الأربعاء 4/10/1441 هـ الموافق 27/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الدولة الفلسطينية أولا ثم التطبيع...دكتور ناجى صادق شراب

 التطبيع كما الحديث عن المفاوضات والسلام والتصالح والتعايش ، او اى فكرة تتعلق بعلاقة الدين بالسياسة قد تثير الجدل والنقاش والرفض. ومجرد الحديث عن التطبيع قد تتهم بالخيانة وبيع القضية الفلسطينية والإستسلام لرغبات إسرائيل بالقوة ، وقد تصل التهمة لحد الخيانة العظمى وحكمها الإعدام. المسألة ليست بهذه البساطه ولا تطرح هكذا. إبتداء التطبيع يتم بين دول متساويه نديه لكل منها إستقلاله وسياداته على أرضه، وتحكمه ان الدولة لم يعد بمقدورها ان تعيش في عزلة أو جزيرة نائيه، فالعالم بات قرية كونية ، ونظريات ألإعتماد المتبادل تتزايد، وأثبتت الكورونا مدى عجز الدول حتى الغنية والقوية على مواجهته بمفردها، فهذه الصورة العاديه والمقبولة للتطبيع. والسؤال هنا وسنعود للإجابة عليه وهل هذه الصورة تنطبق على العلاقات بين الدول العربية والإسرائيليه؟والصورة الثانية للتطبيع العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وهل ما يتم ويحدث من صور للعلاقات تطبيع؟ هذه الصورة من التطبيع تعرف بتطبيع الاحتلال، والجغرافيا والتداخل السكانى وتداخل الأرض. فهنا حتمية العلاقات وليس التطبيع، فهناك علاقات إقتصاديه واضحه ليس فقط مع الضفة الغربية بل مع غزه أيضا، وتعاون في المعابر في الضفة وغزه، وتنسيق أمنى مباشر مع الضفة وأحيانا مع غزه تفرض حقائق ألأرض نفسها وتعاون صحى وصور أخرى من التعاون الذى أسميه بالتعاون القسرى.او الفوقى والذى تفرضه الحاجة المتبادله بين الطرفين فلا يمكن تصور غير ذلك ، ولا تستطيع السلطة في الضفة ولا غزة أن تقطع العلاقات بالكامل، فهنا مجموعة من حقائق الأرض الواحده والجغرافيا والسكان والحاجة أقوى من القرار السياسى ، لكن لا يمكن تسميته بالتطبيع العادى ،لأنه بين سلطة ودولة إحتلال وبين سلطة وشعب تحت ألإحتلال ، فتحكمه إتفاقات غير متكافئه وغير عادله، أو حتى تفاهمات غير متوازنه كما بين غزه وحماس وإسرائيل. هذا النموذج لا يمكن الإعتماد عليه ، واخذه كنموذج للتطبيع، التطبيع علاقات عاديه تحقق المنفعة المتبادله المشتركه بين طرفين نديين متساويين. وهذا غير قائم في النموذج الفلسطيني ألإسرائيلى.والتطبيع في العلاقات بين الدول يقوم على إنتفاء الخطر ، وإنتفاء مفهوم العدو ، فلا يمكن تصور قيام علاقات تطبيع عاديه بين دولتين بينهما علاقات حرب وصراع وعداء.وإن كانت هناك نماذج قليله تفرضها الإعتبارات ألإنسانية.والسؤال ثانية هل التطبيع على المستوى الفلسطينيى يعتبر أحد المقاربات للتسوية وإنهاء الصراع والإحتلال وقيام الدولة الفلسطينية ؟وهل التطبيع يسبق أم يأتي في مرحلة لاحقه؟ أو بالتوازى مع إدارة ألأزمة؟ في الحالة الفلسطينية ثانية كان التطبيع أحد أدوات وألآليات لتنفيذ إتفاقات أوسلو وعلى أمل ان يساهم في الوصول للتسوية بنقل الصورة الإيجابية لكل طرف، وهنا ساهمت المنظمات الدولية في ترتيبات كثيره لهذه اللقاءا ت على كافة المستويات، فرأينا في البداية اللقاءات الطلابيه والشبابية ، وتنظيم دورات تعليمية للأطباء ـ ولقاءات نسائيه ، ناهيك عن التطبيع العمالى الذى ما زال بعمل أكثر من مائة ألف عامل فلسطيني في الإسرائيل، فهى الدولة الوحيده القادره على إستيعاب القوة العاملة الفلسطينية وإلا البديل الفقر والبطالة وزيادة إحتمالات الإنفجار الداخلى في وجه السلطه.لكن هذه المحاولات باءت بالفشل بسبب الكثير من العوامل وألأسباب سواء من جانب إسرائيل برفضها وقبولها بقيام الدولة الفلسطينية التي كان مقررا لها عام 1999، وبسبب إجراءاتها الإستفزازية في ألإستيطان ومصادرة الآراضى والإستيطان وفى القدس  وأخيرا كما نرى في الإعلان النهائي عن القدس عاصمة لها ، وفى نواياها بضم الغور وشمال البحر الميت والعيد من المستوطنات، وبذلك تقتل فكرة الدولة الفلسطينية ،وهو ما يطرح ألآن وبقوة خيار قطع كل العلاقات مع إسرائيل؟ وهل من قدرة على ذلك؟ وبخيار الحرب والمقاومة مع غزه وهو خيار مكلف لغزه أكثر من إسرائيل، وبخيار إستئناف العمليات في داخل إسرائيل وهو ما يعنى إعادة إسرائيل لإحتلال الضفة الغربية بالكامل وإسقاط السلطه وتولى إدارتها بالكامل وأيضا خيار مستبعد. إذن نحن امام خيار عنكبوتى لن ينجو منه احد وكل الخيارات تكلفتها عاليه ، وخصوصا في زمن التحولات السلبية لكل مكونات القوة الإقليمية والدولية التي لا تعمل لصالح القضية. التطبيع فلسطينيا إسرائيليا قضية شائكه ومعقده، .فلدينا ألان رأيان أو مدرستان  واحده ترى ان التطبيع مع الاحتلال يعنى القبول بالإحتلال وشرعنته وتبريره والقبول بالظلم والإهانه، وفى ها السياق تأتى أهمية حركة مقاطعة إسرائيل دوليا، ويرى أنصار هذه المدرسة ان رفض التطبيع كوسيلة لإنهاء الإحتلال وقيام الدولة الفلسطينية  يعتبر من اهم وأنجع الخيارات، لأن إسرائيل تخشى المقاطعة دوليا .أما المدرسة الثانية فترى أن التطبيع يمكن ان يقود لإنهاء الصراع ، فالتطبيع يعنى عودة الوضع ألأصلى إلى ما قبل الصراع أي إنهاء أسباب الصراع .والإنتقال من حالة النزاع والحرب والعداء إلى حالة سلام طبيعيه، وأعتقد المدرستان تلتقيان عند ضررورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية .فالهدف من التطبيع الإيجابى بناء جسور من الثقة والتسامح والتعايش ، وهذا ما عمل عليه معسكر السلام في الجانبين الفلسطيني وألإسرائيلى ولكنهما فشلا امام تنامى التيارات اليمينية المتشدده اتلى يقودها نتانياهو ، وامام تنامى التيارات المتشدده أيضا على الجانب الفلسطيني والتي قادتها الحركات الإسلامية حماس والجهاد ، فاتسعت فجوة الحقد والكراهية ورفض اى شكل في التطبيع والتعايش والتسامح. وفى هذا السياق العام لا يمكن تبنى مقاربة التطبيع بالتوازى مع مقاربة التفاوض والسلام، والأجدى البحث في مقاربة إنهاء الاحتلال وقيام الدولة ، اى المقاربة الفوقيه، ويبقى ما يتعلق بمقاربة تطبيع العلاقات مع الدول العربية أهدافها وماهيتها وآلياتها  وهل يمكن ان تشكل قوة ضغط كبيره في إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية وهذا موضوع المقالة القادمة.
 
[email protected]

 

2020-05-21