الجمعة 30/1/1442 هـ الموافق 18/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
نضج المقولات الداخلية للإيقاع اللوني و ثنائية التجسيد والمحو،عند الفنان أحمد الصوفي.... سمر محفوض

أحمد الصوفي فنان سوري تشكيلي و إشكالي بامتياز ، يدفعك للشغف والإرباك كمعادلة جديدة لاكتشافاته على مختلف الأصعدة يمتلك دفة  الأفق والاتجاه ,يحملك إلى مشارف الدهشة والترقب لتكون بمواجهة ما مع تجربته المتميزة , حيث استطاع أن يجد لنفسه مكانا  خاصا في  الوسط  المليء بالمتاعب والألغاز والجماليات أيضا ,منغمس بمشروعه الإبداعي عبر بحثه الدائم عن مفردات لونيه بالفن التشكيلي وخاصة التصوير الزيتي ..تنوعت أعماله فى التصوير من الواقعية إلى الواقعية الرمزية إلى التجريدية -يختار موضوعاته وينفذها بمنتهى الجدية , مشحونا دائما بالاحتجاج ورفض القهر الاجتماعي والشخصي , ، ينبع أسلوبه الخاص من طبيعته ومن رؤيته الخاصة للموضوع الذي يعبر عنه ، يتميز بشخصية فنية واضحة ترتكز على الجدية والإخلاص -  دفاتره  كل شيء الورق والتراب والمساحات البيضاء للغيم يهوي بك بضربة ضوء قاصمة إلى سواد كفيف ،بباطن كفه او لوحته حيث لافرق بينه وبين مخيلته أو يده ,وهو الذي أكد أن لا حافة للإبداع او قمة تستكمل  بعدها التجربة  فضولها للاكتشاف ..بل  تنتهي تجربة الفنان بانتهاء حياته والتجربة لا تكتمل بل هي في نضج متوالي.,  فالمنجز الإبداعي عنده عمل فردي يتطور  باستمرار,يحملك عبر منعرجاته الى مناطق خطرة  ,ممسوسا بالتوهج على جغرافية اللوحة حيث يتلامح  البعد الثالث المتعلق بالعمق كقيمة جمالية مبنية على المعاينة، فيما تُشكِّل هذه الأخيرة أساس فلسفة الفن الحديث والمعاصر -اغلب لوحاته المنفلتة من الإطارات على شكل رسالة مبطنة بان السيل الذي يسكنه  لاتحده الحواجز يعتمد التجريب منهجا للابداع ,و اللوحة لديه  تحمل مستويات عدة, وكأنها أنجزت على مراحل بالرغم من وحدة التشكيل واللون والفكرة , ينقل محتويات مخيلته على السطح الأملس للعمل فيعج الفراغ بالسكينة كما بالفكرة,على اعتبار أن الفن هو انعكاس  لروح  الفرد والمجتمع , ربما لهذا السبب بالتحديد كانت التعبيرية التصويرية-النزقة- هي الأقرب اليه منهجا ضمن تناغمها العميق.. واختزالاتها التي تمنح مساحة مناسبة للانفلات من قيود الوعي ليقدم لنا هذا الاستبصار الجمالي الاستثنائي.

الأبيض \الأسود - نضج المقولات الداخلية

 عكس الكثيرين ممن اشتغل على تناقض الأبيض \اسود  كان الصوفي متفائلا  بأسوده الدال على الطمأنينة، والسكينة، والدعة -تزامنا مع  أسئلة عديدة  تطرح عن تحولات العصر, يميل إلى تقطيع لوحته إلى مقاطع عرضية وطولية متوازية في اللون، وذات انسجام ممتع في تدرجاتها النغمية والتشكيلية...حيث يمكن ان نطلق عليها" نضج المقولات الداخلية", والتأمل ..قد لايهتم الصوفي بمدى  قدرتنا على فهم/ وعي، الارهاص الفني لان اللوحة عنده فضاء للتجلي و لا تخفى النزعة التجربية ، إن على مستوى اللون، أو على مستوى الموضوع، وهو غير منشغل بالتبسيط والحياد أبدا بل فارس نور أدواته الضوء واللون، الأسود لديه بوابة زمنية  لاجتياز التداخل  بالعماء المطلق ،و الأبيض انعكاس لجميع الألوان، تشف تشكيلاته عن كتل أجساد متداخلة، متحدة بقلق وترقب ،كأنما هي رؤية للعالم المتفتت ، قوامها التشتت حول الفكرة الواحدة ،.. هذا التوظيف الفني المتفرد لمساقط الضوء والظل الذي تجاوز التركيبة الأحادية لكليهما ليصبح أكثر تمثيلا، وأوسع أداء لمعنى التشكيل الجمالي – الدلالي،.. عن تجربته والحرب ، (يقول لازال لدينا سنوات طويلة لنتمكن من رؤية الحرب بمنظور آخر وعقل أكثر كثافة وأقل تشنجاً.) تلك بعض آيات اللوحة عند الصوفي، لوحة تقرأ الحياة، لوحة ترسم الحياة.وانعكاسات الضوء والظل بما يحمله الواقع من هذه الحديّة, يفكك المشهد ويعيد صياغة الأشياء واقتناص الأثر الإنساني من خلال التكوين البصري  كتكثيف الحياة  ..

