الإثنين 16/10/1441 هـ الموافق 08/06/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
أدبُ الاغترابِ , تجربة الشاعرعلي الدليمي أنموذجاً قراءةٌ نقديةٌ في ديوانِ ' لمْ يأذن الشوق'...../بقلم منار القيسي

 

المقدمة:

لقدظهرت حركة تجديد للشعر العربي (الشعر الحر) في منتصف القرن العشرين بعد مرحلة طويلة من التخلف والانحطاط  دامت منذ سقوط الدولة العباسية سنة 656 هـ  الى عصر النهضة وكان شعراء هذه التجربة يسعون الى التجديد وكما عُرف عن زمن الازدهار , لذلك فقد قلدوهم في  لغتهم وصورهم الشعرية ,ولكن اختلفوا عنهم باغراضهم الشعرية وشكل القصيدة, لكون تلك الاغراض لم تعد قادرة على التعبيرعن المتغيرات  وتطور الأنماط الحياتية ورتمها, ومن اهم خصائص تلك الحركة استعمالهم لغة جزلة رصينة  ,قوية ..ونجحوا بتخليص الشعر من الايغال في ضروب البديع والتصنّع والزخرف اللفظي ومعارضة الشعراء القدامى في الوزن واللغة والأسلوب,  ومن ابرز رواد تلك المرحلة :نازك الملائكة , بدر شاكر السياب,عبد الوهاب البياتي , بلند الحيدري  وصلاح عبد الصبور, محمود درويش ونزار قباني.. واخرين.

ولابد  أنْ  نذكرايضاً تجارب ( شعراء المهجر) مثل   (جماعةالديوان, جماعة ابولو, والرابطة القلمية التي أسسها كل من جبران خليل جبران و إيليا أبو ماضي, ميخائيل نعيمة ) واخرين خارج هذه المدارس  مثل الشاعر  رشيد سليم الخوري ..ولقد انهار الأدب العربي المهجري واتجه إلى الزوال بعد أولئك الرواد الافذاذ 
  والأسباب كثيرة,  منها وفاة أعضاء الرابطة القلمية في نيويورك وعودة ميخائيل نعيمة إلى بلده لبنان، ثم الانهيار الآخر في أمريكا الجنوبية حين عاد إلى الوطن بعض اقطاب" العصبة الأندلسية" في البرازيل أمثال: القروي ونصير زيتون و إلياس فرحات والرابط الأدبية في الأرجنتين، أمثال: جورج صيدح..

و توفى إلياس فرحات وآل المعلوف ونعمة قازان وفليب لطف الله وميشال مغربي وغيرهم، وبهذه الأحداث انطوت صفحة جديدة في تاريخ أدبنا العربي ,ليترك بصمات مليئة بالانجازات تضاف إلى الموروث الثقافي العربي والعالمي ..

وفي وقتنا الحالي ظهرت تجارب شخصية لعدد غير قليل من المغتربين منهم  الشاعر علي الدليمي ..و بكل تأكيد إن شعراء المهجر من الرعيل الأول قد أسهموا بشكل فعال في إرساء قواعد النهضة الشعرية في عالم عربي مايزال يعيش محنة التخلف والانحطاط ووبال الأمية والبؤس المدقع، فضلا على الاحتلال الأجنبي فقد تركوا أوطانهم في مرحلة مبكرة من حياتهم بسبب الظلم الاجتماعي والسياسي والديني وبسبب شظف العيش والبحث عن حياة أفضل. 

*العرض: سنضع فرضيتنا الخاصة عن تجربة الشاعر علي الدليمي وحسب المعطيات وما نضح عنها من خلال القراءة المتأنية لمجموعته الشعرية "لم يأذن الشوق".. إذ حددنا  إنتماء المجموعة لــ"تجربة سؤال الذات". وسنثبت ذلك من خلال ما سنتناوله في هذه القراءة , وكما هو معلوم إنَّ خصائص تجربة سؤال الذات:التعبير عن الذات , التعبيرعن الوجدان والهروب الى عالم الطبيعة .اما فنياً فتجلت سماتها :باللغة السهلة , ومن الناحية الوظيفة للصورة الشعرية فكانت تعبيرية , أمّا البنية الايقاعية :عكست ذات الشاعر وانفعاله وهيمنة الضمير المتكلم في اغلب النصوص.

