الإثنين 16/10/1441 هـ الموافق 08/06/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الجزء الاول ....تمامنا عاد! ‘مهداة إلى روح ستي تمام الطيراوي’ / إيمان بكر حمدان

 مهداة إلى روح ستي تمام الطيراوي

تمام.. إعلان صامت - يذكر بحظر التجول - بانتهاء إنجاب الإناث، وأدٌ فاق الجاهلية كفرا..

والتمام كمال..         

جدتي الراحلة. الراقدة في سراديب الذاكرة ناقمة على آلاف التفاصيل الغارقة في أعماق حياتنا، الطافية على سطح واقع يتسع فيضيق، ناقمة دون أن تجدف في تيار الثورة، دون أن تنضوي في ظل أيدولوجية، تشبه الزنبق إذ يشق الصخر لا لشيئ، إلاّ ليزهر.

غاضبة - دون أن تصرّح - على هامش وضعت فيه النساء صاغرات مرغمات، أطمئنها أن الحكاية لم تنته بعد..

وهذا المكان هو إعلان لاختراق الهاوية ببردها وظلمتها لرفعها نحو تمام بمنحى الكمال، لا الانتهاء، والزوال.

 

للذين أخطأوا بالاعتقاد أنها لم تكن حاضرة سوى على حبل غسيل، ورغيف يغازل وهج الفرن، قابضة حجر الرّحى في جاروشة تطحن قمح البلاد.. ستجدونها هناك في ظل ياسمينتها العتيقة، فوق مصطبة تشققت قطعا قطعا كخريطة الوطن، فنبت العشب متحررا كجدار فاصل حول التشققات المتزايدة.. وقد فرشت ستي حصيرتها من القش الملون بالألوان الأربعة لتغطي بشاعة التشققات وتخفي نشوز العشب الضار..

كنت أغفو كفرخ حمام مستسلم، أضع رأسي على باطن ركبتها وهي متربّعة، أه لو كنت أدري في تلك اللحظة السحرية كم أنا محظوظة بتذوقي طعم الفرح الخام، والسكينة الخرافية، لتريّثت قليلا ولم أندفع نحو عمر الأمومة التي كان حلمها يراودني لأعدّ الأشياء بجمالها وأناقتها كما كانت تفعل ستي.. كنت تراجعت عن توسلاتي اليها: "ستي الله يخليكي، خلّي أبوي يشتريلنا تلفزيون"! وهي تراوغ في إجابتها  متهربة نائية عن  الحقيقة -فهي تعرف أن  يد أبي بالكاد تأتي بما هو أهم- فتقول: "ولك يا بنيتي، شو بدك بالتلفزيون؟ ما فيه غير قلة الحيا!"

لم يكن في حارتنا سوى تلفزيونا واحدا تجتمع نسوة الحي مساء كل يوم جمعة لتشاهدن " قلة الحيا" في فيلم السهرة العربي الذي كانت تبثه القناة الإسرائيلية! لو كنت  أعرف يا ستي أني سأضطر إلى مشاهدة هذه التفاصيل البشعة من مشاهد "قلة الحيا" وقلة الوجدان، وقلة الإنسانية التي أشاهدها اليوم مكثفاعلى الشاشات وتحت الشاشات، لكنت أطلت غفوتي في حضنك الدافئ المعطر ولتحملت قليلا "زمّات شنتيانك" وهي تلتصق بخدي الطري تاركة عليه علامات حمراء صغيرة تشبه تطريزاتك، لتركته مركونا على باطن الركبة ليشرب بقية الحكاية دون هواجس سوداء..

كانت تلم شعري الكثيف لتضفره جدائل وتغرس بين الجدلة والجدلة ياسمينة طازجة ليس قبل أن أرتشف رحيقها.. لو تعود أصابعها لتضفر شعري ما كنت أقصه قصة "الچرسون" التي لا يحبها أولادي، ويتذمرون دائما: "ماما ليه بتقصي شعرك متل الزلام؟"!

لكنها لم تعد هنا، لتعلمني مجدّدا كيف يرتشف رحيق الياسمين دون أن يتلاشى عطره! ولعطره حين يلف أصابع يد ستي تمام الستة، رائحة مختلفة لا أحد غيري يعرفها.. فحكاية الياسمين لا تغادرني تحلّق أبدا متعربشة ما بين حدقتي وبين أصابع ستي الغائبة.