الايقاع اللوني وتدرجاته

 لم  تتوقف ألوانه عن نقل الحدث او التهويم  ليخط هرموني اللون الداخلي ومكنوناته, أسهم في هذا التأثير الحضور اللوني اللافت  لدرجات الترابي المائل للأحمر في درجاته الأكثر مكرا وشفافية، ودفئا،مع تجاوره اللوني بالرمادي في لا مركزيته مما منح الأصفر مزيدا من الانتشار ممثلا بالبعد الاقصى   للتكوين ومفسحا المجال لتناغم منتظم ببعد فلسفي فكري.، وبالبحث والاكتشاف الدائم على صعيد الأسلوب والتقنيات،.مستشرقا عبر اللوحة عوالما قيد الانجاز في عصر ينحدر بسرعة نحو التغول والتوحش.

بطاقات الوجوه المحو والتجسيد

من الملاحظ عند الصوفي حين يرسم الوجوه المجردة وهي المرآة الحقيقية لما يحمله الإنسان من وعي وثقافة وحزن وفرح وأمل , الاهتمام بالتفاصيل والتقسيم لشرائح كل جزء يحكي تاريخا مرسوما بدقة عبر التقاطيع  ,ومن الملاحظ أيضا غياب الملامح حين يريد رسم الجسد كاملا وكأنما لا ضرورة للملامح فحركة الجسد هي الأصل وهي المعبر العميق لكافة التفاصيل , من أدق خطوط انكساراته حتى انضج تكوراته المغوية ,يعرض وجوه، هي في الغالب لرجال ونساء، بدون ملامح في إسقاط عن مرحلة محددة  ،  تضع ذواتنا بمواجهة محو معلن ، في تحريض الدلالات وإثار الأسئلة، ليعيد طرحها وجوه  أبطاله وكأنهم من قلق يغسله الدمع كل صباح.

الزمكنة والتأمل كحامل جمالي

يحرر المشهد من أسر الظرف الزماني والمكاني.. في تجاوز للإرادة نحو التأمل.ولان أن الفنان هو أحد أهم عناصر الحالة الجمالية ,لإعادة صياغة العناصر برؤية جديدة مبتكرة.. يبدأ من رغبته بإنكار اليقين، وبحثنا عبر المحتمل. ليقود اللحظات المنبثقة من هيكل الهيئة إلى حضور بصري ,مستخدما تقنيات الاكرليك والألوان الزيتية والكولاج ناقلا أرواح شخوصه ضمن عوالمها الداخلية وتفصيلات انفعالاتها عبر الإيحاء وهو بذلك يشير أن لا تركنوا للمشهد ولا للشخوص فهي تتغير بسرعة مرعبة ,. معلنا أن لا إيديولوجية لديه تسيطر على آلية الفن,عند تجليات وتعبيرات، التشكيل  وما يعايشه والفنان، في وجوده، و تجاربه الانفعالية، كاختبار فردي  نقوم على تبينه  في إنتاجه بوصفه تجربة ،  نعتمدها  وفق منطلق التلقي المستقى  تحديدًا من فكرة التذوق، من جهة، ومن الجمالية الحديثة، بمفهوم  التجربة  في الفن من جهة تالية ، لنؤكد أن الفنان - الصوفي ابتعد كثيرًا عن التشخيص، ولم تعد عنده  اللوحة إظهارًا للمرئي، بل باتت مقطع رؤيوي يجمعه بما هو خارجه، كبيان تأملي هو وجهة نظره في وصف العالم، باعتباره  واصف حيادي للعلاقة التي تنشأ بين الجزء والكل،. ما يجعل من التجربة والتجريب فعلًا جماليًّا وفرديًّا بمعنى ما بوصفه ممارسة وتعبيرًا ومنتهى وفق ما يصل إلينا، عبر تذوقنا، لا وفق شهادة صنعٍ مسبوقة.