*المتن: لم أخترهُ لإعتبار الصفوة أو النخبة أو الصنف الأول , بل من وسط الأدباء المغتربين  و عامة شعرائهم , لهُ ما لهُ, وعليه ماعليه, يتضمن الديوان ( 33 )نص , وتوزعت التفعيلات التالية :( 23 الرجز, 7 الرمل, 3 الهزج), و استند الشاعر الى التذكّر الوجداني وتداخل قنواته وابتعاده عن التسلسل الانثيالي المنطقي في علاقاته ضمن الحالة الأساسية , وتجلّتْ ظاهرة التضاد الثنائية أو ظاهرية التناقض في نصوص المجموعة , فاتخذت مساحة خصبة لانتاج نص ميلودرامي يتمتع بالمرونة والانسيابية وتمكن الشاعر الإمساك بزمام الدايلوك دون ان ينفلت منه الى تشظيات خارج سياق النصوص ,وكذلك بخيوط آلية التشويق بشكل جعل عناصر " الحبك والتشويق"لاتستند على مبررات تقنية آلية  وما تخلقهُ من مفاجئات حدثية,بل نبعت من جوهر الحياة الوجدانية له ووضعيته النفسية. وانَّ نصوص المجموعة بأغراضها واجوائها تحددتْ بالمستويات (الفنية , الدلالية, واحيانا السياسية), وتستمر إشكالية الفرح والحزن وصورة المعاناة الذاتية الصميمية  وانبعاث اللاشعور المخزون والتي توحي بيأس مطبق يشدد الخناق على الشاعر ويذكرنا ذلك بقصائد الشاعر المهجري الكبير بلند الحيدري وقصائده التي تثير  الألم والشجن في ديوانه " خطوات في الغربة" ..فالنص لديه على صلة وثيقة  بالعالم الذي يحررهُ من عموميتهِ, فهو ينخرط في غمار يُعبر من خلالهِ إلى ما وراء العالم وانزياحه عن مكوناته التي تزيد الذات الشعرية وترسم معالم النص كقيمة  تفلت من قبضة التعميم لتندفع الى فضاء التشخيص والاستنطاق , ونلاحظ حضور مفرط للمرأة (الحقل الدلالي الثاني و المهيمن في ثنائية التضاد), لكون المرأة محك إختبار خطير للابداع والثقافة والسياسة , وهي الخيار الأمثل لشاعر يريد قلب نظام الأشياء وكسر قشرة الكون ,فهي بالنسبة لظروف المجتمع العربي التقليدي صارت تشكل عبرالتاريخ حصان الرهان الذي ينتقيه المبدع والمثقف ليثبت جدارته بالحيازة على لقب التحرر والثورية الحضارية , لذلك اتجه الشاعر بادواته الشعرية في تجربتة للخوض في هذا التحدي , وتلك محاولة للرقي بتجربته لتكون بالمستوى الذي يرتضيه وليزاحم على  المتاح من مساحات المشهد الثقافي العربي المكتظ , وهو مايصبو اليه الشاعر..