أصابع يدها اليمين ستة، في الوسط إصبعان ملتصقان - ما حاجتها بفصلهما ؟ -فهي لن تمدهما يوما للسبّ! ستي لا تعرف كيف يشتمون!

بأصابعها الستة كانت تطرّز "الكانڤاه" فترسم عصافير وأسماكا وشجرا وحبّا.. فلم تكن تخلو البيوت الشفاعمرية يومها من لوحات ووسائد تعشش فيها أنفاس ستي وروحها السحرية. بأصابعها الستّة كانت تطرز وتحيك زوايا محارم العرسان الحريرية بأناقة اللون الأبيض "السادة"، تحيك متأنية  بالإبرة والمكوك مناديل "الأويا "بعفوية الألوان الفلاحية..، فكيف تشمخ رؤوس الصبايا الأنيقة إن لم تكسوها مناديل ستي بكامل ربيعها..؟

بنفس الأصابع الستة كانت تحرك دولاب ماكنة الخياطة التي رغم تقشر دهانها الأخضر العتيق فإنه ما زال يتدفق منها الحرير والمخمل  من بين أصابع ستي وهي تسحب من براثن إبرها الوديعة التي لا تجرح ولا تخدش، فساتين وعباءات العرائس، فهل تكون العروس عروسا إن لم تتحلّ بأثواب ستّي؟!

كنت برعما طريا عندما حلمت أن أكون عروسا لأحظى بارتداء إبداعات  ستي، وإن كان يراودني خوف أن لا أكون عروسا ذات يوم،حتى طمأنتني عندما جئتها ذات يوم "أتشهنف" بحرقة الصغار الموجعة لأشكو لها: "ستّي بقولولي يا سودا!" ضمتني بحرقة أشعلت الدفء في قلبي المجروح.. ابتسمت من تحت النظارات وقالت وهي تلاطف خدي: "قالت الحمامة يا سوادي، قال الغراب شو أقول أنا؟!"، وأضافت وخدي ما زال يذوب بين أصابعها، "يا بنيتي ياما قالولي سودا وهياني صرت ست وأخدت الحردان زينة شباب البلد!"

وتهاهي:"إحنا السمر، إحنا احمال ومال، إحنا احمال الزتون دلّى غصونو ومال، يا بيّاع الجبن رجع بحسرتو حيران، وبيّاع الزتون رجع ربحان.."

"واحنا السمر واحنا التمر بعناقو، ويا ريحنا السكر ويا سعدو من داقو، قولوا لجوز البيضا يبرّد اخلاقو، بات اللبن بالصحن ما حدا داقو" "ويا لحسة من العسل بتسوى من اللبن قنطار"...

                                                                               

إنت أحلى ست! أقول أنا الطفلة وقد تبخر وجع الجرح فتمسح بقايا الدمع بقبلة وتواصل الحكاية. لا تحكي عن الغول ولا "القرينة"... لا تذكر سوى الجنة بعصافيرها وأشجارها وثمارها، ونهر الريان  وسدرة المنتهى ..

أمام الراديو الخشبي الضخم كانت تجلس القرفصاء واضعة سبابتها على باب فمها حتى لا تسمع همسنا وهي تنتظر أن تسمع اسمه يهديها السلام "أهدي سلامي إلى أختي تمام الطيراوي، أنا أخوك سالم". .."يا خيا يا سالم  إنت سالم والا تحت التراب ما ادري بأي أرض نايم؟"

كنت أجلس القرفصاء إلى جانبها وأنتظر معها سماع اسمه الذي لم نسمعه يوما, بعد أن غاب وراء الشريط وغاب الشريط بعد حقل الألغام..

قد يكون في النبطية، أو عين الحلوة، أو صبرا وشاتيلا.. ورغم ذلك فقد أنصفتنا نحن الصغار، عندما كنا ننتظر حكم الكبار يوم اجتمعوا قبل العيد بأيام ليتشاوروا، بعد مذبحة صبرا وشاتيلا، فريق قال سنرفع الأعلام السوداء حدادا على أرواح الشهداء.. فرد فريق: لا حداد في الإسلام!..

