السبت 1/2/1442 هـ الموافق 19/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
النكبة الفلسطينية بدأت قبل قرار التقسيم....تميم منصور

أطلت علينا قبل مدة وجيزة  الذكرى 72 للقرار الذي أصدرته الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولتين ، دولة للعرب ودولة لليهود ، وبالتأكيد أن ذكرى هذا الحدث الهام سوف تمر كما مرت سابقاتها من ذكرى وعد بلفور  إلى ذكرى التقسيم،  وذكريات مؤلمة كثيرة أهمها استسلام الأنظمة العربية التي جاءت بجيوشها المهزومة قبل ان تُهزم لمنع تطبيق هذا القرار ، فحولته إلى حقيقة وواقع دائم ، واعترفت به ضمناً عندما وقعت على اتفاقية الهدنة مع إسرائيل عام 1949 .

رغم مرور هذه المدة على صدور هذا القرار ، إلا أنه لا زالت هناك تساؤلات كثيرة حوله، أهمها لماذا لم يوفق العرب على قرار التقسيم ؟ وإتهام من وافقوا عليه في حينه بغياب الرؤية وعدم حسن التقدير ، لكن بكل أسف فإن علاج الأنظمة العربية في حينه والقيادات الفلسطينية لحل هذه المشكلة ومنع تطبيق قرار التقسيم ينطبق عليها المثل الشعبي الذي يقول " أجا يكحلها عماها " هذا ما حدث وفشل العرب فشلاً كارثياً في التعامل مع هذا القرار .

بدلاً من استقبال لجنة تقصي الحقائق التي أرسلتها الأمم المتحدة أداروا ظهورهم لها ، رفضوا مقابلة أعضائها لإقناعهم بعدالة مطالبهم ووضع الحقائق أمامهم وإطلاعهم على الدور البريطاني في تثبيت أقدام الحركة الصهيونية في فلسطين ، هكذا تصرفوا مع لجنة " بيل " التي أرسلتها بريطانيا عام 1937 .

لا أعرف أن ذكرى قرار التقسيم لا زالت لها حيز لدى القيادات الفلسطينية ، خاصة لدى السلطة الوطنية في رام الله بعد توقيعها على اتفاق أوسلو ، لأن وزارة التربية والتعليم في فلسطين قد غيرت وبدلت مناهج التدريس ، وشطبت فصول كثيرة من تاريخ الصراع ووضعت خارطتين لدولتين في فلسطين ، هما دولة فلسطين وتضم الضفة الغربية وقطاع غزة ، ودولة إسرائيل في باقي المناطق .

كذلك الأمر في الأردن ومصر وباقي الدول العربية التي تضع خارطة إسرائيل في مناهجها، ولم يعد قرار التقسيم يهمها، خاصة أن أعلام إسرائيل وسفاراتها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المناخ السياسي داخل غالبية معظم العواصم العربية، وإذا لم تتواجد سفارات هناك البدائل والقنوات التجارية والرياضية والثقافية، لكنها جميعها تحت مسمى واحد الاستسلام لقرار التقسيم. هذا بدوره يحول ذكرى التقسيم إلى غيمة بيضاء عابرة في سماء العالم العربي، لا يشعر بها أحد ، إلا بعض الفئات والعناصر الوطنية التي لا تجرؤ على الاجهار بصوتها .

غالبية الأجيال الحالية في الأقطار العربية لا تعرف بأن قرار التقسيم هو المسبب الأساسي لنكبة الشعب الفلسطيني، حتى لو اعترفنا بأن المؤامرة على فلسطين وشعبها كانت تفوق طاقات وقدرات هذا الشعب ، جاءت هذه المؤامرة بينما كان العرب يعانون من تبعات ورواسب الاستعمار الذي تداول عليهم مئات السنين ، من التركي والبريطاني والفرنسي، هذا الاستعمار هو الذي استمر بتسلطه على الشعوب العربية بواسطة العروش التي صنعها في كل من الأردن والعراق والسعودية ومصر ودويلات الخليج ، خلق قيادات مهزومة متخلفة عشائرية مستبدة.

