الثلاثاء 5/6/1442 هـ الموافق 19/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قراءة في رواية 'لوزها المر' للكاتب هشام نفاع...بقلم خالدية ابو جبل

رواية تقع في 110 صفحات من الحجم المتوسط .

...... ... . . ........

في حين يفاجئنا الكاتب هشام نفاع فيقول ": من قال أن هناك أسرارا للكتابة يجب تخبئتها خلف كواليس الكلام ؟ هذه طروحات سلطوية لنتفاداها اذن ."

أقف مستغربة متسائلة ، أمام رواية أراد لها الكاتب أن تكون رواية بجسد جديد وثوب جديد وفكر آخر ، رواية لم نعتد على مثلها من قبل ..!

يسأل فيها الكاتب القارئ من أين يبدأ ؟ وبمن سيبدأ ؟ ومن هي الشخصية المركزية ؟ وأسئلة أخرى كثيرة سابقة ولاحقة ، جعلتني أحتار في أمر الكاتب ماذا يريد ؟ والى أين سيصل ؟

على أننا رغم كل التساؤلات ، أمام رواية مُغايرة تماما لنمط الروايات العادية. تحمل تمردا وكسرا لقيود كثيرة ..

يبدأ الكاتب بتصوير وِحْدٓةٓ البطل ( الأنا ، أو هو ) بالزمن المتوقف ، أو الذي يعبرُ من جانب البطل ولا يمرُ عليه ..! فهو خارج الزمن لا يعنيه من الساعة إن ركضت او توقفت ..!! ويُوظفُ كل الخلفيات الموحية بوحدة هذا الانسان وشعوره القاتل بالغربة ،- لتحل محل الشخصيات في الرواية - المكتة ( المنفضدة ) النصف نظيفة ، الغبار الساكن معه في الغرفة ، الجرائد المبعثرة ..

كلها تقول لنا أن إنسانا في هذا المكان قد آلمه الزمان ، أذاقه طعم الفشل ، وهو المنتصر !، أو نصٓرٓهُ وهو الفاشل !!

" حققت انتصاراتي دون أن أشعر بطعمها ، صارت قيمتي خارج نفسي ، ص 23 "

بعد أن ظل يتجرع دواءً مرّ المذاق على مدى خمس سنوات ، في دراسته للاقتصاد ، عن غير رغبة منه بل تلبية لسيطرة والده الذي أجبره على ترك " سخافات " الفن التشكيلي ! ظلّ يجُر خمس سنوات من عمره وهو كالظل ، لا وجه محددا له ..

من هذا الآنِ صار يعيش الحياة بغير ايقاعها ، أهمل الحاضر حتى فقده ص23 .

تشابه الصباح والمساء ، فقدت الساعة وقتها ، حتى الإنسانة الوحيدة التي شاركت البطل في هذه الرواية ، لم تستطع كسر حاجز الوحدة .. فلم تكن شريكة مشاعر أكثر منها شريكة فراش ..!

يٓقتُل فيها الشهوة ولا يشتهيها !

تماما مثل طبخة العدس ، يقتلُ فيها الجوع ، ولا يستطيبها ! فهي طبخة فقر ، وحدة ، ملل ، عدم مبالاة....!

 وحتما سأجد من يدافع عن العدس وبشدة ، ولن أتنازل عن رأيي ! فالعدس للفقير لقتل الجوع ، وللغني لأنه يريد ان يُريح معدته من اللحوم قليلا -

وحتى هذه الشريكة ، تٓدخُل السياسة الى الفراش لتنتزعها منه ، ( وفي هذا إشارة الى القيود المفروضة علينا كبشر في اختيار من نحب أو نصادق أو نتزوج )

يقبع بطلنا في وحدته الجسدية والفكرية والعاطفية ، وحدٓهُ الحب يجعل الانسان يتذوق طعم الحياة ، ولا قيمة للأشواق إذا ماتت الآمال ، تُقتل الاحلام والأيام ، يتآخى الحزن والوحدة ، يٓستجيبُ لهما الفكر بإثارة تساؤلات وطرحها بحرية دون قيود - فهو لا يُعير أهمية لأحد -

تلك الأسئلة التي تجرأنا على طرحها يوم كنّا صغارا لم نبلغ الحلم ..! لكن حين تجاوزناه وعرفنا القيود ، أحجمنا عن مجرد التفكير بها .

تلك القيود التي قيّدنا نحن أنفسنا بها وصار المساسُ بها وليس كسرها أمرًا مستحيلا ..!