كنا قد أعدنا ارتداء ملابس العيد مرة بعد مرة، لكن المرة الملكة لا تكون إلا يوم العيد.. وقد جلس فريقنا نحن الصغار على هامش الاجتماع منتظرين الحكم بفارغ صبر أنعيّد أو لا نعيّد؟

وصدر الحكم، عصرت عينيها وقالت "يما العيد زمان هجّ، يمكن ع لبنان..، يما ما تعيدوا، بس خلوا الأولاد تعيد. " من يومها وأنا لا أسمع تكبيرات العيد دون أن أغص ببكاء بطعم النار..

اليوم أسمع "المثققفين" وهم يرطنون بترّفع الذي لا يعرف عن الحقيقة سوى نظريتها: لم تنتج المرأة قبل الاحتلال سوى طبخا طيبا وذرية ساذجة"! ويضيفون لإغلاق دائرة النظرية: كنّ أميّات وجاهلات"!

أما أنا فأغمض عيني لأعود إلى أيامها الجميلة متشبثة بذيل ثوبها منتشية بعبق البخور المكّيّ الضائع بين الصلوات على النبي المصطفى، أراها وقد وضعت  كعادتها نظاراتها  السميكة ذات الإطار الأسود العريض، الذي اضطرت أن تلصق أحد أطرافه بشريط لاصق بهت لونه بعد أن لجم شرخ الإطار وأصبح جزءا لا يتجزأ منه ! والنسوة الطيبات يتحلقن حولها على الفِراش الممدود فوق الحصائر، مسبّحات مردّدات وراءها وهي تقرأ المولد النبوي، ويعيد الجمع النسائي ومعهم أنا: "النبي صلّوا عليه صلوات الله عليه، سينال البركات كل من صلى عليه.."

رهبةعظيمة كانت تتفجر من حنجرتها. وتشد الجفون احتراقا تحت النظارات، لتعتصر دمعا كان حبيسا، تحرره ليكرج كحبّات اللولو تنحدر متناطحة عبر أخاديد حائرة غائرة، أحدّق بتفاصيل الأخاديد من أسفل الوجنتين حتى أعلى الجبين... مأخوذة بجمالها.. أذوب بين بريق حبّات عيونها وحبّات سبحتها الطويلة.. كما اعتاد أن يذوب رحيق الياسمين بجوفي آمنا.. لم أعرف حتى هذه اللحظة لماذا كنت أذوب كسائر الحاضرات إذ يصدح صوتها الشجي بالصلاة على النبي!

الجزء التاني ايمان حمدان وهل تكون جاهلة من كانت تقرأ الجريدة بالمقص؟ قصاصات متناقضة من معايدات وتعاز وقصص.. قصتي الأولى (نامي يا حبيبتي..) في ملحق الأطفال لمجلة "الغد"  قرأتها ألف مرة وكأنها تقرأ رواية لطه حسين، أغمضت عينها وهي تعيد قراءة اسمي الثلاثي  طربة، ثم حرّرت ما تحتاج من دمع، وبحذر الخياطة قصتها وطوتها بدقّة ورقّة لا أعرف إن كان طه حسين نفسه يستطيع أن يرسمها كلاما على دفاتر الأيام!

وها أنا "متل حكايتها"، أجمع قصاصات حكايتها بباطن كفي وأخشى أن يفلت من بين أصابعي المرتجفة شيء من "خراريفها" كما كنا نخشى أن تفلت منا قصاصات جمعناها لنصنع ذيل طائرة ورقية نتبارى أن نحجب الشمس بها...

من خراريفها تعلمت قواعد الحزن والبكاء باعتصار الجفون والمآقي.. من خيطان عيونها المتسربلة عسلا مرّا أتقنت الشجن، كما تعلمت على ركبتها غزل  تغاريد الفرح، فحضنها مدرسة لأصول العشق..

أغمض إصرارا  في استمرار رحلة الرجوع المستحيلة إليها، حتى يرشقني ماء  غسيلها المتناثر في حوش البيت، من من نساء اليوم مثل ستي  تستمر رحلة غسيلها نهارا؟ ما بين الحطب والماء المبقبق، ورائحة "الأور" المغلي داخل الدست الكبير، فتنقل الأبيض ناصعا بعد أن ذابت فيه  مكعبات "النّيلة"، من دست إلى دست، ثم تدعك بيدين مخشوشنتين من أثر الدعك المضني ..

