَّفتُ من وزني... حرِّيَّةٌ ما بدأَتْ تتجلَّى بحركةِ رجليَّ، أَطلقْتُ وجهي وشعري للسماءِ وللشمسِ وللنسيمِ العليلِ... شعرْتُ للحظاتٍ طويلةٍ أَنِّي أُلامسُ الوجودَ وأَنَّ أَحاسيسي ومسامَ جسدي كلّها تفتَّحَتْ على الأَلوان والروائحِ والأَشكالِ والأَصواتِ...  وعلى بُعدٍ جديدٍ للحياةِ لم أَعرفْه منْ قبل ولم أكنْ قد بدأتُ أَتلمَّسْه حتَّى النهايةِ بعد!

نظرْتُ إِلى الناسِ على السطحِ أُولئكَ الذينَ يعتقدون أَنَّهم يلامسونَ السماءِ من موقعِهم، من نقطةِ الثباتِ التي ترتفعُ قليلًا عن الأَرضِ وتساءلْتُ: "تُرى من منَّا يلامسُ السماءَ...؟ "

إِلَّا أَنَّ مغامراتِ الدرابزين لم تتوقَّفْ ومسارَه بدأَ يتشعَّبُ وأَخذَ يبتعدُ عن البيتِ بشكلٍ دائريٍّ والمساحةُ أخذَتْ تتَّسعُ وتطولُ وتضيقُ وتعلو وتهبطُ، وفهمْتُ عندَها أَنَّ إِمكانياتي أَوسعُ مما اعتقدْتُ وشعرْتُ أَني في لونابارك حقيقي... وضحكْتُ... وصرخْت ملءَ الجمالِ المتدفِّقِ وملءَ الأُفقِ المنجلي وملءَ كرنفالِ الحياةِ الذي بدأت لتوِّي أَتعرَّفُ عليه...

بدأَتْ يداي تتعرَّقان من حرِّ الاحتكاكِ بالدرابزين وأَصبحَتْ إِمكانيَّةِ السقوطِ واردةً، ولم يعدْ واضحًا إِذا كان الدرابزين ينوي العودةَ إِلى المبنى، أَم سيتابعُ خوضَه في جنونِ رحلتِه ولبرهةٍ قصيرةٍ جدًا راودني تساؤل: "هل يتوجَّبُ عليَّ أَن أَبذلَ مجهودًا أَكبرَ لأمسكَ به ريثما يعودُ؟"، ولكنِّي وجدْتُ نفسي دونَ أَيِّ تردُّدٍ أَسترخي تمامًا وأَتركُه ينطلقُ أَينَما يشاءَ

استسلمْتُ له، استسلمْتُ لما يمكنُ أَن يحدثَ ممَّا لا أَعرفُ... وبايعْتُ السماءَ وبايعْتُ الحياةَ!

2020-05-01