الجمعة 30/1/1442 هـ الموافق 18/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
سد النهضة حلقة في صراع إسرائيل بالوجود.... أحمد رمضان لافى

 تضرب أزمة سد النهضة بين مصر وأثيوبيا بعداً تاريخياً وجيوسياسياً ليس فقط لأحد الطرفين فقط ,وهي ليست مشكلة آنية وعابرة , بل هي مشكلة تعود إلى دور إسرائيل وأطماعها في مياه النيل من جانب واستنزاف الدولة المصرية على فترات متفاوتة من جانبٍ آخر, وفى الحقيقة قيام إسرائيل بشراء لسندات وأسهم بناء سد النهضة الأثيوبي لم تكن الحلقة الأولى ولن تكون الأخيرة من مخطط إسرائيلي , فَبَعْد المؤتمر الصهيوني الأول 1897 الذى عقد في مدينة بازل بسويسرا , بدأت المحاولات الصهيونية للاستفادة القصوى من مياه نهر النيل مع بداية التفكير الاستيطاني في الوطن العربي, وقد تجلَّى هذا البدء عندما اقترح "تيودور هرتزل" _ أحد أبرز مؤسسين الحركة الصهيونية _ عام 1903 على " لانسدون" وزير الخارجية البريطاني فكرة توطين اليهود في سيناء ومد نفق مائي يمتد من نهر النيل مروراً تحت قناة السويس إلى سيناء , إلاّ أن بريطانيا رفضت العرض لتخوفها من إحداث تغيير سلبى على مشاريع الزراعة في مصر وخاصة زراعة القطن وهو المحصول الأهم بالنسبة لبريطانيا. كما وتقدم الخبير الإسرائيلي " شاؤول أولوزوروف " النائب السابق لمدير هيئة المياه الإسرائيلية مشروعاً للرئيس الراحل "أنور السادات" وذلك خلال مباحثات كامب ديفيد يهدف الى نقل مياه النيل الى إسرائيل عبر شق قنوات تحت مياه قناة السويس ,ولاستكمال القيود على مياه النيل عمدت إسرائيل على إحكام السيطرة على الدول الافريقية ذات الصلة والتي تدعى دول المنبع وكذلك الدول الواقعة على مسير النهر وهكذا عملت إسرائيل على ربط هذه الدول باتفاقيات اقتصادية وعسكرية وأمنية والأهم من كل ذلك الاتفاقيات المائية , فمثلا تعتبر أرتيريا قاعدة أمنية وعسكرية متقدمة لإسرائيل بالمنطقة ويعتبر الجيش الأرتيرى بشكلٍ أو بأخر ذو عقيدة صهيونية , إذ أن تدريبه وتسليحه وسياساته بالمجمل إسرائيلية. أما كينيا فقد ازداد التغلغل الإسرائيلي فيها بكثافة بعد استهداف تنظيم القاعدة السفارة الأمريكية في نيروبي عام 1998 وأصبح تسليح الجيش الكينى إسرائيلي بالكامل وخاصة سلاح الطيران والبحرية وقطاع الاتصالات حيث يعمل المئات من الضباط والخبراء الإسرائيليين تحت عنوان مدربين ومستشارين أمنيين في صفوف القوات الكينية .