بنفس الأصابع الملتصقة كانت تعصر ما غسلت وتفرده بعناية ليلّوح كشراع سفينة العائدين مزهوّا برائحة الليمون والياسمين الممتزج بصابون الزيت الذي كانت تصبه بيديها، بذات الأصابع الأحد عشر!.. أما ما تبقى من حطب الغسيل فترفعه "بالطرحة" لترميه إلى داخل "فرنيتها" الصغيرة  لتعد لنا "صينية الفقرا" التي ما إن تحتضنها النار حتى تغمر حارتنا كلها برائحة يسمع لها صوت بل ضجيج، رائحة لا تشبهها رائحة، تجوعنا، ولا يشبعنا سوى طعمها الفريد الذي لا نعرفه اليوم. فقد جرّبت ذات يوم أن  أسترد رائحة "صينية الفقرا" تلك لكن هيهات، لم تتمكن رائحتها العتيقة أن تنتشر في الحي كما هو حال صينية ستي ،وامتعض اطفالي عندما تذوقوها  قائلين: "الهامبورغر أطيب!" يلعن أبو الهامبورغر على الكوكا كولا على "الشنيتسل"!

وعند المغيب كانت تنسى كل العناء والدعك والعصر والنشر وتمسح عن أخاديد جبهتها ما علق من تعب النهار، فتنجلي تلك الخطوط التشكيلية التي تتدلى بعفوية  على جنباتها حزمة من  الخيوط  الفضية العشوائية المتلوية كتلّوي أغصان دالية طرية حول العناقيد، وكأن اللوحة لا تكتمل بدونها.. كنت بريئة إلى الحد الذي ظننت به أن تلك التجاعيد المرسومة كحكاية لا تنتهي على جبهة ستي هي قمة الجمال، بل وحلمت باليوم الذي تنتقل فيه إليّ تلك الحكاية العميقة.. وها قد أتى، فأنا اليوم امرأة أربعينية  يقتلني الحنين إلى تلك الومضات، تلك الروائح ، تلك التململات.. وتلك التجاعيد المزهرة..

عندما ولدت قبل أربعة وأربعين عاما قرر أبي أن يطلق عليّ  اسم جدتي "تمام" لأنه اسم يستحق خلود حاملته، لكنها اعترضت ورجته بطيبتها وحكمتها المعهودتين: "برضاي عليك يمّا، بلا هالإسم، أنا سمّوني تمام حتّى ما تنعاد خلفة البنات بعدي.."! وكأنهم في هذه التسمية  يوبخون الوالدة على ما ولدت، بقولهم: "تمامك عاد خلفة بنات" ...

وقد أقنعت أبي – بكر الحردان -، أطال الله في عمره، وهو مثال للابن البار كما هو مثال للأب الحنون، بقولها: أنا إن حملت بين حروف اسمي عمري كله هذا الطعم المر فإني لن أزرعه في حفيدتي، سيكون تمام الاسم فيّ! وأنا كلّي إيمان بأن حفيدتي ستمتد من جذوري بعد أن أغيب، لتصل فروعها السماء وتثمر ما لم أثمره، عندها فقط  سأكون قد خلدت ولم انتهِ، إيماني هي ابنتك هذه!

رحمة الله يا ستي، وها أنا هذه الإيمان، مثلك في كثير من الصفات، أنا مثلك  معلمة كما كنت تتمنين، فستي كانت  من أوائل المعلمات اللاتي درّسن الصغار في دير الراهبات، ولا عجب أن وصل العديد ممن تتلمذ على يديها إلى القمم..، بعد أن فكت لهم شيفرة الحرف والرقم أطفالا.. فعادوا ليقبلوا يديها مصطحبين أحفادهم, رأيت حبهم لها عندما زاروها في آخر أيامها.. وهي  تسحب يديها ممتنعة عن تقبيلهما، فيداها بأصابعها الأحد عشر، حقل من التواضع والفطنة، والخوف من المجهول، الخوف الذي جعلها  تلف إصبعيها الملتصقين عندما تحبل إحدى كنائنها لئلا تقع عين الوحمى على عاهتها، فتنتقل  إلى حفيد لم يأتِ بعد.. نامت وهي تخاف علينا مما سنراه وكأنها كانت تعرف فظاعته! رحمة الله يا ستي حتى عاهتك تلك كانت زيادة إصبع يتقن الإشارة إلى الصواب، لم تكن نقصانا! وخوفك كان في محلّه، نحن لسنا بأمان!

