الأربعاء 4/10/1441 هـ الموافق 27/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
أسامة نجاتي سدر يكتب لـ"الوسط" :آخر نظرة على محيط الحرم الابراهيمي

 تتدافع الذكريات في رأس الحاج أبو أنور، مختار مربعة سوق العطارين، ويكبر الشجن في قلبه وتتيه عيناه وهو يتفقد محله الصغير الذي بدأ يخلو من البضائع، ثم السوق الذي كاد أن يفرغ حتى من المارة، يفكر في جائحة كورونا التي حرمت الحجارة والجدران في البلدة القديمة من زوارها الذين يتدفقون عليها من كافة أنحاء المحافظة في رمضان لهذا العام، أما هو فلم يبع كيلو عدس واحد منذ يومين وكل جيرانه أغلقوا محلاتهم وتوجهوا للعمل خارج البلدة بعد حظر الكورونا وشح العمل، يفتقدهم لأنهم لم يكملوا بعد حواراتهم وحكاياتهم التي لا تنتهي، ورغم صلابته وشدة بأسه إلا أن دمعة حارّة تسللت من عينيه ولا مست خده.

من يعلم أين وصل بذكرياته!!! وما الذي استعاده من مشاهد حياته، أفاق باكرا ليودع والده الذي يعمل بالفخار في حارة المشارقة، وينطلق عبر سوق العطارين وحارة المحتسبية ثم حارة المدرسة ليمر من باب الحرم الابراهيمي ويصل إلى مكان عمله، أما هو فيبدأ بتفقد البيت وري المزروعات ثم سقي الحمار والعنزتان والدجاج، ليذهب عبر سوق اللبن وحارة الحوشية وباب الخان إلى زاوية الشيخ كنفوش ومعه وعاءه اليومي لإحضار الشوربة من التكية الابراهيمية، ورغم أنه من الطلاب الشطار إلا أنه بانتظار اللحظة التي يعلن فيها الشيخ عن انتهاء الدرس وانطلاقه مع أبناء الجيران إلى التكية الإبراهيمية.

يعلن الشيخ كنفوش عن انتهاء الدرس الأخير فيسرع لكي يكون بين أوائل من يصلوا ويملؤوا الوعاء ويحصل على الخبز، يمر كل يوم من نفس الطريق عبر شارع السهلة وبالقرب من مدرسة المعارف (اسمها الابراهيمية الآن) يرى الرجال اصطفوا عند مطحنة أبو حديد لطحن القمح، ثم يصل لباب حارة المدرسة ويمر عبر أزقتها الجميلة مارا بحمام بدير ليصل لأول حارة القلعة ثم يدخل بناءً ضخما مجهزا لطبخ الطعام وتوزيعه كان فيما مضى قلعة صليبية وحوّله صلاح الدين إلى مقرٍ للتكية الابراهيمية، وكم سمع عن بَرَكة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام أبو الضيفان والمساكين وهي مما أعطى النبي عليه السلام وأصحابه حين كتب صك الإنطاء لتميم الداري، ووصية عمر حين قسم ريع البلاد لسكانها وضيفها وآل تميم الداري رضي الله عنه، ثم بنى لها الفاطميون نظاما استمر في زمن الصليبيين وتطور زمن صلاح الدين وبلغ ذروته زمن الظاهر بيبرس، والمهم أنها مستمرة حتى اليوم في إطعام الفقراء والمساكين، بل إن طعمها يغري الأغنياء وكبار البلد.

يخرج منها في رحلة العودة ليمر إلى العين الحمراء ويشرب من ماءها العذب، ويمر بجانب الحرم والزوايا والمقامات مثل زاوية الشيخ الجعبري والأرزرومي وغيرها، ويمر بجانب المدخل الشمالي للحرم يمينه المدرسة القيمرية ويساره مدرسة السلطان حسن التي كان مدخلها الوحيد عبر اليعقوبية في الحرم الابراهيمي، ليعود عبر مدخل زاوية الأشراف وحارة المحتسبية إلى بيته يحمل فرحة أداءه الواجب ووجبة الغداء الوحيدة لعائلته.

"قلبي على بلدتي وروحي تعلقت بكل حجر فيها، ولما قرر الملك حسين إزالة حارة المدرسة وجزء من حارة المحتسبية لإظهار الحرم فقدت جزءا من روحي وحياتي؛ فقدت طفولتي وانهمرت دموع عيني وملأت وجهي وهم يهدمون القناطر والأحواش والبيوت ثم الدكاكين والحمامات والزوايا، كل ذلك ليظهر الحرم؛ ورب الكون أنه كان ظاهرا بالحارات أكثر منه اليوم؛ وكان محروسا بأهلها واليوم لا حارس له ... لا حارس له" واقترب أذان المغرب الذي لن يُسمع من مآذن الحرم إلا يوم تحرير القدس والخليل؛ قرر الشيخ أن يعبر الحاجز العسكري ويمر إلى ما يسميه الناس حديقة الحرم وينظر إليها بعينيه التي كادت أن لا ترى إلا بعين البصيرة.

