السبت 28/10/1441 هـ الموافق 20/06/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
شجرة الكحل/ إيمان بكر حمدان

أخبرتكم ذات حكاية عتيقة عن "ستي" تمام، أن حكاياتها لم تكن مخيفة.. يبدو أنّني كنت أكذب قليلاً..

حكاياتها عن النّسوان كانت مفزعة، وما زالت إلى هذه اللحظة تلكزني كلّما ثقل نومي، وغلبني النّعاس، أو استفحل بي الخمول.

والحكاية عن امرأة يبدو أنها من ذلك العالم، العالم الآخر الذي يقتلنا ذعرًا فنسمّي باسم اللّه ألف مرّة، ونستعيذ به: "الشّر برّا وبعيد" ونقرأ المعوّذات (حتى الذين لا يعرفون الوضوء يقرأون..)، ونغمض عيوننا بأصابعنا كي لا نراها، أو لا تراناّ. فنلوذ إلى لحاف العتمة مشعّلين الأضواء فوق الأسرّة، قبل النوم كمحاولة بائسة للهرب منها ومن العتمة التي تحتضنها  الحكاية.. حكاية "سعدى".

وسعدى – يا مستمعين يا كرام- (ولم يكن المستمعون الكرام سوى نحن الصّغار، وكنتُ أنا أصغرهم وأكثرهم رعبًا..). ويواصل لسان "ستي" مع "طرقعة" مسبحتها التي لا تفارق أناملها، فترسم لنا تفاصيل عينيّ سعدى، وخريطة جسدها، كانت مثلنا (كما تروي ستّي) تصحو قبل صحوة الضّوء، تتوضّأ وتصلّي الفجر، تعجن وتخبز، تغسل وتنشر، تنقر القرع والباذنجان، تمعس البندورة، تسلق العلت، سعدى فلّاحة بنت فلّاحين.

-              يعني كانت "مرَة معدّلة"؟  -أسأل ستي.

-              هي ما كانت "مَرَة مَرَة"، يعني كانت متبنتّة!.

-              شو يعني متبنتّة يا ستّي؟

-              يعني يا ستي كبرت في بيت أبوها وما إجاها النّصيب..

-              مين هادا النّصيب يعني؟ غول؟!

-              لا يا ميمتي، مش غول، زلمة!

-              والزّلمة مش غول؟

-              لا! الزّلمة زلمة!.

-              طيب والزلمة بتبنّت كمان؟!

تضحك ستّي تمام من أسئلتي البلهاء، ومع ذلك فإنها كانت تجيب عنها جميعًا.

أبدا! الزّلمة بضلّ زلمة يا ستي، شو ما عمل وشو ما صار..

أفتح فاهي للسّؤال مجدّدًا فليكزني أترابي من أولاد وبنات أعمامي، أن أكفّ عن هذه الأسئلة الحمقاء التي لا تتلاءم ونضوجهم !، وتجعلني أبدو الصغيرة الثرثارة، رغم أن فارق العمر بيننا لم يكن يتجاوز السنة أو السنتين، فينعتوني بـ "كتيرة الحكي".

"من يوم يومي" وأنا أعشق الحكي!.

-              طيّب يا ستّي شو صار مع سعدى؟

-              ولا شي...

-              يعني ما في حكاية؟

-              في حكاية، في حكاية، بس لا تخافوا من النهاية..

سعدى يا مستمعين يا كِرام، حملت جرّتها الفاضيّة ونزلت تملّي مع الصبّايا..

وتصوّر ستّي مشوار الملّايات إلى طرف البلد نحو عين الماء، وهنّ يغنين ويخرخشن بخلاخيل الفضّة المتدليّة حول أقدامهن، إشارة إلى عزوبيتهن، وتلميحًا للنساء اللاتي تبحثن لأبنائهن عن عرائس، تلميحًا مشروعًا لا يخدش حياءهن، وعرضًا مقبولاً لا اعتراض عليه!.

كانت سعدى بمنديلها الأويا المشمشي فوق "الشكلة" ، تغطّي الجزء الأعلى من رأسها، تمامًا تحت موقع الجرّة التي استقرت صامدة، بينما كانت سعدى تتمايل في طريقها إلى العين  رشيقة كغزالة، ومن تحت أطراف المنديل تتهدّلت  طرابين الجدائل متراقصة كسنابل فوق نهديها مرورًا بكتفين عاليين، وصولاً إلى خصر كأنه غصن البان، كانت قد شدّته بزنّار أحمر، بيديها طرزته قطبة قطبة "وطقشتهُ" بالخرز البرّاق ليزغلل عين الأسمر كحيل العين، إذا ما قابلها "صدفة" وهو في طريقه إلى كرم زيتونه  الرابض قرب العين ،ليغنيّ لها:

يا واردة ع النبع، يا واردة ع النبع

ما تسقيني من الجرّة!

وحياة عينك يا سمرا .. وحياة عينك يا سمرا

ما بوخذ غيرك بالمرّة..

