الأربعاء 25/10/1441 هـ الموافق 17/06/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
يا ابنةَ الرّياض ونجيّةَ الجداول ..!... بقلم : يوسف ناصر

  (1)

   ..كم سرّني أيّتها اليمامة العزيزة , وسكّن نفسي أن تعودي كلّ عام من هذا الشّهر إلى شرفة منزلي , ضيفًا عزيزًا ينزل مع أهله في رحابي , وتقيمين قصرك البهيّ على حافّة نافذتي , مفروشًا  بالورد , تبيضين , وتنامين فوق جَوْزلَيك الصّغيرين , وقد فضّلتِ شرفتي على شرفات الشّجر الوريف في الوادي السّحيق , ونوافذ الغياض الأنيقة في الرّوابي العاطرة .! يا ابنة الرّياض , ونجيّة الجداول .! اطمئنّي تحت سقفي في جواري , ولا تخافي شرًّا .. ولا ترتاعي , رفّي بجناحيك آمنةً , غرّدي ومتّعي نفسك بعرسك البهيج , وأسعدي قلبك بقرانك الجديد , عانقي وقبّلي حليلك وبثيّه تباريح قلبك ولا تخشي رقيبًا .! اهجعي متى شئتِ , ونامي و احلمي , واستيقظي , وفكّري , وأفرِخي ولا ترهبي حادثًا ..! يا ابنة الرياض ونجيّة الجداول .! إنك ,وأنت في منزلي, إذا صادفتِ مرّة أنْ رأيتِ في الليل صوتًا يرفرف بجناحيه فوقك وقد مرّ بك سريعًا وعبر , فلا تفزعي .! إنها روحي تخرج منّي كلّ يوم وتعود لتطأ الأثير وتلامس أرواح  المعذّبين والمنكوبين في الأرض .! وإذا شاهدتِ زورقًا يمخر عباب الصّمت حولك , كذلك لا تقلقي ..! واعلمي أنّ فوق الزورق العابر ملاّحًا هو قلبي يجور به من شواطئي قاصدًا المأسورين , والمسجونين , والمطرودين من ديارهم , والمسحوقين , والجياع في العالم ..! 

          .. تهجعين فوق فرخيك بحنان , وتزقّينهما بمنقارك وتطعمينهما بحنوّ حتّى يكبرا ويدرجا خلفك , ويطيرا معك إلى أن تسلّميهما لأيدي الأثير , ليحلّقا مع الرّياح فوق الشّجر , ويحطّا على الجداول والسّواقي ..!  لا تتعجّبي يا عروس الرّوابي.! أنا مثلك في قلمي الذي يبقى هاجعًا في وكره , يخفض جناحيه فوق أفكاري  , ومشاعري  , وكلماتي  , وحروفي حتّى تخرج من قشورها قويّةً , فيزقّها من مَنسِره  , لتكبر وترفّ بأجنحتها , وتنطلق من وُكنتها فوق الجبال , والأوديّة  , والأنهار.. ولتصدح وتغنّي للبشريّة أنشودة المحبّة والسّلام إلى الأبد ..! لا تعذُليني إن سكتّ هنا ولم أزد , إذ لا شأن لي في الأقلام الكثيرة التي نراها كلّ حياتها ترقد على الحصى والحجارة الميّتة بين الأعواد وفوق الورق ..!

       .. أتيتِ إليّ بعد أن هجرتِ غابتك .! كذلك أنا مثلك يمامة بشريّة أخرجها فكرها وعاطفتها وثورتها من غابة الحياة لتحيا وحدها في صومعتها داخل منزلي حياةَ النسّاك والرّهبان في صحرائي السّحيقة الممتدّة على طول أحلامي في أعمق أعماقي ..! وإن كنتِ لا تدركين ما أقول , بل تعييك الكلمة الخشناء منّي , فاعلمي أنّ لنا حديثًا آخر بيننا نتمّه يوم غد  , نُسرّي به عن أنفسنا ونبوح بما في صدرينا من لواعج وهموم  .!