تغير اسمها من ستي تمام الى الحاجة أم إبراهيم الحردان، عندما غادرها منديل الأويا الأسود واستقر مكانه النقاب الناصع الذي كانت تثنيه ذات اليمين وذات الشمال "على المسطرة".. واحتجبت الضفيرتان المتعانقتان من تحت المنديل في منتصف الظهر، وكأن خصيلات الفضة المسترسلة  قد استحت  فاختبأت في حضرة التمام .. كان ذلك بعد أن زارت حبيبها الرسول وما كانت مصدقة أنها حقا زارته..

تقترب الحكاية من التمام، وتشاء الأقدار أن تحمل ستي إلى مسقط رأسها، فإلى جبل الكرمل عادت ابنة طيرة الكرمل تمام مرعي الطيراوي، عادت لتشغل سريرا في مستشفى الكرمل ، في صراعها الأخير مع مخالب السرطان اللعين وهو ينهشها من أخمص قدمها ، حتى إصبع يمينها  السادس، وصولا إلى ما تبقى من ثدي زرع الحب في قلب أبي، ذات تاريخ مضى فأزهر بي، قبل أن ينتهكه المرض النهم الزاحف نحو المزيد من الفرائس.. فهو لا يشبع ولا يرتوي حتى وإن ارتشف من عين جدتي حزنها وذكاءها.. وحصد سكرعنبها الناضج حصرما، فموسم حصاده لا ينتهي.. وقمحه لا يصلح لخبزنا.. مناجله ليست كمناجلنا.. وإن كانت سنابله هي أجود سنابلنا! وللسنابل حكاية حب، تنام بين رموشي تسبح في دمع الذكريات، تصحو على صوت دحرجة برميل "السليقة"،  ويوم السليقة كان عرسا يبدأ منذ لحظة "دحل" البرميل المستعار من بيت الجيران، على  أيدي الأحفاد الذكور معلنين بدء الاحتفال، منتهيا بطعم القمح المحلى معطرا باليانسون..

ذوت السنابل فانتحر عطر اليانسون، رنختها رائحة الدواء وهي تغزو ثديا هو  بطانة لقلب هش,كان قد نام هنيهة عن انكسارته واعتصارته.. لكن شراسة السرطان لم تكتف بالدرع الذي ابتلعته، بل أوغلت نحو القلب تنعف حكاياه الموجعة... أصابتني حمم الحكايا لتضرم فيّ حريقا صامتا خبا دون أن يثير غبارا..

في صحوة ما قبل الموت أمسكت بيدي وشدّت وكأنها تمتحن قدرتي على مواصلة حكايتها، فطفت  على سطح ذاكرتها حكاية صغيرة يبدو أنها كانت قد ضيعتها بين خيطان التطريز والخياطة، أمسكت بطرف خيط الحكاية ، ونسلته بصعوبة، خيط رفيع  متقطع من البحة الناشفة.. قبل أن تحكي ابتسمت وأومأت بإشارة، فهمت منها أنها ترغب في قضم تفاحة، كانت مولعة بالتفاح المقرمش، قطعت لها قطعة صغيرة، فبقدر ما خفت عليها من الاختناق خفت أن لا تنال أخر قضمة، لعلّ تفاحة أخرجت حواء من الجنة تعيد جدتي اليها! أمسكتها وقبل أن تضعها في فمها الذي بالكاد يتحرك للكلام قالت "مش منيحة، ما بتقرش!"حبست دمعا قد يسحبها سريعا نحو درب الجنة إن لحظته وفهمت سببه،وانتظرت تفاح شجرتها الذي تساقط في "حرجي"وأنا عاجزة عن "لمّه" فذبل قبل أن تذبل كلماتها الأخيرة، عرفتُ أنها الأخيرة فسحبت ما تبقى من كلام، كما كانت تسحب الفساتين من تحت الإبر..

 تستحضر  في تلك اللحظة موتاها الذين اشتاقت للقائهم .. أما حكيت لك يا ميمتي عن عمك محمد، ابني البكر الذي لم تعرفيه إذ مات أيام الهجيج..؟ وكانت قد حكت لي الحكاية ألف مرة، مرة بطعم التفاح ومرة بطعم الياسمين ,وهذه المرة بطعم القطرون الذي كانت تعجن به صابونها... استرسلت بحشرجة وأصرت أن تستعيد في تلك اللحظة قصص الغائبين .. في طريق هجيجنا إلى لبنان، أصابته الحمّى وانتهى، احترق بين يدي وعلى صدري المحروق هذا،وأنا عاجزة مشلولة، دفنوه ،دفنوا قطعة من الروح في الطريق، ما بين الجليل وسهل  البقاع،في بقعة تشبه كل بقاع الأرض، وضعوا لحمي في التراب، ومضيت معهم إلى لبنان، لكن عيوني قفزت إلى ظهري تحدق في فلسطين.. ومع ذلك ففي درب عودتنا لم أتمكن من العثور على القبر الصغير، في حقول القبور الضائعة كبيرة وصغيرة، بين مخالب السّريس والشوك..

