الإثنين 2/10/1441 هـ الموافق 25/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حتى ينقطعَ النفسُ/ تفاحة سابا

ها أَنا في هذه الساعةِ المتأَخِّرةِ منَ الليلِ أَو في هذهِ الساعةِ المبكِّرةِ منَ النهارِ، حيثُ العالمُ كلُّه من حولي في حالةٍ من الغيابِ والتراجعِ عن مواطنِ الجمالِ ورفعتِه, في حالةٍ من الغفلةِ عن نبضِ الخلقِ والتجدُّدِ, عن انبثاق النورِ من العتمةِ, ها أَنا بشيءٍ يشبهُ الجنونَ, يشبهُ انتفاضةَ الجسدِ بعدَ كابوسٍ قضَّ هدأةِ النومِ, ها أنا أُقرِّرُ الرحيلَ... أُقرِّرُ الحياةَ...

أَنهضُ هذه المرة بخلافِ كلِّ المرَّاتِ السابقةِ بسرعةِ وتلقائيَّةِ أَبناءِ برجِ الحملِ... باندفاعِهم الذي يزيلُ الجبالُ ويهدُّها كما يقولون...  بأَحاسيسي المكدَّسةِ المتناقضةِ, أَنهضُ من ذلكَ الفراشِ الذي لفظَني منه مرَّاتٍ كثيرةٍ وعدْتُ إِليه كلَّ مرَّةٍ من جديد وأَنا أَحملُ كفنَ انكساري عودةَ امرأَةٍ معنَّفةٍ إِلى أَحضانِ زوجِها ظنَّا منها أَنَّها ستجدُ هذه المرَّة... هذه المرَّة فقط وإِلى الأَبد أَمانَها.

ككلِّ أَبناءِ برجِ الحملِ، أَقفزُ من فرشتي، شبهَ مرتبكةٍ، شبهَ متحدِّية، شبهَ متردِّدة، شبهَ مصمِّمة...  أُقدِمُ وأخافُ أَن أَعودَ

أَقفُ أَمامَ مرآتي أُخاطبُها... كعادتي منذُ زمنٍ بعيدٍ... بعيد جدًا... منذُ توقفْتُ عن إِدراكِ الزمنِ... منذُ أَصبحتُ ملقاةً على قارعتِه كأَيِّ متسوِّلٍ يستجدي الحلمَ... منذ غبْتُ عنه وفيه... منذُ غابَت تفاصيلُه عن دائرةِ وعيي ولم تعدْ عقاربُ الساعةِ والدقاتُ تعني لي شيئًا...

منذ ذلك الزمنِ السحيقِ جدًا المتراكمِ في هوّة أَعماقي المسحوقةِ وأَنا أُدمنُ خطابَ ذاتي في المرآة، فهي الوحيدةُ حقًا التي تجيدُ الإِصغاءَ إِليَّ باهتمامٍ... أُحسُّها مفتونةً وهي تتقبَّلُ تواردَ أَفكاري... أُحسُّها مندهشةً وهي تتبَّعُ غرابةَ تسلسلِ منطقي، فأَفكاري تتتابعُ بلا أَيَّة صلةٍ حقيقيَّةٍ تربطُها... هناكَ بعضُ الخيوطِ الواهيةِ تمتَّدُ بينها وتوجِّهُها كالخيوطِ التي تحرِّكُ الدمى في مسرحِ الأَطفالِ... ذاتي في المرآةِ تهوى هذا التعرُّجِ والانكسارِ... تهوى السيرَ خارجَ الأسرابِ والطرقِ المستقيمةِ.

أَقفُ أَمامها وأَستمتعُ وأَنا أَراني... ذاتي في المرآةِ تعشقُ صوتي عندما أُحدِّثُها، تبتسمُ وتصفِّقُ لحركاتِ وجهي ولتعابيرِ عينيَّ التي تتشكَّلُ حسبَ ذبذباتِ صوتي... حميميَّةٌ مميَّزةٌ نشأَت بينَ صوتي وتعابير وجهي أَشبهُ برقصةٍ متناغمةٍ بين عاشقين لا يحتاجان شيئًا غيرَ انسجامِهما لتتشكَّل الرقصةِ... هي تمامًا كالحميميَّةِ بيني وبينَ الصورةِ في المرآة لا يمكنُ لأَيِّ شيءٍ أَو لأَيِّ أَحدٍ أَن يحلَّ محلَّها لأَن خارجَها غربةٌ قاسيةٌ واغترابٌ أَقسى!