فتحمّر الوجنتان، وتختلط السُمرة بالرّمان، لتنفرط حبّاته وتتدحرج أمامها برشاقة المطر الأول لتغدو سعدى أعلى من نخيل العراق..وتنتعش  عينه الكحلى من فرط الرّمان  لتحلق بحنجرته على أجنحة  فراشات الغزل مجددا:

يا واردة عَ العين تتملّي جرّة ميّة..

شعرك يا سواد الليل والغرّة شلبيّة.

تتفحص ذهب شعرها المسترسل .. والغرّة الشلبيّة، من أين لها سواد الليل؟ّ ماذا لو غيّر لون  الأغاني وقال:

شعرك تقاصيص الذهب.. ينزان بالميزان.

ما بين شعرة وشعرة منبت الريحان

ثقلك ينزان بذهب، ثقلك بمال ينزان

لهديكِ تقلك ذهب تيرجح القبّان..

 

لكن الصدف لم تشأ.. أن ترسله إلى الكرم..

ولم تشأ أن يختلط الكحل بالرّمان..

كان "الدّركي العصمليّ" يتجوّل بين حقول الناس، مداعبًا شنبيه المنتصبين كأذني ثعلب، بأصابعه القزمة المهتزة ذات اليمين وذات الشمال، بالعًا طرف شفته العليا بالسّفلى، بينما هو "يتلصلص" على الصّبايا الملايات.. تقع عيناه الزائغتان كبصاقتيّ حلزون، على سعدى.. على عيني سعدى. على قطعتين من كروم اللوز المخمليّ اليانع اخضرارًا... تغفوان في ظل قوسيّ نصر حادّين، فاشتهى اللوز ،وقطفه ،ليسقط قوسا النصر ركامًا، وبعد أن رمى القشور، كاد أن يدوسها، لكنه لم يجرؤ خاف أن تجرح "بسطاره" الجلف الموحل، فتحايدها ومضى بكامل وحله.

نهضت لوحدها.. لم يعنها أحدٌ، ركضت إلى العين ترويها الدّمع.. لتفيض.. فيشرب الشاربون وجع انكسارها.

-              شفتِ يا عيني، عيني لما انكسرت؟ّ

شفتِ يا عيني رفيقاتي لمّا انهزموا؟

شفتِ يا عيني "بسطار العصملّي" كيف معلّم على عيني؟.

وأخذت تنشل الماء بجرتها المشققة،  مشرومة الباب، كانت تملؤها فلا تمتلئ.. ومع ذلك أصرّت أن تتعلّق بكل قطرة تنزّ من جراح الجرّة، لتغسل جدائلها المنتوفة وتطهرها من دنس البسطار. تعالج  شذرات منديلها الذي تدلّى حزينًا منزوعًا من "فِلَله وتطقيشاته"، تعيد شدّ الزنّار الذابل حول الخصر المذبوح، فتسكب دمع الجرّة المشققّة لتغسل ساقيها المضرجتين نزيفًا أسودا من آثار العار الذي لم ترتكبه بل ارتكبها.. ولتجرّ ما تبقّى منها حتى تعود إلى الحيّ البعيد، تحمل جرّة مبتورة ،مكسورة، نازفة، نزّ منها كل ما قضت يومها "تمليّه"، تجف القطرات وتتبخّر وكأنها لم تكن.

تنام في زاوية "السّدة" ككومة بصل، تقوم في الفجر تتوضأ، وتصلّي العشاء الذي فاتها، تعجن وتخبز، تغسل وتنشر، تنقر القرع والباذنجان، تعصر العلت فيبكي بين يديها حتى يصير شمندرًا، ثمّ تمضي لوحدها دون رفيقات لتملأ جرّتها التي تحوّلت إلى جثة جرّة بعد أن قطع "العصملي" عنقها ،فرأسها،. فقلب سعدى..

كانت قد حاولت إصلاح الكحل في عينيها، ولم تكن تفلح في إصلاح انكسارهما، خبأت سنابل ضفائرها تحت أشلاء منديلها بحذر، ثمّ أرخت برقعًا مخرّمًا ليغمر وجهها ا لمكدّم ، دون أن يخفي شيئًا من آساه...

ولم تردّد أغنية النبعة، فقد غابت كلماتها عن الذاكرة كغيمة صيف، بل قفزت كغزالة هاربة من عنق بندقية هوجاء، أو من أنياب وحش لا تعرفه ولا تراه لكنّها تتوّقع مفاجأته في كل لحظة كتوقع سائح لمطر يعرقل رحلته في يوم شتائي داكن.

وقد كان هناك يترصّد قفزها، رابضًا على رأس النبعة متربعا في كرم الأسمر، بزيّه الكاكي، وسرواله "المقطوش" وجزمته الصاعدة إلى ركبتيه، بشعره الأشقر وعينيه الزّرقاوين وبندقيته، إنجليزية الصّنع، ليكسر ما تبقى لها من لوز، ويدوس بجزمته ما لم يدسه الدّركي بالأمس، تقاومه بعشوائيّة، لكنّها تقاوم.. وتقاوم، وقبل أن ترفع رأسها من جديد، قبل أن ترتّب جوانب الطّرق والسناسل التي هيّلتها أعقاب البنادق والنعال، تلمحهم أفواجًا يتوافدون من بعيد بغمزة من يديه، وهو يهتف ويطمئنهم:

-              الآن اقتربوا.. قد مهدّت لكم الطريق، كما وعدتكم.