قررت حكومة نتنياهو مسلوبة الشرعية، إلا من قطعان المستوطنين المتطرفين المملوئين بالحقد على شعبنا وتراثنا ومستقبلنا في الخليل والضفة، إضافة جريمة جديدة لجرائمها المتعددة بمصادرة حدائق الحرم الإبراهيمي في الخليل بذريعة إنشاء ممر للمعاقين من اليهود خلال باحات الحرم الابراهيمي، ولعلها الحلقة قبل الأخيرة من مسلسل مبني على ادعاءات لا أساس لها بالرغم من انعدام الإثارة فيها، فُرض حظر التجوال على أهل الخليل مباشرة بعد دخول قوات الاحتلال الإسرائيلي عام 67، ولم يسع وزير الحرب موشيه دايان الصبر ساعاتٍ لإثبات نظرياته التوراتية، فأدخل طفلةً صغيرةً مع كاميرا إلى مغارة الأنبياء لكنه ورغم مرور سنوات لم يعلن عن النتيجة حتى الآن، وواصل محاولته الوصول لنصر استراتيجي تاريخي يصور للعالم أحقيته بالمكان بحفر نفق بجانب الحير إلا أن فرحته لم تصل لا إلى المحافل العلمية ولا حتى مجلات الأطفال، وفرض على الخليل السماح لليهود بزيارة الحرم والصلاة فيه، ومضت الحلقات التالية بين شدٍ وجذب بين المسلمين والمعتدين الصهاينة، إلى أن وصلت الحبكة إلى ذروتها بمجزرة الحرم الابراهيمي على يد (طبيب) متطرف يدعى باروخ غولدشتاين لتنتقل الأحداث إلى واقع مؤلم تمثل في تقسيم المسجد بحيث يصلي المسلمون في جزء من القسم المسقوف (الاسحاقية) وتترك الدوحة الإبراهيمية واليعقوبية واليوسفية(مدرسة السلطان حسن أو العنبر) لليهود.

أما الساحات فقد استولوا عليها بأكملها وتركوها ليرتع بين أطرافها المستوطنين والسياح الذين يدخلون بتنسيق إسرائيلي، وأغلقوا الباب الجنوبي القريب من العين الحمرة في وجه المسلمين وسيطروا على البوابة الجديدة وخصصوهم لاقتحام المستوطنين، ووضع حاجز عسكري يعيق الناس أثناء العبور عبر البوابة الوحيدة المخصصة للمسلمين ومن زارهم، والأدهى من ذلك أنهم فصلوا حارة القلعة (حارة جابر) وحارة الجعبري وحارة المشارقة (حارة السلايمة) عن حارات قلب المدينة، أي أنهم قسموا البلدة بين حارات تقع في محيط الحرم (غربيه وشرقيه) وحارات المدينة الشمالية والجنوبية مثل العقابة وبني دار وغيرها.

إسلامية الحرم الابراهيمي لا تقبل المساومة ولا تحتمل التفريط، وواقعه الذي يوحي بنزاع حول أحقية الملل السماوية بإبراهيم عليه السلام غير واقعيٍّ تاريخيا ولاهوتيا، فهو أبو الأنبياء ورائد التوحيد في العالم وأي كلام عن نسله لا يجب أن يُغفل ذرية إسماعيل عليه السلام ولو لم يدفن هناك لأمر قضاه الله، وقد عاش عليه السلام، بلا خلاف، قبل نبي اليهودية والمسيحية والإسلام، وبالرغم أن دعوتهم واحدة إلا أن أولى الناس به من انتسبوا إليه ابتداء بنصوصهم القطعية وثبتوا على نهجه وطريقته، والأنبياء من آدم إلى محمد جمعوا الناس على التوحيد ولو اختلفت الشرائع وهناك شبه إجماع بأن أجسادهم التقت هنا، فهو ملتقى للملل والحضارات وليس كمثله مَعلَمٌ جمع البشر جميعا بكل أطيافهم واختلافاتهم.

 أنطى (أعطى) رسول الله بيت إبراهيم لراهب مسيحي هداه الله للإسلام من سكان هذه الأرض، طلبها لأنه علم قيمتها عند الله والمؤمنين إلى قيام الساعة ولا زال قيّمها وذريته حتى اليوم، ولقد عمل الصحابة والتابعين على الوفاء بذمة النبي وعهده لهم، و حافظ المسلمون على سنة إبراهيم الخليل في إطعام الضيف وإكرام الناس، فكانت التكية الإبراهيمية غرب الحرم الابراهيمي كأقدم مؤسسة خيرية استمرت في العمل رغم تغير الدول والحكام مسلمين وصليبيين حتى اليوم، وقدمت خدماتها لضيوف المكان وقاطنيه من مسلمين وغير مسلمين، وكان لها الأثر في الحفاظ على قدسية المكان وأهميته الحضارية والدينية، وانتشر بقربه الزوايا والمدارس والأربطة والخانقات، والتصق بالسور الحارات والخانات والحمامات والمحال التجارية وأصحاب الصناعات إلى أن ظهر أمر الهدم بحجة مشبوهة قبل سيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلية بعامين.

رد فعل المؤسسات الرسمية والشعبية الفلسطينية على مصادرة الحدائق والساحات لا يذكر، واهتمام العالم الإسلامي والعربي بالموضوع سيكون وصمة عار على الجبين، فكورونا لا تمنع المؤسسات الرسمية الفلسطينية من شرح مكانة المسجد وأهمية الحدث وتداعياته المستقبلية على رابع مسجد في الإسلام حسب بعض الآراء، وبيانات الرفض من المؤسسات الإسلامية في كل أنحاء العالم لهذا الاعتداء، والضغط من قبل فلسطين والدول العربية على منظمة اليونسكو ومطالبتها بإدانة العمل الذي يتم تحت سمع وبصر العالم، أما سبل الاحتجاج الشعبي فيمكن أن تتم عن طريق فعاليات محدودة العدد ومستمرة يومياً وحملات عبر صفحات التواصل الاجتماعي ولافتات تعلق في محيط الحرم والسفارات الفلسطينية والإسرائيلية في العالم أجمع، أما إذا استمر الصمت المريب فستكون الخليل "حرمها وبلدتها" هدية لنتنياهو وغانتس فوق ما ينوي ضمه من الضفة والمسجد الأقصى المبارك.

2020-05-27