أَنظر إلى المرآةِ... يُعجبُني شعري المنفوشُ ككلِّ أَبناءِ برجِ الحملِ، أَنتبهِ بأَنَّي أَرتدي الثوبَ مقلوبًا، أُقرِّرُ بتلقائيَّةِ مَن فقدَ صلتَه أَو حسَّه بالزمنِ، بتلقائيَّةِ مَن عايشَ موتَ الزمنِ أَن أَرحلَ بهذا الشعرِ المنفوشِ وهذا الثوبِ المقلوبِ... رائع...! إِنَّه لتحدٍ كبير!!!... عندما يغيبُ الزمنُ عن وعينا تغيبُ معه كلُّ تبعاتِه ونصيرُ بوزنِ الريشةِ ويمكنُ عندَها أَن نطيرَ!

لن أَتَّصلَ بأَحدٍ... لن أُخبرَ أَحدًا بقراري... ولن أَطلبَ نصيحةً أَو مشورةً من أَحدٍ!

مِن هذهِ اللحظةِ الليليَّةِ الحركةُ ستنبثقُ مِن داخلي أَنا فقط ...سأُجرِّبُ معنى أَن أَتواصلَ بحبلٍ سرِّيٍّ لا يراه أَحدٌ سواي مع ذلكَ الصوتِ القابعِ في الأَعماقِ ويدفعُني نحو الضوءِ... نحو قرارِ الرحيلِ... قرارِ الحياةِ. وحدُه ذلكَ الصوتُ سيكونُ مصدرَ حركتي, طريقي وقبلتي...

أَن أَكونَ معناه أَن أَحيا التشردَ... أَحيا المغامرةَ... المجازفةَ حتَّى النهاية، ربَّما كما عاشَتْها غادة السمان وأَكثر، تلكَ التي استفزَّتْ مواجعي واستنفرَتِ الأُنثى المتمرِّدةَ في داخلي التي بقيَتْ محشورةً في لفَّةِ الولادةِ زمنًا طويلًا، حيَن قالَتْ: "بي حزنٌ عميقٌ على أُولئكَ الذين يمرون من الولادةِ إِلى الموتِ دونَ ملامسةِ النارِ أَو النورِ ولو مرَّةٍ واحدة".

أَيُّ أَشيائي أَختارُ...؟ أنا لا أعرف إذا كان عليَّ أَن أَختارَ أَصلًا؟! هل آخذُ أَم أَتركُ كلَّ مقتنياتي؟

أَقفُ والحيرةُ تتملَّكُني وصوتُ الشيخُ عبر اليوتيب يقولُ: "لا بدَّ لأَحدٍ أَن يبدأَ... فلنبدأ أَنتِ وأَنا... لا بدَّ لأَحدٍ أَن يرجعَ فلنرجع أَنتِ وأَنا"...

وصوتُ فيروز يردُّ: "ويكونُ اثنان أَوَّلَ مَن يرجع... شيخٌ وبنية أَوَّلُ مَن يرجع... بعضُ الخطواتِ وسنعبرُ جسرَ العودة..."

كلماتُ الحياةِ هذه... كلماتُ العودةِ هذه تثيرُني... تستفزُّني، عندي بعكسِ فيروز تشكِّلان طرفيِّ نقيضٍ... هل يمكنُ أَن نبدأَ.... أَن نحيا بالرجوعِ إِلى الوراءِ... آهٍ كم أُحبُّكِ يا فيروز... أَظنُّ أَنِّي أَشبهُكِ... أَظنُّ أَنِّي عمومًا أُحبُّ مَن يشبهُني... ليس لي متسعًا من الامتيازاتِ لأُصرفَ بها حياتي على منغصّات مَن لا يشبهُني... إِنِّي أشبهُك قوَّةً وتصميمًا وأشبهُك حبًّا وارتباطًا وضعفًا، أَظنُّ أَنَّ صوتَكِ الذي يحملُ التحدِّي والتراجعَ معًا... القوةَ والضعفَ معًا... القدومَ واليأسَ... صوتُك هذا سيكونُ أَوَّلَ رفيقٍ لي وهذا التلفونُ النقَّالُ سيكونُ أَوَّلُ أَشيائي التي أنتزعُها مِن مكانِها الجامدِ لترحلَ معي عبرَ رحلةِ الحياةِ...