       ..أيّتها اليمامة الوفيّة .!! حين تخرجين بعد أيّام مع أبناء أسرتك إلى بلادك , وتحملين كل ما جلبتِ معك إلى قصرك , وتودّعين بالشّدو منزلاً قد استضافك , أوصيك بل استحلفك بالمودّة القديمة بيننا , أن تذهبي عنّي من هنا إلى كلّ سجن في الأرض يضمّ بين قضبانه سجناء أوطانهم , وأسرى حرّيّتهم .! وبعد أن تتّخذي من الغيمة السّمراء فوقه منبرًا لك , اهتفي عنّي هناك بصوتك الرخيم قائلةً :

       " ايّها السّجين بين السّجناء الأحبّاء ممّن سجنهم حبّ أوطانهم .! تجمّلْ وتعزَّ .! ليس في الدّنيا كلّها أكبر منك بمحبّتك لحرّيّتك , وتضحيتك لوطنك .! وليس أصغر في الدّنيا من سجّانك ببغضائه وحقده لك .! لا تأسَ على أنّك فارقت أهلك , وأنّك لا تحيا بينهم , وقد نزعك سجّانك عَنوةً من ذلك المنزل الحبيب .! تيقّنْ أنّ أهلك ومحبّيك هم معك في سجنك , وأطيافهم تشقّ نوافذ الفولاذ المغلّقة ليدخلوا إليك , وليكونوا معك في حركاتك وسكناتك .! وما همّك ومنزلك الذي منه خرجت يقيم في قلبك .! لا تتأسَّ على حريّة ضيّعتَها خارج القضبان , ما دامت الحريّة بين يديك تصنعها للنّاس بأناملك , يوم جاءت معك مكبّلة بالأغلال ، ويسحّ الأمل من يديها ورجليها لوخز القيود ..! اعرِفْ جلال قدرك مع فضل السّجن عليك , وتذكّرْ يا أخي أنّ الصّباح اللاّمع لا يكون يومًا إلاّ مع الشّمس التي تمنحه للعالم .! والأزهار الشذيّة لا تفوح إلاّ من الأرض التي أطلعتها للنّاس .! ولا يحيا القمر المنير إلاّ في حِجر الظلام الدامس ..! وأنّ أمتع اللّذات في الأرض لا يذوقها إلاّ الذين يذوقون أشدّ العذاب من أجل إيمانهم وتضحياتهم ..! قُلْ لي : وهل يُغيّب الليلُ تحت ثيابه غيرَ الكواكب والنجوم الساطعة ..! وأين بين النفائس كالذهب يُدفن في التّراب لفضل قيمته !! وهل أحاط السّوار في المعصم يومًا إلاّ ليزيّنه  بين الملابس والحلل ..!

       .. لا , لستم وحدكم السّجناء في الأرض ..! ولئن كنتم في سجن واحد تقيمون وراء القضبان فاعلموا ـ وأنا الطليق ـ أنّني  أقضي وقتي داخل عشرات من السّجون وفي آن واحد ..! وإني لأحمد الله على نعمة السّجن , لأنني لولاها لما كانت لديّ تلك الكنوز والذّخائر والقلائد ..! 

              يا إخوتي أينما كنتم .! لا تحسبوا أنّكم متروكون في سجونكم ، وما من أحد يلتفت إليكم ويتذكّركم .! هوذا قلمي ينزل كل ساعة إلى قعر قلبي , ويرشف بشفتيه محبّتي الدّائمة لكم  , ثمّ يصعد إلى عينيّ ليمتصّ دموعي ويحملها إليكم على الورق ..! وتلك الرّيح الّتي تسمعونها تعصف خارج سجونكم , وتقضي يومها تطوّف حول الأسلاك النابضة بالموت قربكم وتناديكم , هي روحي هبّت من أعماقي ، وخرجت لتسأل عنكم في ظلمة اللّيل وعند منبلج الصّباح ..!

            .. إنّ غابات الدّنيا الكثيفة بأسرها سوف تقطعها الأيّام بمناجلها , وإنّ الأشجار العظيمة سوف تستأصلها الأزمان بفؤوسها , وتلقيها أمام السّيول وتذهب ..! أمّا القلم الذي يكتب فيكم من دمه ، فسيبقى مغروسًا في الأرض شجرةً وارفةً مثمرةً يأكل النّاس منها إلى دهر الدّاهرين ولا تُقطع .! بعد أن حظيَتْ سيرته بالخلود منذ اللحظة الأولى التي سطّر فيها الحرفَ الأوّل عن سيرة آلامكم وعذاباتكم ..! فطوبى لكم يا إخوتي وبشراكم حيثما كنتم"

    كفرسميع

  [email protected]

 

 

2020-06-17