التحليل: التراكيب اللفظية للمجموعة حاكت او حاولت ان ترتدي جلباب الأسلوب القباني من حيث المباشرة والافصاح عن الجوهر دون الاسهاب واللف والدوران حول بؤرة النص  للوصول الى الجوهر أو الغاية التي يريد الشاعر أن يقحم المتلقي بها دون ان يجعلهُ يُصاب بالملل أو الشرود وفقدان الانتباه عن الفحوى , بل منح شفرة النص بيسر لكي لايقتل حالة الاستمتاع لدى المتلقي وهو يعيش نشوة المتابعة والانغماس في استرسال النص وانسيابيته ودون المساس بمقومات النص الناجزكما في ( صوتها/ مازال يغزو/بالحنين مسمعي/بين كفّيها دعاءٌ/ كان يُشفي عند لمس وجعي...ص57) , ياء المتكلم تدل على الــ(أنا) المتفوقة لذات الشاعر مثال( قصيدة أغرى شهيقي عطرها-ص66), كما ان  الجمل الخبرية توازت مع الجمل الانشائية مما يعبر عن حالة التذبذب لدى الشاعر من الناحية النفسية بين الثبات  والتوتر والقلق من ناحية أخرى يضاف الى ذلك حالة الخوف الذي يعلن عنه في نهاية النص بشكل مباشر( فصلى ناسكاً فيها/ صلاة الخوفِ والتقوى -ص27) ,ونلمس آهة كتومة يحاول الشاعر ان يطلقها للتخفيف عن الذات المعذبة المتألمة, ومن دون ان ينتبه حيث استخدام حرفين  (الالف والهاء) بشكل دائمي وكنهايات للمقاطع الشعرية "ها "وفي كل النصوص) مثال( لها, فمها , عطرها,صوتها,وصلها,دمعها,فيها,ظنّها....الخ)و  وكما معلوم حرف الهاء من الحروف الضعيفة, والالف من الحروف القوية وبالتالي نلمس عملية مزاوجة , من الإيقاع المنخفض  والى الإيقاع العالي, وهذا يفسر لنا حالة الشاعر النفسية المتباينة بين التوتر والثبات ..وإنَّ استخدمه للفعل الماضي للدلالة على الاستمرارية للاحداث أوللإيقاع للذات المغتربة ,و يختتم الشاعر المقاطع بالسكون ليعلن توقف اللحن,ولم يترك لنا ضمن التشكيل الكتابي عدة نقاط  كما هو مألوف في هكذا تجارب , لدعم التوقف ومنح المتلقي أو فسح المجال لهُ للتأويل والتفكير,ولا يفوتنا ان نشير الى  انخفاض وتيرة الإيقاع باستخدام الحروف الضعيفة  ثم يرتفع بعد ظهور الأحرف القوية (ظ,ض,أ,ق,ج,د) هي عبارة عن حالة توليد الايقاعات التي ارتضتها ذائقة الشاعر , و الوزن جملة موسيقية ثابته عكس الإيقاع الذي أفرط فيه الشاعر , أمّا الإيقاع هو السحر الكامن وراء الكلمات لاتراهُ العين ولكن تحسهُ نفس المتلقي...

امتازت نصوص المجموعة بالتدويرللمقطع الشعري وباستخدام بدائل التفعيلة , واقحم الشاعر بعض المقاطع بالضرورات الشعرية التي كان بامكانه ان يتجاوزها بكل  يسر والتي ربما يظنها بعض المتلقين كسر في الإيقاع  (الخرم والخزم...وضرورات أخرى) كما في(صورتها/ في العينِ نوراً رسمت ..ص21 ) و(جعلت عمري ربيعاً ..ص16) حيث اسقط سبب خفيف من أول تفعيلة " مستفعلن " ودون مسوّغ .. وكان بالإمكان ان يضع أداة "إذ" أو أي حرفين لتستقيم التفعيلة كاملة ودون اللجوء الى الضرورة الشعرية , أما الحقول الدلالية فلم تخرج عن حقلين , الحقل الأول( الذات الشاعرة بمعنى الأنا:ياء المتكلم,انا,أكتبُ,أملكُ,قرأتُ, اكتمُ,أحفرُ,يلفّني, ساعلنُ,يبكيني, يبليني,اناديها,أيام عمري, أحنُّ...الخ ) والحقل الثاني كان يشير إلى  الــــ(هي بصورتها المباشرة او غير المباشرة أو بالتشبيه:عيونها,لها,روحها,أطيافها, محرابها,اعتلتْ,ملاذ, جنة,سحرت, امسكتْ,قالت, دموعها, عاندت,تمنّعتْ,شفاهها,كأنّها ريمٌ,أميرةٌ, خذي,لترتاحي,اخرستْ لغتي,...الخ ).ومن خلال هذه الحقول الدلالية نلمس علاقة التوتر بينهم  (التكامل والتنافر ,الانسجام , التناسب) والتي أُنْتِجتْ عن حالة القلق والحزن والحيرة والحنين والشوق التي انتابت الشاعر.