المراة\جماليات التكوين والرمز

هي معادلا موضوعيا لتحقيق التوازن، والجسد الأنثوي يحتل حضورا فارقا في اللوحة، وفي حرارة الألوان وتجانسها المشبع بالرمزية الخالصة  ليتدخل وعي الفنان  بكسر الرتم وتبسيط الخطوط  ,التي  حفلت بالخيال  مع أنوثة طاغية مستلهمة من المرأة الخلق , والزمن الفقد , والتكوين بالفضاء التالي, حيث استمرار التوالد والتخليق وتوغله في الفنون البصرية منتقلا للتجريد كحامل لوني في مساحته المضاءة والمعتمة أيضا ,وصولا إلى المناخات المستعصية في براعتها وسهلة القراءة في رسالتها التشكيلية. ليس سعيا  للاختلاف، بل وصولاً إلى بلورة المعاني العميقة، في تشابك يزداد نضجاً مع تنامي التجربة.

استقلالية التحفيز والذاتية

بين الانشغال بالهمّ العام والشخصي والعمل على الخلاص منه،.كل ما لديه عبر اللوحة يشدك نحو غواية الغرق , اللوحة لا تدعوك بل  تحفز المخيلة للنزول الى دوامات اللون  ، امعانا في التحريضٍ على المزيد من الايغال والافتتان.  انكسارات , منحنيات تكعيبات تداخلات طولانية وعرضانية للون تماهي ، وتصدع، تراكيب، تهاويم. كلها هوامش تالية لفكرته -الفنان إما أن يكون فنانا, أو لا شيئا على الإطلاق..وفى حالة كونه فنانا عليه أن يتحمل كل شيئ.. فتجربته ذاتيه ومستقله ولا يمكن لأحد أو لقوه التدخل فيها -والفن  لديه رؤيا جمالية وبدائل لفساد الروح ,معتبرا أن المواجهة مع سطح اللوحة  هي  البحث عن نقاط الإرتكاز لكى يتصادى الإيقاع وتنفسح محدودية المكان. فى ملامسة لافحة الضوء.. تتجاوز وتتصالح فى هدوء .. وتصطخب فى أطوارها كائناته فلا تحدها قيود ولا حدود.. الأداء المراوغ والمشاكس .. يرسم بحب وشوق وتوق وعنفوان وتمرد وصخب والحركة الكامنة .. تجمع بين الصمت والسكون لكثافة العناصر وثقلها .. والتي تؤكدها الحركة الدائرية للضوء .

فى تحديد الشكل والكتلة ..

استلهم الفنان مفرداته من الخيال مرة ومن الواقع مرة أخرى, حيث لا مثيل لتلك التهويمات اللونية إلا في عالم خاص, يعمل على تجريد المشهد  ثم بعد ذلك نلاحظ ان  الخطوط  تتناغم بموسيقى الإيقاع الداخلي..  وكثيرا ما تحيلك الرموز إلى معان مجتمعة أو متفرقة في سيطرة ,على مجريات تدفق اللون عبر السطوح البيضاء. حيث الخوض فى تفاصيلها الدقيقة المتواصلة. يحيلنا إلى الخلق الأول بألوانه التربية  متماهية العمق لتأتي اللوحات خالية من أي صخب تشكيلي، وذات منحى تصميمي يعتمد التقشف الانفعالي، مقابل ثراء شديد على المستوى الإسقاطي.. محققا بذلك نتائج وتأثيرات مختلفة تضافرت فوق مساحاته العناصر بالعفوية الخاصة  ,من هنا يصبح العمل هو كل المساحة باعتبار الفراغ المحيط جزء آخر من العمل أو عامل مكمل للشكل، حيث لا يمكن الاكتفاء بالمساحة الملونة المحدودة  ومحتواها بل المساحة الكلية.. إذ يعد الفراغ المحيط بلون السطح أحد عناصر التشكيل والتلقى على حد سواء.. هذا  الاختبار الصعب، وإن يبدو بديهيًّا للغاية فهو  شائكًا وجدا، حتى لا أقول إشكاليًّا’متعدد الشواغل والتجليات..لان عمق التجربة وتأصيلها  مرتبط ارتباط كلي  بحجم الجهد والإصرار وتكثيف الحوار الداخلي , وصولا إلى منطقة الصدع او الانجراف ومن بعدها التسامي  والشغف, وهو باختصار  التصالح مع موضوع اللوحة  ليؤكد أن الفن بالإجمال هو سابق للحدث ويتقدمه بخطوة او خطوات ،هذا اذا ما آخذنا بعين الاعتبار أن الفن يستشرف الواقع وينبئ بالمتغيرات.