فلم يكن حديث الكاتب عن الثياب ، والعورة والجسد ، عن النمل والقطط .. إلّا كسرًا لهذه القيود المبهمة ، وتمردًا على قوانين نحن واضعوها ، وسُلطة نحن من أوصلناها للمجد ، وأذْعنا لها وخِفنا بطشها ..! متجاهلين مدى قوتنا وقدرتنا على التغيير والتمرد ..

الغرفة تضيق ، مؤشرآخر على الوحدة الفكرية ، بل على ثقل وطأتها عليه ( ص 50 ) - فلا أحدٌ يوافقه آراءه ، وإنْ كانت منطقا ، فهي منطق مرفوض ..!

  الغبش في الرؤيا والدخان الكثيف ، قمة المعاناة الفكرية ، تتصارع الأفكار ولا تجد لها متنفسا للخروج أو التنفيذ ..!

من اليوم الاول الى السابع ، يخطو من الوحدة الخانقة والصراع الشرس ، الى الاستقرار المؤقت الحذر ، ومن ثم الى الفراغ المخيف ، فراغ أشبه بالموت ، فحيث لا صحيفة ، لا بشر ، لا حياة ، لا أخبار ..!

في ظل هذا الموت تأتي لحظة " انفجار كبير شخصي " يعيش فيها البطل مراحل العمر كلها في حالة واحدة او ساعة واحدة .. قمة الشعور بالانسانية ومحبة الحياة والرغبة بها والدفاع عنها ..( اسطورة المقاتل الباسل أخيل ) .

يعود لوجع الوحدة والاختناق والتطلع الى الانعتاق ، العُري ، الانطلاق من السجن ، الشوق للحرية ..

الصراع بين مفهوم الحياة والموت .. محو الظل ، الانتحار ، التردد بين الوجود والعدم.

"بداية المساء تنزف تعبا" ، ص78 ، عودة للذات وصراعاتها ، الشعور بالبرد هو الثِقل الذي يرمي به الضمير أو المفهوم الاخلاقي ..

يٓمُرُ السنونو مسرعًا متمردًا ناجيًا من الموت بسبب مرارة لحمه ..!

"أيجبُ أن أكون مرًا لأكون حرًا .".؟!

سؤال ذو أبعاد كثيرة .

يتغلغل الوطن وحبه في مساماتنا ، في خلايا دمنا ، ونقاط حبرنا ..

نٓكسِرُ قيدًا ، وتخنقنا قيود .

يعيش الكاتب الموت ، ويدخل في تفاصيله ، ويسيطر الحب على الموقف ، فحتى بعد الموت يهمنا الحب ، وأن نكون محبوبين ، يُفرحنا حزن الناس علينا واهتمامهم لنا ..

يُعالج الكاتب فلسفة الموت والحياة ، ساعة النهاية المُقررة ، الانتحار ، جدلية يتصارع فيها المنطق مع اللامنطق ، مع موت الالوف في الحروب والكوارث .. ومع هذه الجدلية تعود الاسئلة الافتراضية الصعبة التي لا اجابات لها ..!

يُحافظ البطل على حزنه حتى النهاية ." أكره الحزن ، وهذا ليس لأني أحب الفرح ، بل أريده فقط"

ومع هذا الكم الكبير من الاسى يحلم بالحب المطلق ، ذلك الحب الموجود في اللامكان ! كالمسافة الحائرة دون وُجهة، والتي سقط فيها وهو متجمد بين استحالة الفرح والحزن !!

تلك البقعة التي حُفرت على الورق بفعل نقطة من الكأس ، كانت نافذة على اللاشيء على العدم ، بقعة لم يصلها الالم ولا الحياة ولا الحب ، لا الفراق ولا الخيانة

، بقعة لم تصلها اللغة ، موت !

وكما بدأ بطلنا وحيدًا ، انتهى وحيدا .

يفكر بالموت ويخشاه ، ويفكر بالحياة دون رغبة بها .. يطلق صرخة تمرد ونداء للحرية ، ولا يُقدم عليها ..!

ظلت الحيرة والصراع تجوبان نفسه بتواطئ المحتل وثِقٓلِه !!

وبقيت هي الحياة ذاتها ، كلٌ يعيشها بشكل أو بآخر ، بذات التساؤلات والصراعات ..

نبتسم ، نُلٓوِنُ ثيابنا ، نرتفع بالمباني ، نتزاوج نتكاثر ، نفرح ، نحزن ، نحارب ، ننهزم ، وننهزم ..!!

تُرينا الحياة من جمالها لوزًا ،

وتُذيقنا من طعمها مرًا ..!

خالديه أبو جبل

12/3/2020

2020-05-05