الخميس 23/12/1441 هـ الموافق 13/08/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مجموعة ‘جبل النرجس ‘ للكاتب المصري سمير الفيل ...بقلم فوزي الديماسي

حبّ وذكريات وصور من سحيق الأوجاع والآمال ، وحيوات مختلفة الألوان ، تراوح مكانها بين تاريخ ذاتي وآخر موضوعي ، وبينهما مشاهد تكشف أسرار المجتمع وتقلّباته وأحوال الناس في مختلف تعبيرات عيشهم ، واضطرابهم في العاجلة على حدّ تعبير شيخنا المعرّي . هي أحاديث كما الهمس قصص مجموعة " جبل النرجس " ، بل هي أشدّ حفيفا ، تحملك إلى أقاصي مذكرات الراوي وذكرياته ، وإلى تخوم المجتمع وأسراره ومعتقداته وأفعاله ، كمشاهد " البلكونة " وأقاويلها ، ورحلة " عين حلوان " وتصاويرها ، و" حرنكش " وكراماته ، وجبل النرجس وهواجسه .

هي الحياة كما صوّرتها لغة الراوي " في كفّها الغار ، وفي كفّها العدم " ، وأحاديث تنهل من مشاغل الناس وأسئلتهم في الدين والتديّن والإرهاب والميراث والإيثار وصلة الرحم والخيانة الزوجية والتثنّي والعشق الممنوع ، ومفاهيم دينية تجري على ألسن الناس مجرى الأمثال ، ولا تتجاوز تأثيراتها الألسنة الناطقة بها زورا ورياء وزينة وتفاخرا ، إنّها حياة كأضغاث الأحلام ، أو كظلال سراب تلقي بضبابها بين منافذ سماء شاحبة شحوب وجوه الخلق " التعبانة " والخلق " النعسانة " و" العيون الزايغة " كزوجة العياشي عنوان الشبق والحياة ومرحها ولهوها في بيوتات مجبولة على جمع المتناقضات كما الغابة المفتوحة على اللحيّ والبخور و" الجلابيب " والفكر الجهادي والأجساد المتعطّشة لماء الدّعة والسعادة واللذة المختلسة ...هي قصص متنوّعة متعدّدة مبنى ومعنى ، تتأرجح بين لوحات تسجيلية ، وأخرى موغلة في التجريد بلغة الفنانين التشكيليين ، تستوقفك بكثافة الكتابة فيها ، واختزالها ، وتوسّلها بالرمزية لتعاطيها لسؤال الموت في أكثر من موضع بعيدا عن حديث الموعظة وأساليبه ورسالاته ، بل هي مواعظ سوداء فيها من الحزن الجاثم على صدر السخرية مثل ما جاء في قصص كثيرة مثل " صفعة " و" لكزة "و" نط " و" بوصلة " و" أن تعذّب الكلب " وغيرها من النصوص التي رسمت مشهد الحياة والموت والخيانة برسوم قاتمة ساخرة ، ألوانها بيضاء سوداء ، وكلاهما معا ، فيها ضحك كما البكاء ، وبكاء يقتل صاحبه ضحكا ، وكم من ضحكة قتلت نفسا بشرية وهي على حافة اليأس ، ألم يقل أسلافنا " إذا وصل الشيء إلى الحدّ انقلب إلى الضدّ " وقد انقلبت الحياة والأسئلة الوجودية بثقل أحزانها وفتنتها وفقرها وجوعها وبساطتها إلى لحظات سخرية يختلط فيها الجدّ بالهزل ، والحزن باللهو ، والموت بالرّياء ، كما هو نفس الكتابة في قصّة " ليلة "وملامحها . نفس كتابي في ظاهره حزن منحدر من واقع معيش بائس ، وفي باطنه سخرية بلا ضفاف وتصوير بلغة بسيطة بساطة مجتمع مدجّج بعقلية جريحة لحيوات مشحونة بالاضعف .

هي الكتابة في مدها وجزرها ، تراوح مكانها بين أسلوب بسيط في تحبير القصص المصورة لحياة المجتمع وأفراده والالتزام بشروط كتابة القصة التقليدية ، وأحيانا تتبع خطى التجاوز وتعمل على صياغة لوحاتها بأسلوب مختزل مراوغ يسفّه انتظارات المتلقي كما في قصة " بالرّفاء والبنين " ، وكذلك هي ملامح اللغة في كثير من منعطفات القصص ،  فتارة تكون عالية الحساسية والشفافية والشاعرية في تصويرها للأسئلة الوجودية إن تعلّق القصّ بأمور فوق معيشية ، وأحيانا تتخذ لها خطّا أفقيا يتأرجح بين فصحى بسيطة مبسّطة منفتحة على المحكيّ المصري عن تعلّق الأمر بأسئلة يومية .

" جبل النرجس " قصص فوضوية الدروب ، تنقل فوضى الحياة الدنيا وتداخل الغيبي فيها بالواقعي ، والأسطوري بالعقلاني ، والمقدّس بالمدنّس ، بلغة تعكس في أفقيّتها ورقيّها المقولة العربية المشهورة " لكلّ مقام مقال " وكذا كانت اللغة في القصص أمينة في رسم الكلمات لهذه المقولة

 

2020-05-18