بينما برواندا والكونغو الديمقراطية فقد ذكر موقع العهد الإسرائيلي للتصدير والتعاون الدولي أن إسرائيل قدمت عام 2009 إلى كل من الكونغو الديمقراطية ورواندا دراسات تفصيلية لبناء 3 سدود كجزء من برنامج متكامل تهدف إسرائيل من خلاله التمهيد لمجموعة كبيرة من المشروعات المائية في هذه الدول خاصة إلى رواندا حيث الاهتمام الإسرائيلي الى نهر كاجيرا الذى يمثل حدود رواندا مع بروندي في الشمال الشرقي لإقامة أكثر من سد عليه , وقد نجحت إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية في تأمين سيطرتها على بعض مشاريع الري في منطقة البحيرات حيث تستمر بتقديم الدعم الفني والتكنولوجي من خلال الأنشطة الهندسية للشركات الإسرائيلية في بناء السدود المائية وقدمت إسرائيل دراسات تفصيلية الى زائير ورواندا لبناء 3 سدود كجزء من برنامج شامل لإحكام السيطرة على مياه البحيرات العظمى ,, وبدأ الفصل النهائي من الخطة من خلال السيطرة المباشرة على مياه النيل ,, وفى هذا السياق كشف المحلل السياسي الأمريكي "مايكل كيلو" والخبير في قضايا الصراعات المائية حول العالم في مقال بصحيفة " راندى ديلى ميل" التي تصدر في جنوب أفريقيا عن اجتماعا مًفصلياً عُقد في تل أبيب بين مسؤولين إسرائيليين وأثيوبيين تم خلاله الاتفاق على إقامة عدد من المشاريع المشتركة عند منابع نهر النيل في أثيوبيا , وأضاف " كيلو" أن هذه المشاريع تتضمن إقامة 4 مشاريع سدود على النيل لحجز المياه وتوليد الكهرباء وضبط حركة المياه في اتجاه السودان ومصر , ومن المتوقع أن يتم استكمالها في الفترة ما بين شهري يونيو واكتوبر حيث تشتد الأمطار بالهضبة الأثيوبية , كما وكشفت مصادر إعلامية إسرائيلية عن تقدم شركات إسرائيلية استثمارية تعود ملكيتها إلى جنرالات متقاعدون في الموساد بعروض للمساهمة سواء في مشاريع بناء السدود على منابع نهر النيل في الأراضي الأثيوبية أو في أي مشاريع زراعية أخرى .ولم تقتصر أطماع إسرائيل بالمياه العربية بنهر النيل فقط فمنذ عام 1867 بدأ الاهتمام الصهيوني بمصادر فلسطين المائية الطبيعية حيث ارسل صندوق الاستكشاف الصهيوني مهندسين الى فلسطين لمسح المصادر الطبيعية للمياه , وفى عام 1919 وجه الاتحاد العالمي لعمال صهيون مذكرة الى بريطانيا في اعقاب مصادقة مؤتمر سان ريمو على الانتداب البريطاني على فلسطين جاء فيها " إن مصادر مياه نهر الأردن حتى جبل حرمون ( جبل الشيخ) وقطاع حوران حتى نهر الأعرج جنوب دمشق جميعها جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل, وفى عام 1926 منح المندوب السامي البريطاني لفلسطين المهندس اليهودي " بنحاس روتنبرغ" امتيازاً لمدة سبعين عاما لإنتاج الكهرباء من مجرى نهر الأردن. وفى عام 1938 تأسست شركة ميكروت اليهودية لتنفيذ مشاريع المياه الانشائية وصيانتها , وتحولت هذه الشركة بعد قيام إسرائيل الى سلطة المياه الإسرائيلية .أما تركيا هي الحليف الاستراتيجي لإسرائيل استوعبت الدرس ودخلت في حروب مائية مع سوريا والعراق حيث تقوم بقطع مياه الفرات ودجلة عن البلدين الجاريين مستغلة الأوضاع في العراق وظروف الحرب في سوريا وانكماش الوجود الحكومي الرسمي في منطقة الجزيرة السورية .. وما ساعد في تأجيج الأزمات المائية في المنطقة وخاصة سد النهضة هو السيطرة الأمريكية أحادية القطب على العالم خاصة في مرحلة الرئيس "ترامب" حيث أدت سياساته الى ظهور حالة من كسر القوانين والمواثيق الدولية والاستهتار والضرب بها عرض الحائط من قبل حلفاء أمريكا وإسرائيل. إن الحديث عن حروب المياه المستقبلية في المنطقة هو حديث استراتيجي بالغ الخطورة والجدية ويتوجب على العرب ان يولوه الأهمية والاهتمام المطلوبين , فالمشاريع والمخططات الإسرائيلية في المياه العربية منفلتة وليس لها حدود أو ضوابط .. وفى هذا الإطار نستذكر ما قاله " بن غوريون" عام 1956 " إن اليهود إنما يخوضون ضد العرب معركة المياه التي يتوقف عليها مصير وجود إسرائيل" . إذا الحروب القادمة حروب مائية تخوضها إسرائيل على أنها حرب وجود . [email protected]

2020-07-22