تفتح عينها المتورمتين لترى جموعًا غريبة اختلطت أزياؤهم ما بين الزّي الشرقيّ والأوروبيّ من فرنسي وألماني وانجليزي، وقد أقبلوا جميعًا إليها بشغف، ، بل بشبق النمور المحرومة، ليعرّوها ويمزقّوا ما تبقى لها من منديل الأويا المشمشيّ، فيسقط كلّ مشمشها على الطريق ليدوسوه بخطوات مسيرتهم التي بدأت تكبر وتتفاقم ، وتطاولت أيديهم  لتقطع أوصال خيطان زنّارها الذي قضت اللّيالي وهي تتقن زجّها خيطًا بجانب أخيه ،تتمايل فيها صوب الأعلى والأسفل واليمين واليسار، لترسم أسمى وأبهى لوحات أرضها، تطاولت الأيدي أكثر فأكثر لتنتف جدائلها شعرة شعرة دون أن تهتز لهم شعرة، ولا يمضون كما مضى "البسطار" و "الجزمة"، بل ينزرعون كالأعشاب ، ويحفرون لها في التراب الجاف حفرة طويلة، يلقونها فيها وهي محدّقة العين، يدّسونها بأعقاب البنادق والعصي والنعال.. ويعاودون عملهم في تهييل غبار التراب فوق رأسها المشمشيّ، وهي تصرخ وتستغيث، ولا أحد يستجيب لنجدتها، لا الصيادون  سمعوا الصراخ ولا الملّايات، ولا حتّى وحوش الغابة، ولا الجرّة ولا كحيل العين.. طرش عجيب أصاب العالم فعمي وصمت وغاب، كأنه انتهى..

وهكذا تدفن سعدى حيّة محتضنة بقايا جرة، وتوارى تحت تراب عشقتهُ عندما كانت  تربّت على ذراته يوم زرعت في جوفه القمح والحبق، ابتلعها اليوم ،حتما كانت ستشق جوفه من جديد منبثقة كسنبلة تعلو لتصير نخلة، لكن ليس قبل تّتأود وتتوّجع، بينما  يتراقص دافنوها فوق مثواها غير الأخير، هم يسكرون ويزنون وهي تئن وتأبى أن تموت، مدفونة ما زالت منذ عقودٍ مضت، ولم يبحث عنها أحد.. لم ينتبه إلى غيابها الطّويل أهلٌ ولا أخوة.. ويظنّ الجميع أنّها قد ماتت وصارت "عظامها مكاحل".

ولكن – تضيف ستّي إلى حكايتها – عندما تمرّ من قرب المكان ستصاب بالذّعر فور أن ترى ذراعها الممتدة فوق التّراب حيث زرعوا عَمَارهم، وقنصليات أصدقائهم، ذراع تحوّلت إلى شجرة، والشّجرة أثمرت "مكاحل" بكميّات مهولة، فإذا امتدت يد لتقطف "مكحلة" انغرزت المكحلة فيها وبثت سمّا قاتلًا، وأمطرت السماء كحلها..

كانت المكاحل تنتظر الأسمر كحيل العين.. لتكحلّ لوزها وتمضي معه لتبني هناك بيتها الدّافئ فترضع أطفالها القادمين بسكينة، وتعود لتعصر العلت وتمعس البندورة، وتطرز الأثواب..

-              ستي يعني سعدى ماتت وإلا ما ماتت؟

-              ما حدا بيعرف يا ستّي، انتو بكرة بتعرفوا، إشي بقول ماتت، وإشي بقول إلها ولاد، واشي بقول ولادها ولاد حرام! أنا ما بعرف.. إعرفوا إنتو..

وكانت "ستّي" كعادتها تغمض عينيها بقوّة كلّما تألمت، لتعتصر كلّ ما احتبس فيها من حزن ليسيل بخّورًا من حكاية سعدى . التي حكتها وهي تتلفت حولها كلّما أضافت حدثًا مهولًا.

كانت وبقيت الحكاية تخيفني، لا أعرف أكنت أخاف من سعدى أم عليها؟ّ

فأنا إلى هذه اللّحظة ما زلت أبحث عن شجرة "كحل" وكلّما اعتقدت أني وجدتها تناثر الكحل من عيني.. ورغم ذلك ما زلت أبحث.. لم يصبني الكلل أو الملل بعد... وإن كَلَح لون الكحل حولي..

لأنّ عطر الكحل لا يفارقني، يسكنني مدغدغًا حواسي العشرة أبدًا.. يخاف عليّ من ميتة فوق التّراب، لا تحته..

2020-06-20