لم يدرس القادة العرب ومعهم القيادات الفلسطينية عمق الصراع دراسة مهنية ، فشلوا في استمالة الدول العظمى في أشد أوقات الصراع ، لم يستغلوا طاقاتهم وموقعهم الاستراتيجي لخدمة القضية الفلسطينية ، لم تتوفر قيادات تمتلك الحكمة والحنكة والخبرة السياسية، كان باستطاعة هذه القيادات استغلال الكثير من الثغرات لمصلحة فلسطين وقضيتها، لم يرددوا سوى لغة التهديد والقوة وهم لا يملكونها ، استهتروا بقدرات الحركة الصهيونية ووجود 600 الف يهودي الذين كانوا يتواجدون في فلسطين حتى وصل الاستخفاف بنعت هؤلاء – بأولاد الميتة -  ، ولم يمنعوا تسريب وبيع الأراضي الفلسطينية للوكالة اليهودية ، وقد اختفت الرقابة كاملة على بيع هذه الأراضي لليهود.

عندما أيقنت بريطانيا أنها أكملت دورها بأنه بإمكان الحركة الصهيونية تحقيق وتثبيت ما وعدته بإقامة الوطن القومي في فلسطين ، قررت الهروب من فلسطين ولكن بطريقة دبلوماسية تحقق أهدافها ، لم تقرر الانسحاب إلا بعد أن ضمنت وجود عصابات صهيونية مدربة ومسلحة تستطيع أن تكون قادرة على القتال ، إن عشرات الآلاف من المقاتلين اليهود شاركوا في معارك الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء ، من بين الطيارين والضباط والجنود عشية قرار التقسيم امتلك اليهود أو الصهاينة كل المؤسسات كالجامعات – الجامعة العبرية والتخنيون – والمصانع والمدارس الثانوية والمعاهد المختلفة ، وامتلكوا المدن العامرة – مثل تل أبيب ورمات غان – وغيرها كان عدد اليهود في القدس يزيد عن عدد السكان العرب ، كما سمح لهم الإنكليز باستخدام ميناء حيفا وتل أبيب .

أما الجانب العربي خاصة  من أبناء الشعب الفلسطيني، فقد كانوا يجهلون الفنون العسكرية باستثناء بعض المئات ممن خدموا في الشرطة البريطانية، كما أن الخلافات بين الفصائل الفلسطينية أثناء الثورة الكبرى أسفرت عن اغتيال العديد من قادة الثورة ، السؤال الذي يطرح نفسه ، لماذا لم يتوجه وفد من القيادة السياسية الفلسطينية في ذلك الحين إلى الاتحاد السوفيتي لكشف المؤامرة على الشعب الفلسطيني من قبل بريطانيا ، أن تبعية القيادات العربية والفلسطينية إلى بريطانيا في ذلك الوقت ، جعلتهم يناصبون العداء للكتلة الشيوعية مع بداية الحرب الباردة لقد صدقوا الدعاية والاستعمارية والقيادات الدينية داخل الأقطار العربية بأن الشيوعية هي الكفر بعينه ، وهي الإباحية بحد ذاتها فناصبوا هذه الكتلة العداء مع أنها من الناحية الفكرية هي الجهة الوحيدة التي كانت تستطيع دعم الشعب الفلسطيني ، في حين أن الحركة الصهيونية نجحت في تضخيم أحداث الكارثة في حق الشعب اليهودي فكسبت عطف غالبية شعوب العالم فوافقوا على قيام دولة لليهود في فلسطين مصدقين أن الحركة الصهيونية سوف تقبل بهذه المساحة في فلسطين التي خصصها قرار التقسيم .

أن رفض العرب لقرار التقسيم اعتبر تجاوزاً وتمرداً على قرارات الأمم المتحدة ، لأن القيادات العربية لم توفر المبررات التاريخية والسياسية والإنسانية لهذا الرفض ، مما جعل قرار التقسيم شرعي بالنسبة للعديد من الدول ، فقامت بدعم إسرائيل ولا تزال تدعمها وتتعاطف معها ، أما أولئك الذين يلومون الاتحاد السوفيتي والكتلة الشيوعية بسبب اعترافهم بقرار التقسيم، فإن الاتحاد السوفيتي كَفّر عن اقدامه على هذه الخطوة بقطع علاقاته السياسية مع إسرائيل سنوات طويلة ، وقام بدعم الدول العربية التي كانت تحارب من أجل التحرير بالأسلحة والأموال ، لكن السادات أول من تنكر لهذا الدعم وحول مصر إلى مزرعة أمريكية إسرائيلية كي يدخل التاريخ من أوسع أبوابه ولحقه باقي الرؤساء العرب.

2020-05-15