هل أَختارُ؟ وكيف لي أَن أختارَ؟! وكلُّ ما في هذهِ الغرفةِ يحكي شيئًا عنِّي، أَنطبعُ به وينطبعُ بي... هذه الغرفةُ هي عالمي الذي احتضَنني بغربتي واغترابي، بأَناي المكبوتةِ، التي شوَّهَتْها روحُ الجماعةِ... تلكَ الأَنا التي حرصْتُ عليها وحرصْتُ أَن أُفجِّرَها الآن بقرارِ الرحيلِ - الحياةِ.

كيف أَختارُ وكلُّ أَشيائي هي كصوتِ فيروز، ملتصقةٌ.... ملتحمةٌ جذورُها بجذوري وملازمةٌ لها؟

وكالحَملِ، بعشوائيَّةٍ تامَّةٍ وبحركاتٍ متسارعةٍ تسبقُ التفكيرِ أُكدِّسُ كلَّ حاجياتي... أَنظرُ في الغرفةِ... غريبةٌ هي أَو غريبةٌ أَنا... هي الوحيدةُ التي لا أَعرفُ إِذا كنتُ أُحبُّها أَم لا... لقد كانَتْ عالمي مدَّةً طويلةً... طويلة جدا... لقد استوعبَتْني برحابةٍ تامَّةٍ، لفَّتْني بليلِها، رافقَتْ أَطواري المتقلبةَ وجنوني وكانَت حياديَّةً حيالَ أَفكاري ومواقفي... ولكنَّها أَيضًا جزءٌ مِن هذا العالمِ المتزمِّتِ وما وجودي داخلِها إِلَّا محاولةُ حصرٍ لهذه الطاقةِ المتفجِّرةِ داخلي وكلُّ ارتباطٍ بها يعني ارتباطًا بالعالمِ الذي تنتمي إِليه.

ليسَتْ هناكَ حلولا وسطى... ليسَتْ هناك حرية وسطى... كلاهما رتوشٌ ومحاولاتُ تجميلٍ فاشلةٍ للاستحواذِ عليَّ... لرسمِ حدودي واستعبادي... وجودي في غرفةِ الحريةِ الوسطى... غرفةُ الحلِّ الوسطِ  بين التقوقعِ تحتَ المقبولِ، المفروضِ والمتَّفقِ عليه وبينَ الأَصالةِ والانسجامِ مع نفسي وروحي الحرَّةِ الشقيَّةِ المشاكسةِ... هو الموتُ.. يجب أن أتذكرَ ذلكَ دائمًا... عليَّ أن لا أنسى ذلك أبدًا بعدَ اليومِ! هذا ما قلته وأَنا أنظرُ إِلى المرآةِ وأَبتسمُ... سأَشتاقُك بكلِّ تأكيدٍ!   

والآن بشيءٍ من الحزنِ... بشيءٍ منَ الفرحِ أَتركُ هذه الغرفةَ - الحل الوسط... أَنظرُ إِليها وهي فارغةٌ مِن روحي ونبضي... أَستغربُ كم نُحمِّلُ الأَشياءَ من معانٍ فتتحوَّل بذلك إِلى سجَّانِنا أَو إِلى أَسرِنا...

أَنظرُ إِلى الحقائبِ في يدي... هي أَيضًا كغرفتي... أُلقي بجميعِ مقتنياتي التي رزمْتُها على الأَرضِ وبصوتِ فيروز أَيضًا المحمَّل على تلفوني النقال...

أُلقي نظرةً أَخيرةً على الغرفةِ فارغةِ المعاني... الغرفةُ السجنُ قبلَ أَن أَقفزَ حتَّى النهاية إِلى جنوني... إلى انتفاضةِ روحي وجسدي فأَنا من الآن امرأةُ النهاياتِ المفتوحةِ ولن تناسبَني المساوماتُ بعدَ اليومِ ولا الأَثقالُ لأَنِّي سأَمشي حافيةً على الأَحبالِ الشاهقةِ... سأَترنَّحُ عليها وأَنا أُشاهدُ دهشةَ الحياة وأَشهدُ كلَّ لحظةٍ إِمكانيةَ سقوطي وبهجةَ عبوري... سأَمشي وأَمشي حتَّى ينقطعَ النفسُ...!

2020-05-25