*الصور الشعرية  مستحدثة  وتوازت مع الموروثة بشكل أو بآخر, تجلّت بلغة بسيطة  مفهومة وبتراكيب لم تعتمد الانزياحات القوية  في الصورالشعرية  المستحدثة ولم توغل في الموروثة , اذ كان للرمز حضوراً  (مع انعدام الأسطورة) ومن المتوجب أنْ تكون السمة البارزة للغة الصور الشعرية المستحدثة  في النصوص . ولا يجب ان نتغافل حالة التوازي مع الاستعارة باشكالها المتعددة( المطلقة والمجردة والتشبيه) والتي أعطتْ المجاز اللغوي دفق فني ومعنى عقلي عاطفي مُتَخيّل للعلاقات الانسانية ومع الطبيعة وبمختلف الأساليب  بالمشابهة التي تحول الدلالي من جماد الى حياة وهو ماأكسب الاستعارة ابعاد  ايحائية وتخيلية جديدة, عن طريق التجسيد والتشخيص او حتى اظهار حالة التجريد,  فبدتْ هنا  الصور الشعرية حسية وأدّت الوظيفة التعبيرية , في ذات الوقت حملت السمة التجريدية الذهنية بشكل مقتضب .واما من ناحية الجمل و الأساليب فكانت الهيمنة للجمل الخبرية وتفوقها على الجمل الانشائية, فكانت تدل على الاخبار والوصف , توكيد سردي وحكي وحجاج لغوي تضمن التعريف والتفسير والتوكيد والمقارنة , و أدت وظيفتها التعبيرية الانفعالية..كما ان الصور المؤتلفة بمجموعها أعطت طاقةً شاعريةً خلاقةً، وهذه الصور المركبة منحتنا صورة كلية  اجتمع فيها القلق والانفعالات والتوتر واتشحت بها حالة الشاعر النفسية  , ونجحت مكونات الصورة لدى الشاعر  في حسن اختيار الالفاظ التي عبّرتْ عن الوجدانية كـ(اللغة), وظهرت قدرة  الشاعر على توليد صور تثير خيال المتلقي  , وتمسك به عاطفياً ...وإنَّ المماثلة بين أمرين أو أكثر عن طريق إيجاد علاقة الوشائجية والتشبيه ,حقا لأمرٍ شاق جدا وهكذا عمل ليس بالأمر الهيَّن..ولابد ان نشير الى  الصور الشعرية للنص كان لها معنى عقلي عاطفي متخيّل لعلاقة بين حقلين دلاليين هما: الحقل الدلالي الأول (الذات الشاعرة الأنا) والحقل الدلالي الثاني الأخر الـــ(هي) أو مع الطبيعة بتجلياتها , ولقد تم تصويرهما باساليب عدة , اما عن طريق المشابهة أو التجسيد أو التشخيص ,التجريد في احيان اخرى,وبذلك كانت الصور حسية اكثر مما ان تكون تجريدية ذهنية..وجميع نصوص المجموعة تنضوي تحت مظلة تجربة (سؤال الذات وإن جنحت بعض المقاطع الشعرية إلى تجربة ( تكسير البنية وتجديد الرؤيا) فادت وظيفة جمالية ايحائية وبنفس المستوى تعبيرية.. ولايفوتني ان اذكر ان اللغة الشعرية لم تخرج عن الاسلوب المباشر والعادي وفيها شيء كثير من الإيحاء..وقد أدت الصورة الشعرية  وظيفة جمالية تعبيرية وهي من وظائف تجربة سؤال الذات..كما ظهرت لنا وظيفة تأثيرية تمثلت باستفزاز المتلقي حيث تصوير المعاناة والسعي بكل الوسائط الاسلوبية الى التأثير واستمالته.

الانماط كانت تتراوح مابين نمط  تفسيري شرح العلاقة مابين دالتين ,ونمط  سردي  وذلك من خلال استخدام الأفعال الماضية والمضارعة لوضع المتلقي في خضم الاحداث (أفعال حركة),طغيان الجمل الخبرية والروابط والظروف.

إما البنية الإيقاعية لنصوص المجموعة فتراوح أمرها بين إيقاع خارجي وآخر داخلي، مما أعطى النص موسيقى عالية الوتيرة استساغتها الذائقة بكل ارتياح،  فالإيقاع الخارجي  مثَّل شكل القصائد ونظامها، إذ كان ( تفعيلي/  الرجز والرمل والهزج) لم يعتمد القافية الموحدة ولا حرف روي موحد، وخرجت التفعيلات  عن شكلها الأصلي إلى بديلتها  واستخدم الشاعر أسلوب التدوير واستعان ببدائل التفعيلة الاصلية و بالضرورات الشعرية . إما بالنسبة للإيقاع الداخلي، لقد اعتمد شاعرنا إضافة إلى مفهوم التوازي التركيبي في المقاطع الشعرية وفي مواضع عدة من النص الواحد ، اعتمد حالة التكرار سواء التكرار الصوتي أو اللفظي أو تكرار الجمل.كما يمكننا القول أنه قد رافق التوازي التركيبي توازٍ آخر على المستوى الصوتي والإيقاعي، وشمل هذا التكرار والألفاظ والعبارات والصيغ الصرفية والتجانسات الصرفية، وتوازٍ دلالي أيضا قام على الترادفات وأحيانا على التضاد أو التناسب. من الأمثلة على التكرار الصوتي هو تكرار حرفي  (الالف والهاء).وكما هو معروف حرف الالف ينتمي الى مجموعة الاحرف القوية والهاء الى مجموعة الاحرف الضعيفة , واللذان شكلا إيقاع توليدي للموجات الصوتية " التذبذب" لتوليد إيقاع يعبّر عن حالة الشاعر النفسية بين الثبات والتوتر فصيَّر التناغم الى حالة من التجانس واضفى على الإيقاع شحنة دافقة من الحيوية.