التجربة جماليّا من دون تبني مقولاتها ,الإيقاع اللوني والشكل

 الهرموني اللوني والشكل هو السمة الغالبة على أعمال احمد الصوفي في التشكيل الذي اعتاده وتألق به  كحالة توهج  تسكنه ,و تلح عليه وسائط أخرى  لإنتاجً  بصري، مشغول بجزيئات اللون وتفاعله ,يخلق أشكاله بتلقائية ويملك قرار تشظيه على سطح العمل ضمن تجسيد متعة النقل من الذاكرة، وتجلي كثافته وعمقه حسب رغبة  تكوينات اللون بوصفها مولدًا حيويا، لتجربة داخلية ،تتيح، جمالية لتشكلات  مبنية على المعاينة، فيما تُشكِّل هذه الأخيرة أساس فلسفة الفن الحديث والمعاصر، بما فيها الفن العربي الجديد نفسه ,وهي  اكثر فاعلية في تحقيق ما يصبوا  إليه من  من منجز زيتي على سطوح الفنان أحمد الصوفي بحيث يعمل على أنسنة المنجز البصري في هذا الحقل الجمالي المهم،والذي يُسهم في صياغة الرأي الفني وبناء التفكير البصري. كموضوع على قدر كبير من الجمالية. وقد نالت  أعمال أحمد الصوفي اهتمام دولي على هذا الصعيد  ما دفع الخارجية الروسية إلى اقتناء إحدى لوحاته ، كما تتربع  لوحة أخرى للفنان في القصر الجمهوري اللبناني.

وجهة نظر تجاه الحياة والفن

  الفن التشكيلي هو وحدة الفنون العضوية والمتابع لتجربة الصوفي سيلاحظ مدى التنامي بالعمل من بدايته التى تجردت من الصنعة والافتعال إلى اليوم حيث غدت عبر امتدادها أكثر تبسيطا وقوة ودلالة وفهما لآليات التكوين واللون فى محاولة جديدة منه لتحقيق خصوصيته ضمن عناصره التى اختارها، وتوظيفها بطرائق مختلفة، ويشدد الفنان التشكيلي أحمد الصوفي على حرية الفن قائلاً  أنا مع الحرية في الفن، والتي من خلالها يطرح الفنان أفكاره المدنية العلمانية بعيداً عن الاصطفافات ذات الطابع الفئوي أو الحزبي أو السياسي ).والفنان بنظر الصوفي يعمل لأجل الإنسان بكل ألوانه واختلافاته الفكرية والبيئية ويعالجها بأسلوبه.

  بطاقة تعريف-

الفنان التشكيلي أحمد الصوفي  مواليد 1969الجنسية : سوري \خريج كلية الفنون الجميلة بدمشق \1999\ قسم الرسم و التصوير الزيتي \عضو اتحاد الفنانين التشكيليين في سوريا

المعارض الفردية\المركز الثقافي العربي في إدلب 2010\غاليري النهر الخالد في حمص 2010 \ في غاليري زمان في بيروت 2008 \في صالة الفنون الجميلة بحمص أعوام 2003- 2004-2007 \في صالة نقابة الفنون الجميلة في اللاذ قيه عام 2004

المعارض الجماعية \ معرض خريجي كلية الفنون الجميلة عام 1999 \ معرض خيري دير الآباء اليسوعيين في حمص 1999 - 2009 \معرض الخريف في نقابة الفنون ي حمص منذ عام 2000 حتى 2007 \ معرض في برج السباع الأثري في طرابلس لبنان 2000 \ معرض الفنانين التشكيليين في سوريا من عام 2001 حتى 2007 \معرض الشباب في سوريا أعوام 2002- 2003 \ معرض الربيع 2002 حتى 2007 \ معرض في غاليري زوايا أعوام 2003 - 2004 \معرض في وارسو مع مجموعة فنانين بولونيين عام 2019\ ملتقى أهدن في لبنان عام 2004 \ فناني من حمص النهر الخالد في حمص 2009 \اللوحة الصغيرة نقابة الفنون حمص 2009 \ملتقى الفن العالمي في اليونان ( باترا) \ملتقى الواسطي الدولي للفنون في العراق .

سمر محفوض-سورية

2020-05-08