أنا الآن يا ميمتي في طريقي إلى الذين اشتقت إليهم وضيعت قبورهم..

تدغدغ ذاكرتي حميمية جلساتنا ,عندما أهم بالرحيل فتطالعني من تحت النظارات بتوسل "خليكي حيانة عليك".. فأمكث هنيهة لمراضاتها.. لا أظنها قد سمعتني وأنا أتوسل إليها في تلك اللحظة الأخيرة بيننا، مختنقة بعصير عيني: "خليك ستي والله حيانة عليك.."

فاضت روحها خيط دخان تكاثف ليحجب عين شمس نيسانية غارقة بقصص العاشقين، فكشر السادس من نيسان، ثم بكى احتراقا على التي هجعت قريرة العين في حضن أعشابه وبراعم أشجاره الذاوية التي تتناثرت دمعا ملونا، وأوراق النرجس اليابسة انحنت، انكسر ظهر الدالية العالية.. تبعثرت وريقات الجوري الأحمر الذي بيدها زرعته، هاربة من عطر ذبيح فارشة لونها القاني سجادة تحت أقدام العابرين  وعلى أكتافهم نعش الياسمينة.. مضى موسم الإزهار.. وأمطرت السماء كل ياسمينها..

تململت وهي تعدّ درب اللقاء لأحبة ضيعت قبورهم ذات رحيل..

ومضت..

زارتني بعد أن مضت، ليس قبل أن تمهلني أن أستعير ابتسامتها المراوغة، وأنا أطمئنها على حال السنابل، اطمئني ستي لم يأت موسم الحصيدة بعد، نحن بخير.. واكتشفت كذبي فعاقبني ولم تكرر الزيارة ..

تقتلني فيروز إذ تصغي لحنجرتي المذبوحة فتصدح باسمي  عاليا:

"اشتقتلّك يا ستّي، علّي صوتك، صوتك بعيد، جايي من الكرم، جاي من التفاح، صوتك حامل شمس  وفييّ، ولون التين والزيتون... ايه وريحة الطيّون يا ستي.."

أسمع قرشة التفاح الذي كان فاكهتها المفضلة، أشم رائحة تينتها والطيون والياسمينة الخالدة، أرى أصابع يدها الست وهي تفرط العنب و"تبزره "حتى لا نتشردق" حين "نلحوس" أطيب مربى..

لم يكن هذا التبزير في الوقت يحلو لأمي-الحاجة أم شادي الحردان، أطال الله في عمرها-وكانت تضيق صدرا من هذا العمل البطيء، وستي التي كانت تناديها بـ "فلفلة" لأن أمي"المعدلة" كانت ولا زالت تعمل مثل "الفرنينة" تبتسم لها  قائلة: "الأولاد بتشردقوا من البزر.. "والحقيقة أنها كانت مثلي تشمئز من هذه البذرات الدخيلة وهي تشوش أناقة اللون العسلي الراقص في قلب المرطبان، مكملا اللوحة إلى جانب مرطبان "كعابيل اللبنة" الغارقة بزيت الزيتون، جنبا مع مرطبان اللفت المستسلم للون الشمندر المنثوريّ..

لوحة اصطفت على أحد رفوف المخزن المظلم فأضاءته.. لوحة قد باعتها الأيام للتاريخ في سوق المزاد العلني بشطبة قلم، ومضت ساحبة معها ذراعيّ على طولهما، علّي أمسك حبال الصوت لتحملني إلى ركبتها، لكن هيهات، تصادرهما الحقيقة المرة فيسقطا ذراعا تلو ذراع.. أغمض بقوة، أعتصر- كما كانت تفعل- دمعا حامضا، أرى تحت الجفون غيابا مغمغما، أرى ستّي تمام، بدر التمام..

"حيانتها"

 شفاعمرو

2020-06-08