كما أن وضوح حالة العلاقة الجدلية بين الذات و الآخر ,والذات مع الذات الشاعرة
إتّخذت صفة ( الغربة أو التغييب) و اشكالاً متعددة داخل النص(الحزن, الوجع , الخوف ,الموت ,الزحام ,الظلام , الضياع والهروب بحثاً عن الصمت ) وكما ظهر جليا في اغلب المقاطع للنصوص..وإذا استطعنا تفكيك الصور وبناء معنى على انقاض عالم الواقع للشاعر و الذي يكشفه المعجم في دلالته اللغوية الاصلية لتبين لنا ان الخيال الاسترجاعي  باستخدم الصور المتداولة  والتي استقاها من ذاكرتهِ, و الخيال التوليدي للشاعرالذي ابتكر صور جديدة مولّدة مع الحالي لِيقنعنا باننا امام نصوص جديدة تلتصق بدواخل الانسان واعماقه (اغتراب الذات أو التغييب,الحزن , الشوق, الخوف, الشكوى والفراق) وتنفتح على التجربة الإنسانية بشكل عام .
ولا يفوتني أن أذكر أن الانزياح بشكله  البسيط  رافق أغلب المقاطع الشعرية للنصوص، والرمز نال حظه في التواجد وأدى فاعليته، لكن لم يسجل النص أي توظيف لعنصر للأسطورة، وقد سجّلت النصوص  بتفاصيلها دهشة فنية موفقة، منحتنا لذة المتعة ونحن ننتقل بين خطوط وألوان لوحات مائزة أبدعها شاعرنا علي الدليمي.

تظهر المقاطع في اغلب النصوص  سيادة الصيغ الفعلية الدالة على درجات متفاوتة من الحركة او السكون مما يؤدي الى تصاعد التوتر بين القطبين النقيضين من ناحية ومن ناحية ثانية مجالدة الذات كي تستمر في تشبثها بحقها الوحيد المتاح في شكلٍ ما من اشكال الحرية, واعني حرية حركة الخيال,

الخلاصة:من خلال تجربة علي الدليمي  الشعرية أنهُ وضعنا بشكلٍ مقنعٍ أمام (الذات ) وهي تتحدث لحظتها الشاعرية الشفافة باتقان , ومحاولة اللملمة لشتات تشظيها  من أجل المحافظةِ على كياستها وكبريائها فشكّلت محوراً تتحلق حوله الاحداث المسكونة بالدفق , وامام  بوابة " الحبيبة " حاول أنْ يطلق لشفتيه عنان النطق  لكن خانته المعاني ولم تبح بكل ما يريد, فحمل معاناته , ترسبات الوجع الكثيرة , وايقن انه لامنقذ للروح المعذبة , فتسلل الإحباط لحظة ادراك واعية لمسارها  لتكاشف الذات بخساراتها واسرافها في تصنّع غد أفضل للقاء الحبيبة ..وتبقى الذات المعذبة معلقة بين نارين..الحب الأول  يرفض ان ينأى, والذاكرة التي لم تستطع ان تتغافله على مضضٍ , إذ هو مقلقها..والمسافات مدايات قد تعني الغيبة, والبعد لايزيدها عزوفاً فقط ,بل يرهقها بالاستحالة ..

 الشاعر علي الدليمي حاول الرقي بعالمه الشعري المتفرد من خلال هذه التجربة , فاستوحى و استقى رموزه واشاراته المتفرقة  الى حالة اليقظة وضمن حدودالمألوف من الحالة الشعورية.. وكما عبرت عنها تكويناته التعبيرية والتلميح كتكنيك فني معاصر وكنقلة هامة في الشعر  , ولكونه يدرك ان التلميح او الإشارة سمة قادرة على شد انتباه القارئ واثارة وجدانه وربما استدعاء الذاكرة لما تختزنه من ارتباطات..وكما هو متعارف عليه ان تكنيك الإشارة هو نمط يسلكه الشاعر ليقدم  له عوناً كبيراً لتركيز مايريد قوله وتكثيف بنائه التعبيري كما في "ص-39 "(كلُّ الاماني رخصت بداخلي/الا هواها/في حنايا الروح عندي قد غلا/ يغفو بقلبي هانئاً/آيات ذكرٍ/ في عيون الحاسدين قد تلا/), ولقد وظَّف الشاعر هذه الطريقة في التلميح لأكثر من مرة للتعبير من الذات المعذبة  والتي تفجر في داخله مشاعر ممتلئة بما يفضي الى تجدد واستمرارية الوجع واضطراب الروح الحائرة (أحنُّ/في صمتٍ لها/فتنتهي بعبرةٍ خانقةٍ , اقلامي) " ص-31", ومن الملفت ان الإشارة لم تختبي تحت جلد القصيدة لديه بل تتفاعل بشكل كافٍ لتضفي لجو المقطع الشعري مسحة الحنين الى المكان والزمان وبذلك تحرك ذاكرة المتلقي فتزيح غموضها عن شفافية  تسمح لهُ ليشارك في تجربة الشاعر بشكل اعمق.

خلت النصوص من بعض المحسنات البديعية مثلاً في اللفظية غاب الجناس التام والناقص والتصريع  واقتصر الامر على السجع , وأما في المحسنات البديعية المعنوية فقد اكتفى الشاعر بالتمثيل (الحاق الشيء بالشيء), وهيمن التشبيه بكل اقسامه (المؤكد, المفصّل,المرسل,البيلغ, والمجمل) , و يُؤاخذ على الشاعر تجاوزهُ عن  صلته بالموروث وبكل مايتضمنه من إثراء  فاحتضن الماضي ولم يستدعي الموروثات من أسماء وأماكن  لربّما باعتقاده انها قد لاتؤدي وظيفتها الفنية وتحقق إنسانية الذات الشاعرة التي يطمح لها وحتى لاتطغى على صورة الحبيبة او اغراقها في الظل او التلاشي  وكذلك عدم الاهتمام بتشكيل الحروف لاغلب المقاطع  واستخدام الضرورات الشعرية(الخرم والخزم... وضرورات أخرى قد يظنها بعض المتلقين انها كسر في الإيقاع او اللغة) و التي كان بالإمكان تجاوزها ( وهذا برأيي قصور من لدن الشاعر) كما ورد ذكرها سابقاً.

سجل التضاد الثنائي مضمون مايحملهُ في ذاكرته المتعبة عن ذاك البعيد الذي اسمه (الحبيبة), و رسم مايقطع به  شاسع مدى الشوق ,الحلم الذي ظمأت له الروح فكانت ثيمة لكل النصوص في المجموعة , والمتكشف لنا اننا لو أغفلنا عتبات العنونة لكل نص فاننا نجد أنفسنا امام نص ملحمي طويل متجانس لايشوبه أي انقطاع من حيث انسيابية المخيال ويمكننا ان نلمس جسد هذه الملحمة كوحدة واحدة شكلاً ومضموناً.

من خلال كل المعطيات التي ذكرناها ومن خلال ملاحظة  عتبة العنوانة  والتي حملت شفرة مهمة للدخول في المتن (حيث يعد العنوان في الاعمال الشعرية كافة نصاً محيطاً بالنص الكلي),  نلمس ان الشاعر اعتمد الشطر الشعري  الواحد واندرج نتاجه  تحت تجربة (سؤال الذات ) ,والتي ظهرت جلياً من مضمون الديوان ومن الحقول الدلالية المهيمنة والمعجم المرتبط بها والعلاقة بينها ومن خلال خصائص النصوص من (الإيقاع والصور والأساليب ) والتي بمجملها إضافة الى عوامل أخرى ولّدت لدينا الاقتناع بان نصوص الديوان تنتمي  الى تجربة(سؤال الذات) . اذاً صار جلياً لأن نتوافق مع فرضيتنا التي اقترحناها في المقدمة  أنّ المجموعة تنتمي الى تجربة " سؤال الذات " وبامتياز..

ويبقى السؤال الذي يداهم واعيتنا, بعد ان حقق الشاعر ما يصبو اليه , هل حقق للمتلقي ما يبتغي ؟..وللاجابة على ذلك من المؤكد سنجدها بين صفحات ومفصلات المجموعة الشعرية (لم ياذن الشوق )....انتهى 

2020-06-07